مقالات

أبوظبي تحت المجهر بين الغموض الصحي واعادة التموضع السياسي

بقلم معتز منصور باحث سياسي ما يجري في أبوظبي خلال الايام الاخيرة لا يمكن اختزاله في شائعة صحية عابرة، ولا يجوز ايضا تضخيمه الى حد افتراض انهيار وشيك في بنية…

مشاركة:
حجم الخط:

بقلم

معتز منصور باحث سياسي

خاص

أخر الكلام

ما يجري في أبوظبي خلال الايام الاخيرة لا يمكن اختزاله في شائعة صحية عابرة، ولا يجوز ايضا تضخيمه الى حد افتراض انهيار وشيك في بنية الحكم. نحن امام لحظة سياسية حساسة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات, غياب مدروس في الظهور العلني، ارتباك دبلوماسي غير معتاد، وضغط اقليمي متراكم على مركز القرار الاماراتي.

اختفاء محمد بن زايد آل نهيان عن المشهد منذ لقاءه مع تميم بن حمد آل ثاني، ثم تأجيل زيارة رجب طيب اردوغان، وما رافق ذلك من بيان تركي مسحوب ومعاد صياغته، ليس تفصيلا بروتوكوليا، في الدبلوماسية، النص الذي يسحب اهم من النص الذي ينشر، وما حذفته الرئاسة التركية تحديدا هو بيت القصيد. ذكر المرض ثم محوه يعكس وجود معلومة حساسة، مع قرار سياسي بعدم تحويلها الى مادة علنية قابلة للاستثمار.

هل نحن امام ازمة صحية؟ لا دليل قاطعا. هل نحن امام محاولة تطويق سياسي؟ الاحتمال اقرب. فالتوقيت لا يعمل لمصلحة التفسيرات الطبية وحدها، بل يتقاطع مع سياق اقليمي بالغ التعقيد، تتراكم فيه كلفة السياسات الاماراتية خلال السنوات الاخيرة.

العلاقة مع الرياض تمثل مركز هذا الضغط. الخلاف مع محمد بن سلمان لم يعد اختلاف اجندات داخل معسكر واحد، بل تحول الى تناقض مصالح في ملفات استراتيجية, من اليمن، الى اسواق الطاقة، الى السودان والقرن الافريقي. السعودية تنظر الى سلوك ابوظبي بوصفه اندفاعا خارج مظلة التنسيق، يخلق لها ازمات امن قومي غير محسوبة، فيما ترى الامارات انها انتقلت الى مرحلة لاعب اقليمي مستقل لا تابع.

هنا تحديدا نفهم لماذا دخل وسطاء على الخط. زيارة عبد الفتاح السيسي القصيرة، ثم حضور امير قطر، ثم الحديث عن دور تركي، كلها مؤشرات على خشية اقليمية من انفجار صامت داخل محور يفترض انه متماسك. غير ان فشل هذه الوساطات، او تعثرها على الاقل، يوحي بان المشكلة ليست سوء تفاهم عابرا، بل اعادة تعريف لموازين القيادة داخل الاقليم.

الملفات التي تثقل كاهل ابوظبي ليست هامشية. في السودان، تزايد الاتهامات بدعم اطراف مسلحة خارج منطق الدولة استفز القاهرة والرياض معا. في الصومال واثيوبيا، التصادم مع الحسابات المصرية فتح فجوة ثقة مع شريك استراتيجي تقليدي. في واشنطن، تصاعد الحديث عن التفاف على العقوبات، سواء في ملف النفط الايراني او حركة الاموال، يضع الامارات تحت مجهر لم تعتد عليه منذ عقدين.

في هذا السياق، يصبح غياب محمد بن زايد عن الواجهة مفهوما، سواء كان لدواع صحية محدودة او لاعتبارات سياسية. الرجل يدير الازمات غالبا من الخلف، ويترك للاجهزة والدوائر القريبة اعادة ترتيب المشهد. لكن الجديد هذه المرة، ان الغياب ترافق مع تسريع واضح لدور نجله.

تصعيد خالد بن محمد بن زايد ليس اشارة الى انتقال سلطة وشيك بالضرورة، لكنه مؤشر على خطة احترازية. النظام في ابوظبي شديد الحساسية تجاه الاستقرار، ويعمل دائما بمنطق تعدد مراكز الامساك، بحيث لا يكون غياب فرد، مهما كان موقعه، نقطة فراغ. تفويض الملفات الاقتصادية والامنية الثقيلة لولي العهد يندرج في هذا الاطار، لا في اطار الانقلاب الصامت كما يروج البعض.

الخطأ الاكبر في بعض القراءات المتداولة، انها تنطلق من فرضية ان محمد بن زايد بات عبئا مطلقا. هذا توصيف سياسي انفعالي اكثر منه تحليلي. الادق القول انه بات عبئا على نمط ادارة سابق، لا على النظام ذاته. الفارق جوهري. الانظمة لا تسقط بسبب الضغوط وحدها، بل بسبب العجز عن التكيف، وحتى اللحظة، ما نراه في ابوظبي هو محاولة اعادة تموضع، لا استسلام ولا انهيار.

المشهد مفتوح على ثلاثة سيناريوهات. اولها تسوية هادئة مع الرياض تعيد ضبط السلوك الاماراتي دون كسر هيبة القيادة. ثانيها استمرار التوتر ضمن سقف مضبوط، مع ادارة الخلاف لا حله. ثالثها، وهو الاضعف حاليا، انتقال الصراع الى مرحلة كسر عظم اقليمي. حتى الان، كل المؤشرات تقول ان الجميع يتفادى السيناريو الثالث.

ما يجري في أبوظبي ليس لغزا صحيا، بل اختبار سياسي. اختبار لقدرة القيادة الاماراتية على قراءة التحولات، والتراجع خطوة حين يلزم، دون ان تبدو في موقع المنكسر. هذا هو جوهر اللحظة، وكل ما عداه ضجيج.

شارك المقال: