الفول المدمس مصري
قدَّم بالزيت الحلو لمن أراد الهدوء، وبالزيت الحار لمن أراد المغامرة، وبالزبدة لمن سمحت له الأيام. يجاوره البيض المقلي أحيانًا، وتزدان صفحته بالفلفل الأخضر والطماطم، في احتفال بسيط لا يعرف التكلّف

سيد المائدة
منذ أن عرف المصري فجر الحقل ورائحة الطمي، ظلّ الفول ـ بكل هيئاته ـ سيّد المائدة الشعبية، ورفيق الفقراء الأوفياء. إلى جواره جلس العدس، واستند إليه الخبز البلدي، لكن الفول ظلّ هو العمدة، الحاضر في الصباحات الباكرة، وفي ليالي السحور، وفي وجبات تضيق بها الأحوال وتتسع بها القلوب.
تفنّن المصريون في ابتكار طرائق لا حصر لها لتناوله؛ من الفول الأخضر “الحراتي” مع الجبن القريش أو القديم، إلى الفول النابت الذي كان ضيفًا كريمًا على الموائد قبل أن يتوارى في صمت، مرورًا بالفول المدشوش الذي يدخل في صناعة الطعمية والبصارة، وصولًا إلى الصورة الأشهر والأبقى: الفول المدمس.
ذلك الطبق الذي لا يحتاج إلى تعريف، بل إلى رغيف ساخن.
الفول المدمس أنواع
يُقدَّم بالزيت الحلو لمن أراد الهدوء، وبالزيت الحار لمن أراد المغامرة، وبالزبدة لمن سمحت له الأيام. يجاوره البيض المقلي أحيانًا، وتزدان صفحته بالفلفل الأخضر والطماطم، في احتفال بسيط لا يعرف التكلّف.
ومع قدوم شهر رمضان، يتبدّل موقعه في جدول اليوم، لا مكانته في القلوب. ينتقل من إفطار الصباح إلى سحور الليل، وكأن الزمن نفسه يعيد ترتيب ساعاته احترامًا لطبقٍ يعرف كيف يسند الصائمين حتى الفجر.
لكن الفول، شأنه شأن كل ما يخص الفقراء، لم يسلم من تقلّبات السوق.
ارتفع سعر كيلو فول التدميس من عشرة جنيهات إلى مضاعفاتها ، متجاوزًا سعر السكر نفسه، وكأن الطبق الذي كان يسدّ رمق الأطفال بات يحتاج إلى معجزة ليصل إليهم. هكذا تحوّل “طعام الغلابة” إلى سلعة تتمنّع، وصار الرغيف ينظر إلى الفول كما ينظر صديق قديم إلى رفيقٍ غادره الرخاء.

يتغنون بالفول
ولأن الفول لم يكن مجرد طعام، بل حالة وجدانية، فقد غنّى له المطربون الأصلاء؛ غنّى له محمد قنديل، وصلاح عبد الحميد، وسيد إسماعيل، وإسماعيل شبانة، باعتباره غذاء الأغلبية الصامتة.
وقدم الشاعر الكبير طاهر أبو فاشا برنامجًا غنائيًا بعنوان “المدمس”، غناء محمد قنديل وإسماعيل شبانة، وألحان محمد صبرة. يبدأ البرنامج بحوار ساخر بين عبد الكافي وعبد الشافي حول كتابة الكلمة: أهي بالسين أم بالثاء؟
جدل لغوي حاد… حول طبق لا ينتظر قواعد الإملاء!
يتدخل صديق ثالث ليوقظهم من نشوة التنظير: الأهم من البحث في تهجئة “مدمس” هو البحث في زيادة إنتاجه، ومكافحة الآفات التي تفتك بحقولِه. فالفول لا يحتاج إلى معاجم، بل إلى سياسات.
متوارث من الأجداد
ويوضح لهما ذلك الصديق أن أصل التسمية يعود إلى لفظ فرعوني قديم “المتيمس”، أي المدفونة أوانيه في الوقود، في إشارة إلى طريقة طهوه المتوارثة في المستوقدات الكبرى، حيث تُدفن القدور لساعات طويلة حتى ينضج الطبق على مهل، كما تنضج الحكايات.
ويأخذ البرنامج منعطفًا طريفًا؛ إذ يُروى أن “المتيمس” كان محرّمًا على الكهنة، حتى جاء أحدهم باكيًا معترفًا أنه وقع في “الخطيئة” وتناوله. وسرعان ما تتكشف المفارقة: الجميع يأكلون سرًا، حتى الكاهن الأعظم. فيثور الصغار بحوار لاذع يؤكد أنه لا تحريم بلا نص، وأن من العار أن يُعاقَب الناس على ما يمارسه الحاكم خفية.
ينتهي المشهد بالاعتراف الرسمي بالمدمس، والسماح بنقش سنابله على المعابد، وكأن الفول انتصر أخيرًا على الرقابة الكهنوتية!
ظلّ المدمس طعام البسطاء، وبديلهم عن اللحوم والأسماك، يعزّز قيمته بعض العدس حين يُضاف إليه في القدر، فيزداد دفئًا وفائدة.
إلى أن جاء زمن ارتفعت فيه الأسعار، وتضاعفت التكاليف ، فصار الفول نفسه يحتاج إلى من يحنو عليه.
وهكذا، يبقى الفول المدمس أكثر من مجرد وجبة.
إنه سيرة شعب، وحكاية صبر، وطبقٌ صغير يلخّص اقتصادًا بأكمله.






