إيران والمقاومة اللبنانية
التحولات في النظام الدولي تعقد الصورة، لكن لا تلغيها، الصين وروسيا تتوسع حضورهما، لكن القدرة على تحويل النفوذ إلى ضمانات ملموسة للبنان تبقى محدودة، طالما لم يكن هناك استعداد لمواجهة مباشرة مع واشنطن

الصورة من داخل إسرائيل وتأثير الصواريخ الإيرانية والمقاومة اللبنانية
بين المعادلة الإقليمية وفرض الواقع على الأرض
خاص آخر الكلام
حين تتكثف النيران في الإقليم، تتكشف الحقائق العارية. المسألة لم تعد مجرد صواريخ أو مناوشات محدودة، بل صراع على تحديد موقع كل قوة في هندسة الشرق الأوسط المقبلة، ولبنان هو الساحة التي تتقاطع عليها كل خطوط النفوذ. إيران لا تتحرك من منطلق الانفعال، بل باعتبارها مشروع دولة يسعى إلى تثبيت نفسه رقما لا يمكن تجاوزه، وحزب الله وحلفاؤه في لبنان هم ذراعها الأكثر قدرة على ترجمة هذا الدور على الأرض، ليس فقط كأداة ردع، بل كقوة قادرة على إعادة رسم قواعد الاشتباك.
منذ انتصار الثورة عام 1979، قامت إيران ببناء استراتيجية محكمة على مبدأين: الأول نقل الاشتباك بعيداً عن حدودها المباشرة، والثاني تطوير شبكة نفوذ غير تقليدية عابرة للدول. هذه الشبكة لم تكن ترفا أيديولوجيا، بل أداة موازنة في مواجهة الولايات المتحدة التي أحاطت الجمهورية الإسلامية بطوق عسكري وسياسي واقتصادي. ومع كل جولة من العقوبات أو الحصار، أعادت إيران إنتاج أدواتها، تطور صواريخها، توسع قدراتها في الطائرات المسيرة، وتراكم خبرة تقنية وعسكرية جعلتها قادرة على إدارة الصراع تحت الضغط. لكن القيمة الفعلية لهذه الاستراتيجية اليوم تقاس بما تمكن حزب الله وحلفاؤه في لبنان من الحفاظ عليه: قدرة الردع، ثبات الجبهة الداخلية، وإعادة رسم المعادلات مع تل أبيب وأميركا.
في لبنان، تبدل المشهد بعد الحرب الأخيرة بشكل جوهري. انسحاب الدور السوري، الحصار المالي الخانق، وحالة الاستفراد التي تعرض لها حزب الله وبيئته شكلت اختبارا صعبا لقدرة المقاومة على البقاء. الرهان الأميركي الإسرائيلي كان واضحا: فصل لبنان عن عمقه الإقليمي وتجريد المقاومة من أي مظلة توازن. لكن المقاومة أثبتت أنها ليست مجرد قوة عسكرية، بل حاضنة سياسية واجتماعية وشبكة استراتيجية تفرض حساباتها. الضربات الصاروخية الأخيرة، برمزيتها وكلفتها، لم تكن مجرد رد فعل، بل إعادة تثبيت لمعادلة الردع على الأرض. هي تقول إن قواعد الاشتباك قابلة لإعادة الكتابة، وأن أي محاولة لإضعاف حزب الله ستقابل بتكلفة باهظة، سياسية وعسكرية واجتماعية.
التحولات في النظام الدولي تعقد الصورة، لكن لا تلغيها، الصين وروسيا تتوسع حضورهما، لكن القدرة على تحويل النفوذ إلى ضمانات ملموسة للبنان تبقى محدودة، طالما لم يكن هناك استعداد لمواجهة مباشرة مع واشنطن. هنا تظهر عبقرية إيران الاستراتيجية: بناء واقع ميداني يجعل أي تسوية بدون حضور المقاومة اللبنانية ناقصة، وهامش المناورة الأميركية محدود، ليس بالقوة وحدها، بل بمعادلة التكلفة والخطر.
أما القدرة الداخلية لإيران، فهي محور آخر من قوة المعادلة. تراكم المعرفة العلمية والصناعية على مدى أربعة عقود تحت ضغط العقوبات، وقدرة طهران على تطوير برامج صاروخية وطائرات مسيرة محلية الصنع، كلها أدوات تمنحها التفوق النوعي، لكنها لا تكفي وحدها. هشاشة الداخل الاقتصادي والاجتماعي، التضخم، الضغوط المعيشية، والاحتجاجات المستمرة، تفرض على إيران إدارة دقيقة للتوازن بين القوة الخارجية والاستقرار الداخلي. وهنا يظهر دور لبنان والمقاومة: كخط مواجهة مباشر يحقق لإيران نفوذها الإقليمي، ويعطيها مساحة للتفاوض، بينما تحمي الداخل الإيراني من الانكشاف المفرط أمام الضغوط الاقتصادية والسياسية.
القدرة الفعلية للمقاومة في لبنان لا تكمن فقط في القدرة على الردع العسكري، بل في تحويل أي هجوم على لبنان أو على إيران عبر لبنان إلى كلفة استراتيجية مرتفعة. هذا ما يجعل حزب الله وحلفاؤه ركناً أساسياً في معادلة القوة الإقليمية، ليس مجرد أداة تنفيذية، بل كقوة تحقق التكامل بين النفوذ العسكري والسياسي والاجتماعي، وتعيد رسم خطوط المواجهة وفق قواعد جديدة، تجعل كل مشروع لإعادة هندسة المنطقة من دونها محفوفا بالمخاطر.
هكذا، يتضح أن الصراع الحالي في الإقليم ليس مجرد مواجهة بين دول، بل صراع على تثبيت واقع على الأرض، يدمج القوة العسكرية مع السياسة والشرعية الشعبية. إيران، بمؤسساتها وخبرتها، وحزب الله كممثل عملي للمقاومة اللبنانية، يشكلان محور هذه المعادلة. النجاح هنا يقاس بقدرة هذه القوى على الجمع بين الردع الخارجي، النفوذ الإقليمي، والتماسك الداخلي، وإلا فإن أي فائض قوة سيبقى هشاً، معرضاً للتحول إلى عبء طويل الأمد. لبنان، في قلب هذه المعادلة، ليس طرفاً هامشياً، بل مفتاحاً حقيقياً لتوازن القوى الإقليمي، وقياسه يعكس بشكل مباشر مدى قدرة إيران على فرض نفسها رقماً لا يمكن تجاوزه في مرحلة ما بعد الحرب.






