“نبوت” ناعم حطم كبرياء الإنجليز
لم تكن عزيزة الفحلة "فتوة" بالمعنى التقليدي الذي ارتبط في الأذهان بالبلطجة أو فرض الإتاوات. في مملكتها بين الدرب الأحمر والمغربلين، كانت القوة وسيلة لتحقيق التوازن الاجتماعي.

صورة أخيرة متداولة للفارسة المصرية فتوة الغلابة عزيزة الفحلة
عزيزة الفحلة
في قلب القاهرة التي لا تنام، وتحديداً بين جدران حيي “المغربلين” و”الدرب الأحمر” العتيقة، لم يكن التاريخ يكتبه الساسة في القصور الفارهة فحسب، بل كانت تصيغه ملاحم يومية في الأزقة والدروب.
هناك، وفي زمن كانت فيه مصر تغلي تحت وطأة الاحتلال البريطاني، برزت أسطورة حية لامرأة لم تكن القوة عندها مجرد عضلات، بل كانت “دستوراً” أخلاقياً ووطنياً نابعاً من طين الأرض.
هي “عزيزة الفحلة”، السيدة التي كانت بمثابة “الحارس الأمين” لكرامة الحارة المصرية.
لم تكن عزيزة الفحلة “فتوة” بالمعنى التقليدي الذي ارتبط في الأذهان بالبلطجة أو فرض الإتاوات. في مملكتها بين الدرب الأحمر والمغربلين، كانت القوة وسيلة لتحقيق التوازن الاجتماعي.
الأحياء الشعبية
في الأربعينيات، كانت هذه الأحياء تمثل “الكتلة الصلبة” للهوية المصرية؛ حيث الحارة هي العائلة، والجار هو العرض،
وسط هذا النسيج، برزت عزيزة بطولها الفارع وبنيانها القوي، مرتدية “الملاية اللف” التي كانت تخفي خلف طياتها هيبة لا تقاوم.
لم تكن تحتاج لإشهار سلاحها في وجه أبناء منطقتها، فكان يكفي أن تمر في الزقاق لتهدأ المنازعات ويستقيم الحال، فقد كانت “قاضي الشارع” الذي يلجأ إليه الغلبة والضعفاء لانتزاع حقوقهم الضائعة.
أكثر الفصول إثارة في سيرة “الفحلة”
في ذلك الزمان، كانت الحمامات الشعبية هي المتنفس الوحيد والملاذ الخاص للسيدات. وكان جنود الاحتلال البريطاني، بصلفهم المعهود، يحاولون أحياناً اقتحام هذه الخصوصية أو التحرش بالمصريات عند خروجهن في أوقات متأخرة.
هنا، تحولت عزيزة من “معلمة” منطقة إلى “قائد مقاومة” شعبية
كانت ترسم “كماينها” بذكاء عسكري؛ تترصد الجنود الإنجليز في المنعطفات الضيقة المؤدية للحمامات، وبـ “نبوتها” الذي عرف قدره كل من تطاول، كانت تلقنهم دروساً قاسية في الأدب.
لم تكن مجرد مشاجرات عابرة، بل كانت رسائل سياسية واجتماعية مفادها أن “عرض المصرية” خط أحمر لا تستطيع جيوش الإمبراطورية تجاوزه.
فارسة من العصور الوسطى
ربما كانت شهادة الفنان القدير محمود المليجي هي التوثيق الأهم لمنزلة هذه السيدة. المليجي، الذي برع في تجسيد أدوار القوة والفتونة على الشاشة، وقف منبهراً أمام شخصية عزيزة الواقعية.
وصفها بكلمات تلخص جوهرها قائلاً: “كانت بتجيب حق الضعيف.. كانت زي فارس من فرسان العصور الوسطى”.
هذا الربط بين عزيزة وفرسان العصور الوسطى ليس مبالغة درامية، بل هو إشارة لمنظومة “الفروسية الشعبية” التي كانت تمثلها؛ حيث القوة ترتبط بالشهامة، وحماية الضعيف هي الغاية الأسمى.
كانت عزيزة تدرك أن “الفتونة” عبء وليست وجاهة، ومسؤولية تقتضي الوقوف في وجه الظلم أياً كان مصدره.
صورة أخيرة لعزيزة
تداول الكثيرون صورة لعزيزة الفحلة في أواخر حياتها؛ امرأة مسنة يجلس الزمن على ملامحها، لكن نظرة عينيها ظلت تحتفظ ببريق التحدي القديم.
حتى وهي في خريف العمر، كانت صورتها تعكس جلالاً خاصاً، ملامح سيدة عاشت حياتها طولاً وعرضاً، لم تنحنِ لظلم ولم تسكت على ضيم. رحلت عزيزة جسداً، لكن “روحها” ظلت معلقة في مشربيات الدرب الأحمر، ترويها الجدات للأحفاد كدليل على أن “بنت البلد” كانت دوماً هي السند والدرع.
عزيزة الفحلة.. أيقونة نسوية في يوم المرأة العالمي
ومع حلول اليوم العالمي للمرأة، تطل علينا سيرة عزيزة الفحلة لتعيد تعريف مفاهيم “التمكين” و”النضال النسوي” بعيداً عن القوالب الجاهزة والشعارات المستوردة.
فما مارسته عزيزة في أزقة القاهرة كان “نسوية فطرية” أصيلة؛ نابعة من صلب الثقافة المصرية التي تقدس الكرامة وتحترم القوة المقترنة بالحق.
إنها نموذج للمرأة التي لم تنتظر من يمنحها حقوقها، بل انتزعتها بـ “الجدعنة” والشهامة، وأثبتت أن دور المرأة في حماية المجتمع والوطن يتجاوز حدود المنزل ليشمل الشارع والحي والوطن بأكمله.
في يوم المرأة، نحتفي بعزيزة الفحلة، ليس فقط كفتوة تاريخية، بل كرمز للتمكين الشعبي الذي جعل من “النبوت” أداة لتحقيق العدالة، ومن “الملاية اللف” راية للمقاومة والكبرياء.





