آراء و تحليلات

دراسة علي الأفريقي: هل كانت السودان جزءا من مصر؟ (2)

كان محمد علي قد أعدّ لهذه الحملة مدفوعا بعدة اعتبارات، أهمها الخوف من تجمع فلول المماليك في دنقلة وتهديدهم للحكم المصري، إضافة إلى طموحه في السيطرة على مناجم الذهب

مشاركة:
حجم الخط:

(3) مصر والسودان  احتلال متبادل ووحدة عابرة

على امتداد التاريخ، ظلت الحدود الجنوبية لمصر عند أسوان تمثل حدا سياسيا وجغرافيا إذ اعتبرت معظم الدول التي حكمت مصر أن الأراضي الواقعة جنوبها خارج القطر المصري. ومع ذلك، لم يكن السودان معزولًا عن مصر، بل تأثر عبر العصور بالحضارات والدول التي نشأت على ضفاف النيل، بحكم الاتصال الجغرافي والتفاعل البشري بين سكان وادي النيل شمالًا وجنوبًا منذ عصور ما قبل الأسرات.
ففي العصور القديمة، شهدت العلاقات المصرية-السودانية صراعات وتبادلات مستمرة، ففي عهد الملك بيبي الأول من الأسرة السادسة (نحو 2300 ق.م)، جندت مصر قوات من السودان لقمع بعض القبائل المتمردة في شرقيه، ومع قيام الدولة الوسطى، خضع السودان لسيطرة مصر.

توسع النفوذ المصري جنوبا 

وفي مطلع الدولة الحديثة، توسع النفوذ المصري جنوبًا، فقاد الملك أمنمحات الأول حملات إلى السودان، ثم جاء تحتمس الأول (نحو 1504 ق.م) فضم مملكة كوش (النوبة) رسميا إلى مصر، وأقيمت الاحتفالات الفرعونية وعين نائبا للملك بلقب “أمير كوش”،

قسم البلاد إلى أقاليم يديرها حكام مصريون، وأصبحت الأراضي حتى النيل الأزرق جزءا من الدولة المصرية، واستمرت الحملات العسكرية في عهد تحتمس الثاني وتحتمس الثالث لإخضاع القبائل المتمردة، وتواصل الحكم المصري في عهد أمنحتب الثاني (نحو 1448 ق.م).
ومع ضعف الدولة المصرية، استقلت كوش، واصبحت مملكة مستقلة يحكمها ملوك سودانيون وظهرت كقوة إقليمية، حتى تمكن ملوكها من غزو مصر في القرن الثامن قبل الميلاد. ففي عام 725 ق.م دخل الكوشيون مصر، وطردوا حكامها الليبيين، وأقاموا الأسرة الخامسة والعشرين.

فحكم السودانيون مصر حتى 653 ق.م، وضموا اليها الأراضي الجنوبية (شمال السودان) لتكون تلك الفترة أول وآخر وحدة سياسية فعلية بين مصر والسودان، لكنها لم تدم طويلًا مع، إذ شن المصريون بقيادة منتوحتب الثاني حملات على الكوشيين، فتم إسقاطهم واستعادة المصريين استقلالهم وعادت الحدود كما كانت.

الفتح الإسلامي والسودان 
ومع الفتح الإسلامي لمصر عام 640، حاول المسلمون التقدم جنوبا، لكن مقاومة ممالك النوبة أوقفت التوسع عند جنوب أسوان، فتم عقد اتفاقيات سلام ضمنت استقلال النوبة لقرون.
وفي العصور الإسلامية اللاحقة، فشلت محاولات التوسع المصري في السودان، قفي عهد أحمد بن طولون توجه بجيش لغزو السودان طمعا في مناجم الذهب، ووصل إلى إقليم شنقير، غير أن قبائل الشمال السوداني تعاونت مع النوبيين وهزمت جيشه، فعاد إلى مصر.

صلاح الدين الأيوبي 

وفي عهد صلاح الدين الأيوبي أرسل أخاه بجيش إلى السودان، فتقدم حتى أبريم، لكن فقر تلك المناطق دفعه إلى التراجع.
وفي عصر المماليك غزت قبائل السودان مدينة اسوان فأرسل السلطان بيبرس جيشا انتصر عليهم ثم توغل الي دنقلا، ورغم انتصاره، لم يضم السودان إلى مصر، مكتفيا بإخضاع حكامه اسميا.
أما التحول الأكبر فكان في عهد محمد علي باشا (1820م)، حين أرسل جيشًا من المرتزقة فاحتل السودان، وبدأ الحكم التركي-المصري، واتسعت خلاله حدود السودان الحديثة.

4- حملة محمد علي باشا (الحكم التركي– المصري)

في مطلع القرن التاسع عشر، دخلت العلاقة بين مصر والسودان مرحلة جديدة اتسمت بالطابع الاستعماري، وذلك في عهد محمد علي باشا. ففي عام 1820، وبعد حصوله على موافقة السلطان العثماني محمود الثاني، أرسل محمد علي حملة عسكرية لفتح السودان، باعتباره ولاية عثمانية ضعيفة الموارد، وبهدف تأمين حدود مصر الجنوبية وتعزيز نفوذ دولته الناشئة.
كان محمد علي قد أعدّ لهذه الحملة مدفوعا بعدة اعتبارات، أهمها الخوف من تجمع فلول المماليك في دنقلة وتهديدهم للحكم المصري، إضافة إلى طموحه في السيطرة على مناجم الذهب، وتوسيع رقعة الدولة، والحصول على مورد بشري للجندية.

الحملة على السودان 

وقد تألفت الحملة من 5400 جندي مزودين بالمدفعية، معظمهم من الأتراك والألبان والمغاربة، وقادها ابنه إسماعيل باشا، حيث انطلقت الحملة في يوليو 1820م، فدخلت دنقلة دون مقاومة بعد فرار المماليك، ثم تقدمت جنوبا إلى بلاد الشايقية، حيث واجهت مقاومة عنيفة، وردّ إسماعيل باشا بإحراق بلدة كورتي، وبعد عبور صحراء بيوضة، وصل الجيش إلى بربر، ثم إلى ملتقى النيلين، حيث نزل في موقع الخرطوم الحالية، التي تحولت لاحقا إلى عاصمة للسودان، ثم واصل إسماعيل باشا حملته جنوبا، فاحتل ود مدني، ثم أسقط مملكة سنار ، لتدخل البلاد رسميا تحت السيادة العثمانية، مع تولي محمد علي إدارة الحكم فعليا من مصر.

محمد علي يعيد تنظيم السودان 

بعد الفتح، أعاد محمد علي تنظيم السودان إداريا، فأنشأ منصب حكمدار السودان، وجمع له السلطتين العسكرية والمدنية، وقسم البلاد إلى عدة مديريات، من بينها دنقلة، وبربر، وسنار، وكردفان، وكسلا، وفازوغلي. كما اعتمد الخرطوم عاصمة للحكم ومركزًا للإدارة.
لكن الحكم الجديد اتسم بالشدة، ففرض نظام ضريبي قاسٍ، واستخدمت اللغة التركية في الإدارة، وجرى تجنيد أعداد كبيرة من الشباب السودانيين وإرسالهم في حملات خارج البلاد. وقد عرفت هذه السياسة باسم تتريك السودان، وأثارت استياءا واسعا بين السكان.

اندلاع الثورة 1822
وأمام هذه الممارسات، اندلعت ثورة 1822م في سنار، انتهت بمقتل إسماعيل باشا حرقًا، لتشكل أول مقاومة سودانية منظمة ضد الحكم التركي–المصري، وتكشف مبكرا عن حدود القوة العسكرية في فرض السيطرة، وتمهد لسلسلة من الانتفاضات التي ستتوج لاحقا بالثورة المهدية.

شارك المقال: