اقتصاد
بيير سينجاري
بيير سينجاري

وكالة أسوشيتد برس

إغلاق مضيق هرمز يرسم خريطة مخاطر الطاقة الأوروبية

قفزت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنسبة 60% في غضون أيام قليلة، بعد أن أفضت الغارات الأمريكية والإسرائيلية على إيران إلى إغلاق مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يضخ نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

مشاركة:
حجم الخط:

بقلم: بيير سينجاري 

قفزت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنسبة 60% في غضون أيام قليلة، بعد أن أفضت الغارات الأمريكية والإسرائيلية على إيران إلى إغلاق مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يضخ نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. وبات المسؤولون والاقتصاديون الأوروبيون أمام أشد اختبار لأمن الطاقة منذ الأزمة الروسية عام 2022، في وقت تُعاني فيه مخزونات القارة أصلاً من عجز حاد يُقلّص هامش المناورة.

هرمز: شريان طاقة لا بديل عنه

سجّلت عقود الغاز الطبيعي الهولندي TTF، المرجع الرئيسي لتسعير الغاز في القارة الأوروبية، مستوى 50 يورو لكل ميغاواط/ساعة صباح الخميس. هذا الرقم ليس مجرد حركة سعرية عادية، بل يمثّل الصدمة الأكبر في سوق الطاقة الأوروبية منذ ثلاث سنوات.

يمرّ عبر مضيق هرمز ما يقارب 20% من إمدادات النفط العالمية، وقرابة الخُمس من تجارة الغاز الطبيعي المسال (LNG). ولأوروبا حصة مباشرة في هذا التدفق؛ إذ تُشكّل قطر وحدها ما يناهز 15% من إجمالي واردات القارة من الغاز المسال. وقد تضاعفت درجة الهشاشة الأوروبية تجاه هذه المسارات منذ أن قطعت القارة عبر السنوات الثلاث الماضية شريان الغاز الروسي، ولجأت إلى الشحن البحري من الخليج بديلاً عنه.

وتقول بريدجيت باين، رئيسة قسم توقعات الطاقة في “أوكسفورد إيكونوميكس”، إن الخطر الراهن لا يكمن في توقّف الإنتاج كلياً، بل في اضطراب حركة التجارة ذاتها؛ مشيرةً إلى أن الإمدادات قد تُعاني نقصاً يبلغ أربعة ملايين برميل يومياً خلال الربع القادم، فيما لا تستطيع طرق الشحن البديلة استيعاب سوى ثلث الكمية التي تعبر هرمز عادةً.

استهدفت عدة طائرات مسيّرة ميناء الدقم التجاري في سلطنة عُمان، ما أدى إلى إصابة خزان وقود دون وقوع إصابات بشرية، وفق وكالة الأنباء العمانية، فيما أكدت مسقط احتواء الأضرار واتخاذ الإجراءات اللازمة.

مخزونات في الحضيض.. وشتاء مقبل في الميزان

دخلت أوروبا شهر مارس 2026 بمخزونات غاز بلغت نسبة الملء فيها نحو 30% فقط، وهو أدنى مستوى موسمي منذ سنوات. وتقف ألمانيا، أكبر اقتصادات القارة، في مقدمة المعرّضين للخطر، إذ لا تتجاوز احتياطياتها 21.6%. ويزيد الأمر تعقيداً أن موسم إعادة الملء الصيفي بدأ للتو، فإن استمر الإغلاق أو ارتفعت أسعار الشحن، فإن المنافسة مع المشترين الآسيويين على شحنات الغاز المسال القطري ستشتدّ، ما يُصعّب على الدول الأوروبية تأمين احتياجاتها قبل موسم التدفئة القادم.

التضخم يعود.. والنمو في مهبّ الريح

يُحذّر أوليفير ركاو، كبير خبراء الاقتصاد الألماني في “أوكسفورد إيكونوميكس”، من أن مزيج المخزونات المستنزفة والاعتماد على طرق الخليج يُشكّل وصفة مثالية لصدمة تضخمية في جانب العرض. وتتوقع المؤسسة أن يرتفع التضخم العام في منطقة اليورو بين 0.3 و0.5 نقطة مئوية لتصل النسبة إلى قرابة 2.3% خلال عام 2026، فيما قد يتراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة بنحو 0.1 نقطة مئوية إلى ما يقارب 1%.

وتتقاطع هذه التقديرات مع تحليلات “غولدمان ساكس”، التي أعلن كبير اقتصادييها الأوروبيين سفن ياري ستين، أن بنك الاستثمار الأمريكي بات يُراجع توقعاته للنمو والتضخم وسياسات البنوك المركزية في ضوء المستجدات. ويقدّر “غولدمان ساكس” أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يقتطع ما بين 0.1 و0.2 نقطة مئوية من النمو الاقتصادي لمنطقة اليورو والمملكة المتحدة والسويد وسويسرا في العام الجاري.

“في السيناريو الأشد سلبية، قد يصل سعر النفط إلى 100 دولار للبرميل والغاز إلى 100 يورو للميغاواط/ساعة، ما قد يرفع التضخم بأكثر من 3.6 نقطة مئوية ويُرغم البنك المركزي الأوروبي على رفع أسعار الفائدة مجدداً”

وفي أشد السيناريوهات قسوة، تتوقع “غولدمان ساكس” أن يلجأ البنك المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار الفائدة مرتين بواقع 25 نقطة أساس لكل منهما في النصف الثاني من 2026، وذلك في حال تمدّد أثر ارتفاع الطاقة ليطال التضخم الأساسي بشكل واسع.

الملاحة تتوقف وسلاسل التوريد تنكسر

لا تقتصر تداعيات الصراع على أسواق الطاقة وحدها؛ فالمنظومة اللوجستية العالمية تشهد هي الأخرى اضطراباً حاداً. وبحسب يهودا ليفين، رئيس قسم الأبحاث في “فرايتوس”، فإن حجم الضربات العسكرية وردود الأفعال في المنطقة أجبر كبرى شركات الشحن على تجميد حجوزاتها إلى موانئ الخليج. وعلّقت كل من “هاباغ-لويد” و”إم إس سي” قبول الحجوزات، فيما أوقفت “سي إم إيه – سي جي إم” قبول الشحنات إلى المنطقة بالكامل.

ويمر عبر مضيق هرمز ما بين 2 و3% من حجم الحاويات المتداول عالمياً، ونحو 100 سفينة حاويات باتت عالقة حالياً في مياه الخليج. وأعاد النزاع كذلك亮 شبح تهديدات البحر الأحمر إلى الواجهة؛ إذ أعلن الحوثيون احتمال استئناف هجماتهم على السفن التجارية، ما اضطر شركات الشحن إلى تحويل مساراتها مجدداً حول رأس الرجاء الصالح، مما يرفع التكاليف ويطيل أوقات التسليم.

وتمتد الاضطرابات أيضاً إلى قطاع الشحن الجوي؛ فقد أسهمت الاضطرابات في المطارات والمجال الجوي الإقليمي في تقليص الطاقة الاستيعابية العالمية لناقلات الشحن. وتتحكم ثلاث شركات خليجية وحدها هي “قطر إيرويز كارغو” و”الإمارات سكاي كارغو” و”الاتحاد” في نحو 13% من الطاقة العالمية لنقل البضائع جواً، ما جعل توقف رحلاتها يُلقي بظلاله على حركة التجارة بين آسيا وأوروبا. وتُشير بيانات “فرايتوس” إلى ارتفاع أسعار الشحن الجوي من جنوب شرق آسيا إلى أوروبا بأكثر من 6% خلال الأيام الأخيرة وحدها.

الأسواق المالية تُعبّر عن القلق.. واليورو يتراجع

على صعيد أسواق الصرف، تراجع اليورو بنحو 1.8% أمام الدولار الأمريكي منذ تصاعد حدة النزاع، بحسب ميخاو يوزفياك المحلل في “إيبوري”، في ظل لجوء المستثمرين إلى الأصول الآمنة من دولار وذهب. وكانت موجة البيع أكثر عنفاً في دول أوروبا الوسطى والشرقية؛ إذ تراجع الفورنت المجري بنحو 5% أمام الدولار، وهبط الزلوتي البولندي بما يناهز 3.5%، في إحدى أقوى الحركات الأسبوعية لهذه العملات منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. وقد يتحوّل ضعف العملة بدوره إلى وقود إضافي للتضخم من خلال رفع أسعار الواردات.

أوروبا أمام امتحان نموذج طاقتها الجديد

يكشف هذا النزاع عن ثغرة جوهرية في استراتيجية الطاقة الأوروبية ما بعد 2022؛ فبينما نجحت القارة في تقليص اعتمادها على الغاز الروسي المنقول بالأنابيب، فإنها حوّلت هذا الاعتماد إلى الغاز المسال البحري القادم من الخليج، ما جعلها عرضة لكل اضطراب يُصيب طرق الملاحة العالمية أو يشتعل في مناطق العبور الحساسة. وباتت معادلة الأمن الطاقوي الأوروبي مرهونة بمسارات لا تسيطر عليها أكثر من أي وقت مضى.

والرهانات الآن واضحة: إذا استمر إغلاق هرمز، وتمادت اضطرابات البحر الأحمر، وبقيت أسعار الغاز عند مستوياتها المرتفعة، فإن أوروبا قد تدخل شتاء 2026-2027 بمخزونات هزيلة وأسعار مرتفعة وتضخم يتجاوز المستهدفات، في لحظة تبدو فيها الخيارات المتاحة شحيحة وهامش الخطأ ضيقاً للغاية.

المصدر: وكالة أسوشيتد برس  

شارك المقال: