علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
سالم أبو رخا
سالم أبو رخا

كاتب صحفي

سالم أبو رخا يكتب: بليغ حمدي في ذكراه ” صباح الخير يا جرح”!

كان بليغ حمدي بمفرده قد حول القاهرة إلى عاصمة يعرف كل المطربين أن وجود بليغ حمدي فيها كفيل بمنحهم الفن والنجاح والشهرة في لحن واحد.

مشاركة:
حجم الخط:

 الفارق بين الشخص شديد الذكاء وبين العبقري كبير جداً

الأول يريد أن ينجح في الواقع الذي يعيش فيه، بينما الثاني يريد أن يغير هذا الواقع تماماً.

الأول يعرف أن صعوبات جمة ستواجه ذكاءه الحاد، الثاني يعرف أن تراجيديا كاملة ستصاحب حياته.

الأول يعرف أنه سيدفع ثمناً لحدة عقله في حين سيعيش العبقري محاطاً بمجد ومنتظراً لكمائن تريد أن تحاصره لمنع عبقريته من التأثير في بلد مثل مصر.. بلد لا تريد سوى الشخص المتوسط.

لقد كتب جمال حمدان عن هذا الشخص المتوسط

وقال “إنه منبع الشرور، هو ليس ذكياً ولا غبياً، ليس منعدم الموهبة وليس فارقاً في أي شيء.

لكن أمثاله «وهم الغالبية» يشكلون ماكينة هائلة لمنع أي تغيير ودعم أي تقليد والرضا بأي حياة ومحاصرة وشن حرب مخلصة وشرسة ضد أي موهوب كبير.

لأن هذا رجل سيكشف الجميع خاصة أن الجميع متواطئون.

لم يكن بليغ حمدي عبقرياً فقط، بل كان مؤثراً جداً، هو ليس أستاذ مثل جمال حمدان يمكن أن يتسلط عليه أكاديمي عقيم فيجعله في المنزل.

وليس صحفياً إذا نزعت منه أدوات التأثير ستجعله محمود عوض مثلاً – لا يصل إلا لحلقات أضيق بكثير مما كان أن يصل إليها لو ظل في رئاسة تحرير مطبوعة جعلها تقفز الصحف هي أسابيع قبل أن تنتزع منه.

وليس رجل دين في وتجرد عماد عفت، إذ يمكن قبل أن ينتشر نموذجه أن رصاصة غامضة في لحظة غامضة، وليس عبدالرحمن العربي الوحيد الذي كتب وترجم مئات الكتب لكنه حديث بتسع لغات وعاجزاً عن.

عبدالوهاب مثلاً وكأنه يمدح بليغ لكنه في الحقيقة بدا وكأنه عاجز تماماً عن ملاحقة موهبته أو مجاراة جملته الموسيقية التي تردد وتؤثر بأسرع مما يمكن لأي ملحن أن يفعل.

قال عبدالوهاب «بليغ تأتيه في كل أغنية جملة موسيقية لا تأتي لأي ملحن إلا مرة كل 50 عاماً لكنه يستعجل أحياناً في تقفيل لحنه»

جملة مراوغة من ملحن كان يحمل في هذه الأثناء لقب رجل دولة

لم يكترث بليغ برأي عبدالوهاب كثيراً، في الحقيقة كانت موهبته تمنعه دائماً من أي يرد أو يغضب أو يأخذ حتى في باله هذه الملاسنات. كان مشغولاً بعمله طيلة الوقت.

يعمل 18 ساعة في اليوم، ويدرس الجديد في الموسيقى ويستعد لفتوحات ستقلب المسرح الغنائي رأساً على عقب.

في هذا العام أيضاً كان بليغ حمدي قد تحقق بالفن ما عجز كل الساسة عن تحقيقه، إثبات التأثير المصري في الأمة العربية، وقيادة العرب في شيء.

وفي حين كانت «كامب ديفيد» لا تزال تمزق أحشاء الأمة العربية

وتعزل مصر أكثر، كان بليغ حمدي بمفرده قد حول القاهرة إلى عاصمة يعرف كل المطربين أن وجود بليغ حمدي فيها كفيل بمنحهم الفن والنجاح والشهرة في لحن واحد.

كانت ميادة الحناوي من سوريا وسعدون جابر من العراق وعزيزة جلال من المغرب ولطيفة من تونس وغيرهم قد تم اكتشافهم على يد بليغ وقدموا أغنيات سرعان ما جعلت الجماهير العربية تعرفهم باعتبارهم نجوماً كباراً مع أول أغنية تحمل توقيعه.

بليغ حمدي كان في هذه الفترة الأول في كل شيء، ودونها أي مؤامرات أو انحطاطات من التي كانت تغزو المناخ الفني والثقافي منذ بدايات الانفتاح.

صحا الرأي العام على قضية أديرت بكل عناصر التشويق

حيث حملت صحف مغمورة تدعى «سميرة مليان» في شقة العمارة بحديث موحد لكل الصحف عارية تماماً بعد إلقائها من الشقة.

الثابت أن هذه، وآلة الدعاية ضد الرجل حد قيام شركة إنتاج مجهولة بإعداد فيلم بعنوان “قضية سميرة” تم إنتاجه على عجل ودون أي سيناريو أو إخراج محترف.

فقط كان مقصوداً من هذا الفيلم ترسيخ صورة القضية وصناعتها كقضية رأي عام كبيرة بطلها الملحن الذي فتح بيته لأعمال منافية للآداب.

هل تتصورون انحطاطاً أكثر من هذا!

في عام 86 أي بعد عامين من هذه التحقيقات صدر حكم بحبس بليغ، حيث أصدرت محكمة جنح العجوزة في 11 فبراير حكماً بالسجن عاماً عليه.

ودارت رؤوس رجال القانون لكي يعرفوا المسوغ القانوني لهذا الحكم، فإذا كان هناك قتل أو شروع في قتل أو مشاركة في الجريمة فالأكيد أن يكون الحكم أكبر من سجن عام.

ولم يتحمل بليغ بالطبع أن يبقى في بلده كي يسجن وسافر إلى باريس ليستقر هناك متنقلاً بينها وبين لندن لمدة 5 أعوام كانت هي الأقسى والأصعب في حياة رجل كان يتنفس موسيقى وحرية ومحبة لا مثيل لها لبلده مصر.

كان بليغ قد انفصل عن الفنانة وردة قبلها بسنوات، لكنها ذهبت إلى مسئول كبير وقالت له إن بليغ يموت لو ابتعد عن مصر والقانون يسمح بأن يعود ويقضي فترة الحبس في أحد المستشفيات بدلاً من السجن وأخبره المسئول بأن القانون يسمح بهذا لكن.

أحمد زكي يصرخ في أحد البرامج: بلد بتقول كده على بليغ حمدي عمر ما تقوم لها قومة!

وكذلك يقول الابنوي الشاعر :

لولا بليغ حمدي ما عرفت مصر، ما عرفت طعم النيل والنخيل “

 بدأ المرض يغزو جسده بقوة في إحدى الصحف، وظل أياماً يبكي من كل هذا الشر وهو الرجل الذي كان – بتعبير نزار قباني – وقال إن غالبية من اشتركوا فيها كانوا عرف عنه الكرم إلى أقصى حد

شارك المقال:

شاركنا برأيك