مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

ملف تحليلي: ليبيا بين الدولة والفوضى؟ (12)

تقارير علمية دولية، بينها دراسات لعلماء بارزين في مجال الأوبئة، أشارت لاحقًا إلى أن انتشار الفيروس بدأ قبل وصول الطاقم الطبي المتهم، وأن سوء التعقيم في المستشفى ربما كان السبب الأرجح

مشاركة:
حجم الخط:

بين النظرية والفراغ..  الكتاب الأخضر وإعادة تعريف المجال الليبي!

حين أعلن معمر القذافي في منتصف السبعينيات أن الحل لا يكمن في الرأسمالية ولا في الشيوعية، بل في “النظرية العالمية الثالثة”، لم يكن يطرح مجرد كتاب سياسي، بل كان يحاول أن يعيد تعريف الدولة نفسها. لم يكن “الكتاب الأخضر” وثيقة إرشادية فقط، بل كان محاولة فلسفية – وإن بلغة مباشرة – لإعادة صياغة مفهوم السلطة، والتمثيل، والاقتصاد، والعلاقة بين الفرد والجماعة. في عالم كان منقسمًا بين معسكرين كبيرين، رأى القذافي أن الدولة الليبية يمكن أن تكون مختبرًا لنموذج ثالث، لا شرقيًا ولا غربيًا، بل “جماهيريًا”.

فلسفة الكتاب الأخضر قامت على رفض الديمقراطية التمثيلية، واعتبار البرلمانات “خداعًا للشعوب”، لأن النائب، في تصوره، يصادر إرادة من انتخبوه. الحل، كما طرحه، هو الديمقراطية المباشرة: الشعب يحكم نفسه عبر مؤتمرات شعبية، واللجان تنفذ إرادة المؤتمرات، والقائد يظل خارج البنية التنفيذية بوصفه موجّهًا لا حاكمًا تقليديًا. هكذا وُلدت “الجماهيرية” – مصطلح لم تعرفه القواميس السياسية قبل ليبيا – لتكون إعلانًا عن تجاوز الدولة الحديثة بشكلها الكلاسيكي.

لكن المفارقة الكبرى أن هذا النموذج، الذي أراد أن يُذيب السلطة في الشعب، أعاد تركيزها بطريقة مختلفة. فالمؤتمرات الشعبية كانت نظريًا مفتوحة للجميع، لكنها عمليًا خضعت لتوجيه اللجان الثورية، التي كانت بدورها تدور في فلك القيادة العليا. وهكذا، بدلاً من أن تنفصل الدولة عن النظام، اندمجت فيه أكثر. لم تعد هناك مؤسسات مستقلة يمكن أن تعمل خارج الإطار الأيديولوجي، بل أصبحت كل البنية السياسية امتدادًا للنظرية.

اقتصاديًا، طرح الكتاب الأخضر أفكارًا عن “البيت لساكنه”، و ”الأرض لمن يفلحها”، ورفض العمل المأجور بوصفه شكلًا من أشكال العبودية الحديثة. بدت الشعارات جذابة في زمن صعود الخطاب الاشتراكي، لكن التطبيق في دولة ريعية نفطية خلق مفارقات معقدة. فالدولة التي ترفض الرأسمالية التقليدية، لكنها تعتمد على بيع النفط في السوق العالمية، تجد نفسها في موقع مزدوج: خطاب ثوري في الدخل، واقتصاد مرتبط بالنظام الدولي في الخارج. وهنا بدأ التوتر بين النظرية والواقع.

في الثمانينيات، حين دخلت ليبيا في صدام مباشر مع الغرب، بدا أن النظرية تعيش لحظة اختبار حقيقية. لكن مع العقوبات الدولية في التسعينيات، ظهرت حدود هذا النموذج. فالدولة التي بنت نفسها على توزيع الريع، وجدت أن قدرتها على الاستمرار مرتبطة بعلاقاتها الخارجية. ومع تضييق الخناق الاقتصادي، بدأ النظام يبحث عن إعادة تموضع لا تمس جوهره الداخلي، بل تعيد ترتيب موقعه الخارجي.

في هذه اللحظة، بدأ التحول الجيوسياسي الأبرز: الانعطاف نحو أفريقيا.

لم يكن ذلك قرارًا عاطفيًا، بل حسابًا استراتيجيًا، الساحة العربية بدت مشبعة بالتوازنات، والقيادة الإقليمية فيها موزعة بين عواصم كبرى. أما أفريقيا جنوب الصحراء، فكانت فضاءً أوسع، أقل ازدحامًا بالزعامات، وأكثر تقبلاً لدور مالي – سياسي قادم من الشمال. طرح القذافي فكرة “الولايات المتحدة الأفريقية”، وسعى إلى تحويل الاتحاد الأفريقي إلى كيان أكثر تماسكًا، واستثمر مليارات الدولارات في مشاريع وبنى تحتية ومساعدات لدول الساحل والقرن الأفريقي.

لم يكن ذلك تخليًا عن العروبة بقدر ما كان إعادة تعريف للموقع. ليبيا، في الجغرافيا، ليست عربية فقط، بل متوسطية وأفريقية في آن واحد. لكن في لحظة العزلة العربية النسبية، بدا التوجه الأفريقي وكأنه فضاء بديل يمنح القذافي دورًا قياديًا لا ينازعه فيه أحد. صار يُستقبل في عواصم أفريقية بوصفه راعيًا وداعمًا، وارتدى أحيانًا رمزية “ملك ملوك أفريقيا”، في مشهد يعكس انتقال الطموح من الوحدة العربية إلى وحدة قارية أوسع.
غير أن هذا التوسع الأفريقي لم يُترجم إلى إعادة بناء داخلية للدولة. بقيت البنية الجماهيرية كما هي، وبقيت مؤسسات الدولة متماهية مع النظام، وبقي الاقتصاد ريعيًا، يعتمد على النفط وتحويلاته الخارجية. وهنا تبرز العلاقة مع المحور الرئيسي لهذا الكتاب: ليبيا بين الدولة والفراغ.

فبينما كان القذافي يحلم بإعادة تشكيل النظام الدولي، كانت الدولة في الداخل تظل رهينة نموذج لم يفصل بين النظرية والمؤسسة،  لم تُبنَ آليات انتقال سلطة واضحة، ولم تُؤسس بنية دستورية مستقلة، ولم يُسمح بظهور طبقة سياسية قادرة على إدارة الدولة خارج إطار القائد. وهكذا، حين جاءت لحظة 2011، لم يكن الفراغ نتيجة تدخل خارجي فقط، بل نتيجة تراكم داخلي طويل، حيث ظلت الدولة معلقة بين فلسفة شاملة وبنية مؤسسية غير مكتملة.

إن فهم التحول نحو أفريقيا ليس تفصيلاً في السياسة الخارجية، بل جزء من قصة الدولة نفسها. فالدولة التي لم تجد استقرارًا كاملاً في محيطها العربي، سعت إلى فضاء بديل، لكنها لم تُعد تعريف عقدها الداخلي. والنتيجة أن الطموح الخارجي لم يُحصّن الداخل من الهشاشة.

في هذا السياق، يبدو الكتاب الأخضر اليوم ليس مجرد نص أيديولوجي، بل لحظة تأسيس لفكرة أن الدولة يمكن أن تُعاد صياغتها بالكامل عبر النظرية. غير أن التجربة الليبية أظهرت أن النظرية، مهما بدت متماسكة، لا تُغني عن بناء مؤسسات مستقلة قادرة على الاستمرار بعد غياب صاحبها.
وهنا يعود سؤالنا المركزي: هل كانت الجماهيرية تجربة دولة بديلة، أم كانت نظامًا أيديولوجيًا غطّى على غياب الدولة الحديثة؟

وهل كان التحول الأفريقي توسيعًا للمجال الليبي، أم هروبًا من انسداد عربي لم تُحلّ أسبابه؟

أطفال بنغازي.. حين اصطدمت الدولة بالألم

لم تكن قضية أطفال بنغازي حادثًا طبيًا فحسب، بل كانت لحظة اهتزاز عميق في وجدان المجتمع الليبي. في مستشفى الفاتح ببنغازي، اكتشف أهالي مئات الأطفال أن أبناءهم – الذين دخلوا للعلاج من أمراض عادية – خرجوا بحكمٍ طويل اسمه الإيدز. لم يكن المرض في تلك السنوات مجرد تشخيص طبي، بل كان وصمة وخوفًا ومصيرًا مفتوحًا على الألم. الأم التي كانت تخرج من غرفة الطبيب لم تكن تفهم كيف تحول التطعيم أو الإجراء الطبي إلى لعنة، ولم يكن الأب يملك سوى الصمت أمام سؤال لا يجد له إجابة: من فعل هذا؟

الغضب الشعبي كان طبيعيًا، بل جارحًا. في مجتمع محافظ، في مدينة اعتادت أن ترى نفسها حارسة للكرامة الوطنية، بدا الأمر كأنه اعتداء على الطفولة نفسها. حين وُجه الاتهام إلى الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني، بدا للكثيرين أن العدالة وجدت طريقها. لكن القضية لم تبقَ داخل حدود المحكمة، بل خرجت إلى فضاء السياسة الدولية بسرعة.

تقارير علمية دولية، بينها دراسات لعلماء بارزين في مجال الأوبئة، أشارت لاحقًا إلى أن انتشار الفيروس بدأ قبل وصول الطاقم الطبي المتهم، وأن سوء التعقيم في المستشفى ربما كان السبب الأرجح. هنا بدأ الصدع بين الرواية القضائية الداخلية والرواية العلمية الدولية. في الداخل، كانت العائلات تريد عدالة واضحة وسريعة. في الخارج، كان الاتحاد الأوروبي يرى أن المتهمين حوكموا في سياق سياسي. وهكذا تحولت القضية من ملف طبي إلى عقدة دبلوماسية، تُضاف إلى ملف لوكربي والعقوبات.

في تلك السنوات، كانت ليبيا لا تزال تعيش آثار العزلة الدولية. لم تكن الطائرات تقلع بسهولة، ولم يكن التواصل مع العالم يسير دون قيود. فجأة، أصبحت بنغازي محور أزمة بين طرابلس وبروكسل، لعبت فرنسا دورًا مركزيًا في الوساطة، خاصة عبر تحرك سياسي مباشر قادته شخصيات فرنسية رفيعة، لم تكن المفاوضات قانونية فقط، بل مالية وسياسية وأمنية. جرى الحديث عن تعويضات لصالح أسر الأطفال، وعن اتفاقات تعاون صحي، وعن إعادة تموضع أوسع في العلاقات بين ليبيا والاتحاد الأوروبي.

في صيف 2007، وبعد سنوات من الشد والجذب، تم الإفراج عن الطاقم الطبي في إطار تسوية معقدة، تضمنت صندوقًا لتعويض أسر الضحايا، وضمانات دولية، وترتيبات سياسية غير معلنة بالكامل. خرجت الممرضات إلى بلغاريا، وبدأت صفحة جديدة في علاقات ليبيا بالغرب. لكن داخل بنغازي، لم تُغلق الصفحة بسهولة. الأطفال ظلوا مرضى، والعائلات ظلت تحمل الألم، والأسئلة بقيت معلقة: هل كانت العدالة كاملة؟ هل عُرف السبب الحقيقي؟ هل كانت الدولة قادرة على حماية مستشفياتها؟

في شتاء 2007، حين زرت بنغازي، لم تكن القضية ذكرى بعيدة، بل كانت حاضرة في كل حديث. التقيت بعائلات تحمل صورًا صغيرة لأطفال كبروا قبل أوانهم، كانت الأم تتحدث لا عن السياسة، بل عن الجرعات، عن المستشفى، عن الانتظار الطويل. كان الأب يسأل عن المستقبل، لا عن التعويض. في تلك اللحظة، أدركت أن الدولة ليست فقط جهازًا إداريًا، بل قدرة على طمأنة مواطنيها حين ينهار اليقين.

في طرابلس، كان المشهد مختلفًا. التقيت سيف الإسلام القذافي، الذي كان يقود مسار التفاوض بلغة مختلفة عن لغة الثمانينيات. تحدث عن ضرورة إعادة إدماج ليبيا في المجتمع الدولي، وعن أن المواجهة الدائمة لم تعد خيارًا. لم يكن ذلك خطاب ثوري، بل خطاب تسوية. بدا وكأنه يحاول أن يفصل بين الدولة ككيان يجب أن يعيش، وبين النظام كمرحلة سياسية يمكن أن تتبدل.سيف الإسلام القذافي اغتيل في ظروف غامضة

أما لقائي بالقذافي نفسه، فقد حمل مفارقة تلك اللحظة. الرجل الذي تحدى الولايات المتحدة علنًا، وجد نفسه في موقع من يعيد ترتيب أوراقه، لم يتحدث عن الضعف، بل عن “حسابات دولية”، وعن أن العالم لا يدار بالشعارات وحدها. كان واضحًا أن ليبيا دخلت مرحلة براغماتية، لا حبًا في الغرب، بل إدراكًا أن العزلة مكلفة، وأن الدولة لا يمكن أن تبقى في مواجهة مفتوحة بلا نهاية.

لكن خلف هذه التحولات، كانت هناك حقيقة أعمق: قضية أطفال بنغازي كشفت هشاشة البنية المؤسسية. فسواء كان الخطأ ناتجًا عن إهمال صحي أو سوء إدارة، فإن الدولة الحديثة تُقاس بقدرتها على منع الكارثة قبل وقوعها، وبشفافيتها بعد وقوعها. حين تختلط السياسة بالقضاء، ويختلط الغضب الشعبي بالملف الدولي، يصبح من الصعب التمييز بين العدالة والسيادة.

وهنا، تعود القضية إلى محور كتابنا: ليبيا بين الدولة والفراغ

فالدولة، في معناها العميق، هي قدرة على حماية الحياة اليومية للمواطن، وعلى إدارة الأزمات دون أن تتحول إلى أزمات سيادية. والفراغ ليس فقط غياب السلطة، بل غياب الثقة. في بنغازي، كان الفراغ يتمثل في سؤال: هل مؤسساتنا قادرة على حمايتنا؟ وفي طرابلس، كان يتمثل في سؤال آخر: هل يمكن للنظام أن ينفصل عن الدولة حين تقتضي المصلحة ذلك؟

قضية أطفال بنغازي كانت لحظة مواجهة بين النظرية والواقع، بين الجماهيرية كفلسفة، والدولة كمؤسسة. لقد أظهرت أن الشعارات الكبرى لا تعوض نظامًا صحيًا فعالًا، وأن الريع النفطي لا يحمي من خلل إداري، وأن العزلة السياسية لا تُدار بخطاب وحده.

ربما كانت تلك اللحظة من أهم اللحظات التي كشفت أن الدولة الليبية، رغم قوتها الظاهرية، كانت تعيش توازنًا هشًا بين السلطة والمؤسسة. وعندما جاءت 2011، لم يكن الانفجار وليد شارع غاضب فقط، بل حصيلة تراكم طويل من لحظات كشفت الفجوة بين الدولة كفكرة، والدولة كواقع.
وهكذا، لم تكن بنغازي في تلك القضية مجرد مدينة منكوبة، بل مرآة مبكرة لجرح أعمق في بنية الدولة.

شارك المقال: