الواد مجدي الثورجي
استقبل مجدي بكل ترحاب وبساطة مكالمتي له ورحب بالدعوة وسافرنا وكان فيلم مولانا افتتاحا رائعا لمهرجان كازان الدولي الذي يقام سنويا في جمهورية تتارستان الروسية

السينما حكايات شعبية
سرحانوف
في عام 1987 أيام ما كان المثقفين لهم رأي وقوة حاكمة كان قد مر علي اقامتي في القاهرة خمس سنوات وكنت شبه تائه داخل الوسط الفني ابحث عن مكان وفرصة فنية سعيا وراء المسرح والسينما ساعدتني علاقات اهلي ان اتعرف عن قرب علي بعضا من الأسماء الشهيرة في المجال الفني واقربهم لي كانت الفنانة الكبيرة تحية كاريوكا والتي كانت بالنسبة لي في مكانة امي .. والحاجة ( تحية) -كما كنت احب ان اناديها انا وغيري – حالة خاصة من الثورجية والاندفاع والدروشة وجدعنه ولاد البلد.
في أحد الأيام في بيتها وجدتها في حالة غضب كبيرة وعصبية وامامها تليفون المنزل تتصل ببعض الأرقام وتجرى محادثات مع الأطراف الأخرى علي الخط .. وتتكرر جملة – الواد الثورجي مجدي ها يكلمك او يعدي عليك -..تكررت الجملة كثيرا، وكنت اتساءل من هذا المجدي الذي تثق فيه الحاجة تحية بهذا الشكل وترسله الي زملائها وسيطا علي امر هام خاص باعتصام الفنانين الشهير وقتها.
والمعروف ان عام 1987 شهد حالة من الغضب الشديد بين الفنانين بسبب القانون 103، ، وهو القانون الذي رأى فيه السينمائيون تعنتًا وتدخلا في حريتهم، وهنا جاءت الدعوة لإعلان العصيان والاعتصام. وقعت مواجهة حادة بين الدولة والفنانين الذين اعترضوا على صدور القانون 103 للنقابات الفنية، أنتهت المكالمات الطارئة وراق التوتر قليلا فاستفسرت منها عن اسم الثورجي مجدي، فقالت انه مساعد مخرج واد جدع وعنده دماغ نضيفه ونشيط ويعتمد عليه .. دكتور معرفش في ايه .. ومعرفش ايه اللي رماه علي الشغلانة المقرفة دي … اسمه ‘طويل مجدي احمد علي .. يبقي الثورجي مجدي اسهل وخلاص …لأنه واد فنان ثورجي بجد ومثقف …. بتسأل ليه ما تنزل تشترك معهم.

في ذلك الوقت كانت تحية كاريوكا، تبلغ من العمر 72 عامًا، وكانت تعاني مشاكل كثيرة في القلب، لكنها على الرغم من ذلك استجابت لمساعد المخرج الشاب مجدي أحمد علي، الذي زارها يعرض عليها مساندتهم في اعتصام الفنانين في نقابة السينمائيين، احتجاجاً على صدور القانون.
ومنذ ذلك الحين لفتت انتباهي هذه الشخصية – اقصد مجدي احمد علي – لم اتعرف عليه عن قرب انما المتابعة المتقطعة والبعيدة بحكم بعض الندوات في حزب التجمع او سهرة في سطوح الأوديون مع أصدقاء مشتركين او اهتمام اليساريين والناصريين بذكر سيرته في أحيان كثيرة الي ان ظهرت اخبار بعد سنوات – تحديدا في عام 1995 – عن فيلمه الأول – يا دنيا يا غرامي – والذي لفت الانتباه بقوة لوجود مخرج مختلف ومتمكن من ادواته .. ورغم كثرة الأصدقاء المشتركين لم نتقابل ولو مرة واحدة ..
2010 نقد النقد حياة في السينما
في العام2010 صدر كتاب للناقد الأستاذ امير العمرى اسمه( حياة في السينما ) وهو كناب شيق نوعا ما في حكاياته ورحلة كاتبه في عالم السينما وفي جزء من هذا الكتاب افرد المؤلف مساحة للحديث عن الشلة السينمائية المشهورة باسم (شلة المنيل) .
من أعضاء هذه الشلة أسماء كبيرة في السينما المصرية والحركة الثقافية المصرية منها علي سبيل المثال – عادل السيوي الفنان التشكيلي و الناقد الراحل محسن ويفي – السيناريست حلمي هلالي – المخرج الراحل رضوان الكاشف وبالطبع مجدي احمد علي واخرين.
غير ان الأستاذ امير افرد مساحة لرسم صورة لشخصية مجدي احمد علي لم تكن مريحة لي بشكل ما بحكم صداقتي الحالية بالمخرج الكبير، حيث المح في اكثر من مقطع الي أن مجدي بدافع الغيرة المهنية كثيرا ما تصادم برضوان الكاشف حني وصل الحال بينهما الي القطيعة التامة.
ويضيف العمرى في كتابه ان بعض أعضاء شلة المنيل كانوا يمزحون بان فيلم مجدي الأول – يا دنيا يا غرامي 1995– هو نفس فيلم رضوان الكاشف الأول – ليه يا بنفسج 1993- حيث فيلم مجدي يحكي عن ثلاث نساء من الطبقة الشعبية .. وفيلم رضوان يحكي عن ثلاث رجال من نفس الطبقة .. وان مجدي قلب الفيلم من رجال الي نساء والفيلمان علي اسم اغنيتين شهيرتين.

مجدي ورضوان الكاشف
أنا اري ان هذا الكلام العجيب كيف يصدر من ناقد سينمائي مهم يعرف جيدا ان الفيلمان مختلفان … ولم يذكر ناقد مصري او عربي أي ملمح تشابه بين الفيلمين …كما اعرف جيدا ان علاقة مجدي برضوان علاقة تاريخية طيبة ومتينه .. ومجدي دائما ما يذكر رضوان في حكاياته بكل خير ومحبه … بل انه يشيد بشخصية وفن وافلام رضوان دائما ..وعندما يتذكر يوم وفاة رضوان الكاشف تظهر علي ملامحه التأثر الشديد . ودائما يقول عن رضوان ما ينفي حكايات الناقد امير العمرى .. بل انه رافق مع اغلب شلة المنيل واخرين جثمان رضوان الكاشف سفرا الي بلدته في أعماق الصعيد حيث دفن فجرا.
يستطرد الاستاذ العمرى في اكثر من موضع عن مجدي احمد علي ما قد يكسر بعضا من صورة مجدي الشخصية والفنية عند القارئ مرة تلميحا ومرات تصريحا بل قد يصفه بشكل خفي انه جامد المشاعر وليس له حبيب ولكنه أيضا يشير الي شخص ما بعد عدة اوصاف – علي عكس ما افرد – ان هذا الجامد في مشاعره بكي بحرقه عند وفاة رضوان الكاشف المفاجئة، والذي اعرفه جيدا ان مجدي احمد علي عندما كان رئيسا للمركز القومي للسينما استصدر قرار من وزارة الثقافة بتعيين الناقد العمرى مديرا لمهرجان الإسماعيلية ثقة في قدراته الإدارية وهناك مؤتمر صحفي عقد في المجلس الأعلى للثقافة كان علي المنصة مجدي احمد علي رئيسا والأستاذ العمرى مديرا لمهرجان الإسماعيلية .. بل واكثر من ذلك.
ما زلت اعتقد وبيقين تام ان صورة مجدي مختلفة عن الصورة التي المح لها الأستاذ العمري في كتابه المعنون ( حياة في السينما) والذي ذكر فيه حكاية عجيبة أيضا عن خلاف بين رضوان الكاشف والمخرج السوري محمد ملص وان مجدي تدخل في هذا الخلاف لصالح ملص امعانا في العداوة مع رضوان حول احقية كل منهما في رواية لإبراهيم اصلان ..والحقيقة الاكيدة والتي اعرفها جيدا ان الرواية كانت لمحمد البساطي ولم تكن لأصلان .. وان ملص اشتراها ودفع ثمنها للكاتب ..وان رضوان كان يريدها باتفاق شفوي وعندما تحدث مع مؤلفها بهذا الشأن رد عليه البساطي ان محمد ملص دفع ثمنها بالفعل وان مجدي احمد علي كان يحاول اقناع رضوان بالبحث عن رواية أخرى بحكم قانونية موقف محمد ملص … فأرجو من الأستاذ العمرى اصلاح ومراجعة المعلومة للتاريخ وتقديرا لروح رضوان علي الأقل ..
2017 مولانا يسافر كثيرا
علي مدي رحلة مجدي أحمد علي في السينما والإخراج كثيرا بل دائما ما اثارت أفلامه جدلا كبيرا ونجاحا أيضا فبعد رحلة امتدت من 1995 لأول أفلامه مخرجا حتي فيلم مولانا 2017 كنت متابعا لهذا الضجيج الفني الجميل الذي تصنعه أفلامه واذكر عندما كنت مقيما في موسكو 2012 اني تقابلت مع ناقدة أوروبية اشارت الي ولعها بفيلم اسرار البنات 2001 من اخرج مجدي احمد علي وانها كتبت عنه في عدة مواقع عالمية مختصة بالسينما وسألتني ان كان هناك انتاج جديد لهذا المخرج المتميز فوعدتها بأرسال نسخة دي في دي من فيلم عصافير النيل 2010.

عندما شاهدته طلبت مني ان يكون مجدي ضيفا علي احد المهرجانات التي تعمل بها في روسيا ولكن لبعض الظروف لم استطع ترتيب الاتفاق بشكل جيد الي ان تجدد الحديث مرة أخرى في أواخر 2017 حول دعوة مخرج وفيلم مولانا إنتاج نفس العام الي مهرجان كازان في جمهورية تتارستان الروسية فكان اتصالي الأول وبداية صداقة اعتز بها مع الجميل مجدي احمد علي الذي أعاد فيلمه اكتشاف مواهب السينما المصرية مره أخرى علي المستوي الجماهيري في روسيا حيث كانت السينما المصرية في العهد السوفيتي حتي ثمانينيات القرن الماضي من اشهر أنواع السينما لدي الجمهور الروسي ووجوه نجومها واسماؤهم معروفه للناس هناك – نجلاء فتحي وسعاد حسني ومحمود ياسين وشكري سرحان واخرين راجت افلامهم بشكل رائع في ذلك الزمن ..
فيلم مولانا
استقبل مجدي بكل ترحاب وبساطة مكالمتي له ورحب بالدعوة وسافرنا وكان فيلم مولانا افتتاحا رائعا لمهرجان كازان الدولي الذي يقام سنويا في جمهورية تتارستان الروسية وقد اثار الفيلم ضجة كبيرة حتي ان رئيس الجمهورية هناك طلب عرضا خاصا في كريملين العاصمة التترية ومعه مفتي الدولة وهو في نفس الوقت مفتي دول شرق أوروبا .. وبسبب الضجة التي أحدثها الفيلم في المجتمع التتاري المسلم طلبت رئيسة المهرجان من مجدي السماح بعمل نسخ متعددة من الفيلم نظرا للإقبال الجماهيري والنقدي الكبير والزحام الذي خرج عن السيطرة .. حتي ان الفيلم في سابقة هي الأول من نوعها علي مستوي مهرجانات العالم يعرض حوالي 25 مرة في خلال أسبوع المهرجان .. مما حذا بإدارة السينما بتقديم طلب شراء الفيلم بشكل فورى وتوزيعه علي 120 دار عرض سينمائي في البلاد …
سنوات طلعت حرب 2017 -2022
توطدت صداقتي كثيرا بمجدي واصبح ضيفا دائما علي مهرجان كازان ويقابل هناك بكل ترحاب وتقدير .وتزاملنا في سفريات كثيرة الي العديد من المهرجانات ..ورأيت من خلال علاقتي بمجدي كم هو بسيط ومثقف حقيقي وصديق مخلص كما رأيت طيفا من أصحابه الكثيرين وعلاقته بهم علاقة في أحيان كثيرة تشبه تلك الحالة التي تنشأ بين الجورو الهندي ومريديه ومجدي بشكل فطرى يبرع في ممارسة هذا الدور في الحياة وقد تجد بين من يجالسه في مقهي بوسط البلد المصروع والمضروع والضمراني وكذلك الصحفي والناقد والاكاديمي وكثيرا من الفنانين وهو يعطي لكل منهم قدره باحترام عكس ما المح اليه الناقد امير العمرى
وقد عشت ولمست وشاركت في فيلم طلعت حرب منذ بدايات التفكير في انتاجه 2017 وكنت أحاول بصحبة مجدي أيجاد منتج يستطيع دخول مغامرة سينمائية مختلفة عن السائد وخارج النمط السينمائي المتعارف عليه واوقعتنا هذه المحاولات مع منتجين في منتهي العجب والغرابة كبشر وكمنتجين … وهذه حكاية أخرى …. بينما عندما بدأت عجلة انتاج الفيلم تدور ظهرت معارك شبه فنية أحيانا بداية من الظروف الإنتاجية المعاكسة والتي عالجها وانقذها ابنه الفنان الموهوب احمد مجدي متحملا مغامرة استكمال الفيلم منتجا وحيدا ومرورا بالرقابة والرقيب ومشاكل الموافقات علي بعض مشاهد ميدان التحرير والجمل الحوارية وحتي الأغاني .. ولكنه خرج للنور دون عرضه بدور السينما …وبالإضافة الي الجوائز المحلية والدولية التي فاز بها الفيلم فقد استحق الصديق المخرج الكبير جائزة احسن مخرج عن نفس الفيلم في مهرجان كازان السينمائي الدولي … اردت بهذا المقال ان احتفي بصديقي مجدي احمد علي و ان ارسم ملامح ربما تضيف للقارئ بعدا جديدا عنه ومرسلا تحية محبة الي صديقي الذي احب مجالسته ولا تنتهي حكاويه الشيقة وخفة دمه وقفشاته وننتظر قريبا فيلمه الكوميدي ومعاركه الفنية الجديدة . ..






