مقالات
محمد الروبي
محمد الروبي

كاتب صحفي

خور مشهر حين يتحول الاسم إلى ملحمة

لم تعد خورمشهر مجرد جغرافيا، ولا مجرد صاروخ، بل حكاية تُروى بثلاث لغات مختلفة:لغة التاريخ، ولغة السلاح، ولغة الموسيقى

مشاركة:
حجم الخط:

في لغة الجيوش، الصاروخ مجرد منظومة تسليح.

أما في لغة الرموز، فهو رسالة.
وحين يُطلق اسم مدينةٍ على صاروخ، فالأمر لا يتعلق بالقوة التدميرية فقط، بل بمحاولة ربط الحاضر بذكرىٍ قديمة. كأن الذاكرة تقول: ما حدث في تلك الشوارع قبل عقود لم يُنسَ، بل تحول إلى جزء من قصيدة القوة والردع.

لكن ما الذي حدث؟

خورمشهر مدينة تقع عند تخوم المياه التي يصنعها شط العرب،حيث تختلط الأنهار بالطمي، وحيث كانت التجارة القديمة تمر عبر الموانئ الصغيرة، مدينة على مفترق الماء والتاريخ.
لكن المفاجأة لم تتوقف هنا. فالمدينة نفسها لم تكن تُعرف دائمًا باسم خورمشهر. لقد عرفها العرب لقرون طويلة باسم “المحمّرة”.
اسم لا يخلو من شاعرية، فهو مشتق من لون الأرض والمياه هناك، حيث كانت مياه شط العرب تحمل الطمي الأحمر القادم من النهر، فتبدو أحيانًا مائلة إلى الحمرة، وحيث تمنح التربة الطينية الداكنة المكان كله ظلالًا من اللون نفسه، كأن الطبيعة نفسها كانت تكتب اسم المدينة بلونها.

 التاريخ لا يترك الأسماء كما هي

ففي ثلاثينيات القرن العشرين، في عهد رضا شاه بهلوي، تحول الاسم رسميًا إلى خورمشهر.
وكلمة “خورّم” تعني البهجة والازدهار، و”شهر” تعني المدينة.
أي أن الاسم الجديد يعني ببساطة: المدينة المزدهرة أو المدينة المبهجة.
وهنا تظهر المفارقة التي يعشقها التاريخ:المدينة التي كانت تحمل اسمًا يصف لون الأرض، ثم حملت اسمًا آخر يصف بهجة الحياة، وجدت نفسها فجأة في قلب واحدة من أعنف الحروب في المنطقة “الحرب العراقية الإيرانية”.
في بداية تلك الحرب الطويلة، سقطت المدينة بعد معارك ضارية. كان سقوطها صدمة قاسية، كأن قطعة من الجسد اقتُلعت فجأة. لكن الحروب، مثل المسرحيات الكبرى، لا تتوقف عند الفصل الأول.
بعد عامين فقط جاءت لحظة أخرى، لحظة أرادت إيران أن تكتبها بدمٍ أكثر كثافة. فبدأت عملية عسكرية واسعة عُرفت باسم عملية بيت المقدس.

ملحمة خور مشهر 

استمرت المعارك أسابيع طويلة. مدينةٌ كاملة تحولت إلى متاهة من الركام والنار. وفي النهاية استُعيدت خورمشهر.
ومنذ تلك اللحظة لم تعد المدينة مجرد نقطة على الخريطة، بل أصبحت في الخطاب الإيراني أسطورة صمود. يقال هناك إن تحريرها لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل ملحمة… كلمة تختلط فيها السياسة بالتاريخ، والعاطفة بالذاكرة.
لهذا لم يكن غريبًا أن تعود خورمشهر إلى الحياة مرة أخر

 ليست مجرد اسم صاروخ 

 لكن هذه المرة في السماء، عندما حمل اسمها أحد الصواريخ الباليستية الحديثة.
لكن اللافت أن الإيرانيين لم يكتفوا بأن يحفظوا خورمشهر في كتب التاريخ أو على أجساد الصواريخ. لقد أرادوا أن يجعلوا الملحمة تُسمع أيضًا.
فقد تحولت القصة نفسها إلى عمل موسيقي، سيمفونية تحمل اسم ملحمة خورمشهر، حيث حاول المؤلف (مجيد انتظامي) أن يترجم صوت الحرب والمدينة والعودة إلى لغة النغم.
هناك، في تلك الموسيقى، تختلط أصوات النحاس بالطبول بالوتريات كما لو كانت تحكي المشهد ذاته:
مدينة تسقط…مدينة تقاوم…ثم مدينة تعود من بين الدخان.
وهكذا لم تعد خورمشهر مجرد جغرافيا، ولا مجرد صاروخ، بل حكاية تُروى بثلاث لغات مختلفة:لغة التاريخ، ولغة السلاح، ولغة الموسيقى.
ولهذا، عندما يُذكر الاسم اليوم، فإنه لا يحضر كسلاح فقط، بل كرمزٍ للصمود والإصرار واليقين بالنصر الكامل.

شارك المقال: