د. فاروق شرف يكتب: مصر حيث تنبض الحجارة بالحياة (13) مصر الجديدة
مصر الجديدة لم تلتزم طرازًا واحدًا جامدًا. بل جمعت بين عناصر إسلامية وأوروبية وهندوسية وبيزنطية، في مزيج أعطى الحي شخصيته الفريدة.
مصر الجديدة قديما
مصر الجديدة: حين خرجت مدينة من قلب الصحراء.
تخيلوا القاهرة منذ أكثر من مائة عام…
أرضًا واسعة تمتد فيها الصحراء شرق العاصمة…
لا عمائر شاهقة، ولا محال مزدحمة، ولا مقاهٍ عامرة، ولا سيارات تتدافع في الشوارع.
فقط الرمال… والفضاء… وسماء مفتوحة حتى الأفق.
ثم يأتي رجل ينظر إلى هذا الفراغ فلا يرى صحراء!
يرى مدينة.
ويرى شوارع وحدائق وقصورًا وفيلات، ويرى الناس وهم يمشون في طرق واسعة، ويرى ترامًا يشق الصحراء ليصل المدينة الجديدة بقلب القاهرة.
ذلك الرجل كان البارون إدوارد إمبان.
ومن هنا بدأت واحدة من أكثر قصص العمران إثارة في تاريخ القاهرة:
قصة مصر الجديدة… أو هليوبوليس.
من الصحراء إلى هليوبوليس.
* في عام 1905 دخلت الفكرة مرحلة التنفيذ؛ إذ باعت الحكومة المصرية مساحة ضخمة من الأرض الصحراوية لإدوارد إمبان، الذي أسس شركة «واحة هليوبوليس» لإنشاء الضاحية الجديدة.
ولم يكن المشروع مجرد تقسيم أراضٍ وبيعها، بل كان تصورًا متكاملًا لمدينة حديثة ذات خدمات ومرافق وأنماط سكن مختلفة.

وهنا تظهر قيمة المشروع الحقيقية:
لم يبنوا حيًا فقط… بل بنوا فكرة.
فيلات وقصور… حدائق… مدارس…مناطق للترفيه… مضمار لسباق الخيل، ومناطق صناعية… ومواصلات تربط الحي بالقاهرة.
حتى إن التخطيط لم يترك الشوارع تسير كيفما اتفق، بل جعل الشوارع الرئيسية تتجمع حول مركز بصري مهم هو كنيسة البازيليك، في تكوين أشبه بالنجمة.
د. فاروق شرف يكتب: مصر حيث تنبض الحجارة بالحياة (12) الحلمية
ولكن… لماذا هليوبوليس؟
وهنا واحدة من أجمل التفاصيل التي تستحق أن نتوقف عندها.
اختير اسم Heliopolis – هليوبوليس، أي «مدينة الشمس»، استحضارًا لاسم أون القديمة، المدينة المصرية الفرعونية التي ارتبطت بالشمس وبمعبد رع، والتي كانت تقع في منطقة عين شمس الحالية.
هنا كانت مدينة الشمس…
وهنا ستشرق شمس مدينة جديدة.
يا لها من فكرة!
إمبان لم يكن وحده

ومن الإنصاف التاريخي ألا ننسب هذا المشروع كله إلى إمبان وحده.
فإلى جانبه كان باغوص نوبار باشا، شريكه المصري، الذي أسهم في المشروع منذ بداياته. وتؤكد وزارة السياحة والآثار أن الرجلين كانا مؤسسي المشروع، وأن رؤيتهما جعلت مصر الجديدة تجربة عمرانية ناجحة ومتكاملة في أوائل القرن العشرين.
وهنا التقت خبرة أوروبية برؤية مصرية.
فخرجت من الصحراء مدينة ذات شخصية لا تزال واضحة حتى يومنا هذا.
– العمارة… وهنا تبدأ الحكاية الأجمل
لو كانت مصر الجديدة مجرد شوارع واسعة، لما بقيت في ذاكرة المصريين بهذا القدر.
لكن سرها الحقيقي كان في عمارتها.
فمصر الجديدة لم تلتزم طرازًا واحدًا جامدًا.
بل جمعت بين عناصر إسلامية وأوروبية وهندوسية وبيزنطية، في مزيج أعطى الحي شخصيته الفريدة.
* ولهذا عندما تسير في أحد شوارعها القديمة تشعر أنك أمام معرض مفتوح للعمارة.
قوس هنا… شرفة هناك… زخرفة شرقية..تفصيل أوروبي… قبة… برج…واجهة ذات بواكي…
ثم تنتقل أمتارًا قليلة فتجد مبنى آخر له شخصية مختلفة تمامًا.
– وهذه هي مصر الجديدة التي نحبها.
الكوربة… قلب الحكاية
ثم نصل إلى المكان الذي لا يمكن أن تكتمل قصة مصر الجديدة بدونه:
الكوربة.
اسم وحده يكفي ليستدعي عشرات الذكريات.
شوارع… مقاهٍي… مطاعم… محال… واجهات معمارية…
وأناس يأتون إليها من أحياء القاهرة المختلفة لقضاء وقت جميل، أو شراء شيء مميز، أو مجرد الاستمتاع بالمشي في مكان له مذاق خاص.
– ويرتبط اسم «الكوربة» بالانحناءة التي كان الترام يسلكها في هذه المنطقة، حتى أصبح الاسم متداولًا بين الناس.
و ميدان الكوربة بأنه ذو شكل مثلث، تحيط به مجموعة من أهم مباني مصر الجديدة التاريخية.

وهنا أقول:
الكوربة ليست مجرد ميدان… إنها ذاكرة تمشي على قدمين.
والترام… شريان المدينة.
ولأن المدينة الجديدة كانت بعيدة عن القاهرة، كان لا بد من وسيلة تصلها بالعاصمة.
فجاء ترام مصر الجديدة.
وكان أول خط للترام بدأ عام 1910، وظل واحدًا من أبرز معالم الحي وعناصر الاتصال بين مصر الجديدة والقاهرة.
وهنا يمكن للقارئ أن يتخيل المشهد:
ترام يشق الصحراء…
ركاب ينظرون من النوافذ…
مدينة جديدة تظهر أمام أعينهم شيئًا فشيئًا…
وشوارع لم تكن موجودة بالأمس أصبحت اليوم مقصدًا للسكان.
– هكذا بدأت مصر الجديدة تكبر.
قصر البارون… العلامة التي لا تخطئها العين
ثم نصل إلى أشهر أبناء مصر الجديدة:
قصر البارون إمبان.
ذلك المبنى الذي يكاد يكون توقيعًا حجريًا على شهادة ميلاد الحي.
أنشأه إدوارد إمبان بين 1907 و1911، وصممه المعماري الفرنسي ألكسندر مارسيل. وتؤكد وزارة السياحة والآثار أن القصر استلهم طرازه من العمارة الهندية.
بينما تربط مصادر القاهرة الرسمية تصميمه بتأثيرات معابد أنغكور وات والمعابد الهندوسية في أوريسا.
– ومن أجمل ما فيه برجه البارز وزخارفه وشخصياته وتماثيله التي جعلته مختلفًا عن كل ما حوله.
إنه ليس مجرد قصر.
إنه صرخة معمارية تقول لكل من يمر:
هنا بدأت مدينة جديدة.
والبازيليك… قلب الخريطة
وفي مواجهة هذا العالم المعماري المتنوع تقف كنيسة البازيليك، أو كنيسة السيدة العذراء مريم، واحدة من أهم علامات مصر الجديدة.
وضع حجر أساسها وضع عام 1911، واكتمل بناؤها عام 1913، وأنها شُيدت على الطراز البيزنطي متأثرة بصورة مصغرة بكاتدرائية آيا صوفيا. كما أن البارون إمبان دُفن في سردابها بناءً على وصيته.
وهنا تتضح لنا فكرة جميلة جدًا:
المدينة لم تُبنَ حول مبنى واحد… بل نسجت حول رموزها شبكة من الشوارع والميادين.
قصر هليوبوليس… من فندق إلى قصر رئاسة
ومن أجمل ما يمكن أن نذكره أيضًا فندق هليوبوليس بالاس، الذي أصبح فيما بعد من القصور الرئاسية. والذ إفتتح عام 1910، وكان واحدًا من أبرز شواهد الكوربة التاريخية.
– وهكذا نجد أمامنا مبنى بدأ حياته فندقًا…
ثم أصبح جزءًا من تاريخ الدولة المصرية.
مصر الجديدة… حي لا يسكنه الناس فقط، بل يزوره الجميع:
وهنا نصل إلى مصر الجديدة التي نعرفها نحن.
مصر الجديدة اليوم ليست فقط مكانًا للسكن.
إنها مقصد.
يأتي إليها سكان أحياء القاهرة المختلفة
للمطاعم والمقاهي… للتسوق… للمشي وللاستمتاع بالعمارة والشوارع.
وهذا الامتداد من الماضي إلى الحاضر هو سر قوتها.
فالحي لم يتحول إلى متحف.
بل ظل حيًا.
وهذه هي أعظم شهادة يمكن أن تحصل عليها مدينة تاريخية:
أن يعيش ماضيها في حاضرها.
ومن سكانها أيضًا… أسماء لها حضور في ذاكرة مصر.
وعبر العقود ارتبطت مصر الجديدة بأسماء كثيرة من رجال الدولة والفن والثقافة والإعلام.
واذكر من بين الشخصيات التي سكنت الحي الرئيس الأسبق حسني مبارك، ووزير الداخلية الأسبق أحمد رشدي، ووزير الخارجية الأسبق أحمد أبو الغيط، إلى جانب أسماء فنية مثل ماري منيب وليلى مراد وليلى علوي.
وهذا التنوع في سكانها يعكس شيئًا مهمًا:
أن مصر الجديدة لم تكن يومًا مجرد حي للأغنياء أو الباشوات، وإنما أصبحت مع مرور الزمن مجتمعًا مصريًا متنوعًا.
وهنا سر الحكاية
حين تنظر إلى مصر الجديدة اليوم، لا تقل:
«هذا حي راقٍ فقط.»
بل قل:
«هذه تجربة عمرانية عمرها أكثر من قرن.»
تجربة بدأت من الرمال… ثم جاءت إليها المياه والكهرباء… ثم الشوارع…ةثم الترام…ثم البيوت… ثم المدارس… ثم المحال… ثم الناس.
ومع كل جيل أضيفت طبقة جديدة إلى الحكاية.
وفي النهاية
مصر الجديدة ليست مجرد مكان نذهب إليه لقضاء وقت ممتع.
إنها مكان يُذكّرنا بأن الإنسان يستطيع أن يرى المدينة قبل أن تولد.
رآها إمبان في الصحراء… وخطط لها المهندسون… وشيدها العمال… وعاش فيها الناس… وحافظت العمارة على ذاكرتها…ثم جاءت أجيال جديدة لتضيف إليها أصواتها وحكاياتها.
ولهذا عندما نمشي اليوم في الكوربة، أو شارع الميرغني، أو العروبة، أو بغداد، أو حول البازيليك، لا ينبغي أن نرى مجرد محال وعمارات وشوارع.
بل ينبغي أن نرى أكثر من مائة عام من الحلم والعمل والتخطيط والجمال.
فمصر الجديدة ليست مدينة خرجت من الرمال فحسب…
بل هي مدينة أثبتت أن الرمال يمكن أن تتحول إلى ذاكرة، وأن التخطيط يمكن أن يتحول إلى جمال، وأن العمارة عندما تحترم الإنسان تصبح جزءًا من روحه.
ومن هنا نقول:
سلامٌ على مصر الجديدة…
على شوارعها التي ما زالت تحتفظ بملامح الزمن الجميل،
– وعلى قصورها التي تحفظ ذاكرة الباشوات،
– وعلى كنائسها ومساجدها،
– وعلى عمائرها التي جعلت من الشارع معرضًا مفتوحًا،
– وعلى أهلها وزائريها،
– وعلى كل حجر فيها شهد ميلاد مدينة من أجمل مدن القاهرة.
شاركنا برأيك