مقالات
أحمد علام
أحمد علام

كاتب وسياسي

أحمد علام يكتب: حين يهرب المجال العام إلى «قاع الهامور»

المفارقة أن ملايين المصريين لم يذهبوا إلى «قاع الهامور» لكي يناقشوا السياسة. لم يؤسسوا حزبًا، ولم يعلنوا بيانًا، ولم يرفعوا مطالب سياسية، ولم يختاروا زعيمًا. ذهبوا في الأصل للضحك.

مشاركة:
حجم الخط:

حين تُغلق السلطة المجال العام لا تلغي المجتمع؛ إنها فقط تفقد القدرة على رؤية أين يعيد المجتمع تكوين مجاله العام.
ربما تكون هذه هي الزاوية الأهم لفهم ظاهرة «قاع الهامور» التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي في مصر خلال أيام قليلة، قبل أن تتحول من مساحة ساخرة مستوحاة من عالم «سبونج بوب» إلى موضوع للنقاش والقلق والتحذير في عدد من وسائل الإعلام والمنابر السياسية.
فالسؤال السهل هو: لماذا انجذب هذا العدد الهائل من المصريين إلى مدينة خيالية تحت البحر؟

لكن السؤال الأصعب: لماذا أثار اجتماعهم هناك كل هذا القلق؟

المفارقة أن ملايين المصريين لم يذهبوا إلى «قاع الهامور» لكي يناقشوا السياسة. لم يؤسسوا حزبًا، ولم يعلنوا بيانًا، ولم يرفعوا مطالب سياسية، ولم يختاروا زعيمًا. ذهبوا في الأصل للضحك.
ولكنهم، حين ذهبوا إلى هناك، أخذوا مصر معهم.
أخذوا الأسعار والإيجارات والمواصلات والوظائف والزواج والمدارس والشرطة والوزارات والشكاوى والانتخابات والبيروقراطية، ثم أعادوا تركيبها جميعًا في عالم ساخر تحت سطح البحر.وهنا لم يعد «قاع الهامور» مجرد مزحة.

لقد أصبح، من حيث لا يقصد مؤسسوه وربما من حيث لا يقصد معظم المشاركين فيه، مجالًا عامًا مصغرًا.

ماذا يحدث للمجتمع عندما يُغلق مجاله العام؟

منذ عام 2013 تعرض المجال العام المصري للاختناق. شلت قدرة الأحزاب على الحركة، واختفت مساحة الاحتجاج والعمل النقابي المستقل.

أغلقت الصحافة المستقلة، وأصبحت تكلفة التعبير السياسي المباشر مرتفعة جدا.

وقد وثقت دراسات وتقارير دولية هذه القيود على الاحتجاج والإعلام والمجتمع المدني منذ 2013 وحتى السنوات الأخيرة.

وقد يبدو هذا، من منظور أمني، نجاحًا.

الشوارع هادئة. المظاهرات نادرة. الأحزاب ضعيفة. الإعلام منضبط وفق تعليمات سامسونج. والصوت المختلف أختفى تماما.

لكن هناك مشكلة أساسية في هذه الصورة:

هدوء المجتمع لا يعني بالضرورة رضاه، كما أن غياب التعبير لا يعني غياب ما يريد الناس التعبير عنه.
وهنا تقع السلطة المغلقة في واحدة من أخطر مفارقاتها.
فالمجال العام ليس فقط المكان الذي يعترض فيه الناس على السلطة؛ إنه كذلك الجهاز الذي ترى السلطة من خلاله المجتمع.
الصحافة جهاز إنذار. والنقابة جهاز إنذار.

والحزب جهاز إنذار. والانتخابات جهاز قياس.

والاحتجاج السلمي جهاز قياس.

والجمعيات والنقاشات العامة وحتى المعارضة المزعجة كلها أدوات تخبر صانع القرار بما يجري بالفعل تحت سطح المجتمع.

يمكن بالطبع إسكات أجهزة الإنذار.

لكن إسكات جهاز الإنذار لا يطفئ الحريق.

الاستقرار الذي لا يستطيع رؤية نفسه

تخيل سيارة قام صاحبها بإلغاء جميع لمبات التحذير في لوحة القيادة أمامه لأنها تزعجه.

لا إشارة لارتفاع الحرارة.

لا إنذار بانخفاض الزيت.

لا ضوء يشير إلى عطل في المحرك.
ستبدو لوحة السيارة ممتازة.
ولكن السيارة لم تصبح أكثر أمانًا.

صاحبها فقط أصبح أقل قدرة على معرفة ما يحدث داخلها.

هذه تقريبًا إحدى مشكلات المجال العام المغلق.

حين تقل قنوات التعبير المستقل، تصبح الصورة التي تصل إلى السلطة أكثر هدوءًا وانتظامًا، لكنها قد تصبح أيضًا لا تعبر عن الحقيقة.

ومع استمرار هذه العملية ينشأ ما يمكن تسميته «مفارقة الاستقرار المغلق»:

كلما نجحت السلطة في تقليل التعبير العلني، رأت اعتراضًا أقل، وكلما رأت

اعتراضًا أقل، اطمأنت إلى سياستها؛ وكلما اطمأنت إليها، زادت من الإغلاق،

وكلما زاد الإغلاق، اتسعت المسافة بين المجتمع كما هو والمجتمع كما تراه السلطة.

حتى يظهر شيء من مكان لم يكن أحد يراقبه.

أغنية. مباراة كرة قدم. نكتة. مسلسل. واقعة فردية. «ميم». أو مدينة يسكنها سبونج بوب.

المجتمع لا يختفي… بل يغير مكانه

الإنسان كائن اجتماعي قبل أن يكون كائنًا سياسيًا.

يحتاج إلى أن يحكي، ويضحك، ويشكو، ويعترض، وينتمي، ويشارك الآخرين تفسير ما يحدث له.

إذا وجد الحزب، ذهب إلى الحزب. وإذا وجد النقابة، ذهب إلى النقابة.

وإذا وجد الصحيفة الحرة، كتب إليها. وإذا وجد مجلسًا محليًا حقيقيًا، ناقش مشكلات حيه أو قريته.

وإذا لم يجد شيئًا من ذلك، فلن تختفي حاجته إلى المشاركة.
سيبحث عن مكان آخر.

وهنا تأتي أهمية «قاع الهامور»

فما حدث لم يكن مجرد هروب من الواقع إلى الخيال؛ لأن المصريين، بمجرد وصولهم إلى العالم الخيالي، شرعوا في إعادة بناء واقعهم داخله.

أنشأوا مؤسسات. واخترعوا وظائف. وتحدثوا عن الأسعار.

وتداولوا الشكاوى. وحاكوا الوزارات ومراكز الشرطة والانتخابات.
إنهم لم يهربوا من المجتمع المصري بقدر ما أعادوا إنتاج المجتمع المصري بلغة تسمح لهم بأن يضحكوا عليه وعلى أنفسهم.
والسخرية هنا ليست أمرًا هامشيًا.
إنها واحدة من أقدم وسائل المجتمعات في الكلام عندما يصبح الكلام المباشر مكلفًا.
فالقول المباشر يمكن محاكمته باعتباره موقفًا. أما النكتة فلديها دائمًا باب خلفي: «نحن نمزح فقط»

لكن الجميع يعرف لماذا يضحكون.
فلماذا أثار الأمر القلق؟

هنا نصل إلى المفارقة الثانية.

لو أن شخصًا نشر نكتة سياسية وشاهدها مليون شخص، فلدينا شخص ومليون متلقٍ.

أما في «قاع الهامور»، فلدينا عدد ضخم من البشر يصنعون المحتوى بأنفسهم ويتفاعلون مع بعضهم بعضًا ويطورون سردية مشتركة.

وهذا فرق كبير.

المسألة ليست فقط في «ماذا يقولون؟» وإنما في: كيف اجتمعوا بهذه السرعة؟

كيف أصبح رمز كرتوني بسيط نقطة التقاء لمئات الآلاف ثم لمجتمع رقمي بالغ الاتساع؟
كيف ظهرت لغة مشتركة وأعراف مشتركة ومؤسسات خيالية في أيام؟

هذه ليست بالضرورة قدرة سياسية، ولا ينبغي أن نتعجل فنحول كل من ضحك على منشور عن «مستر سلطع» إلى معارض سياسي.

لكنها تكشف قدرة اجتماعية على التجمع والتفاعل خارج الأطر التقليدية.

وهذه في ذاتها معلومة مهمة لأي سلطة اعتادت أن ترى المجتمع من خلال قنوات محددة يمكن التعرف إلى قياداتها وحدودها.

فالحزب له رئيس. والنقابة لها مجلس. والصحيفة لها رئيس تحرير. والحركة السياسية لها رموز.

أما الظاهرة الشبكية العفوية فلا أحد يمتلكها بالكامل.

ولهذا فهي أصعب في الفهم والتصنيف.
عندما يبحث الخوف عن مؤامرة
وفي مثل هذه الحالات يظهر تفسير شديد الجاذبية: لا بد أن أحدًا يقف وراء الأمر.
تنظيم. جهة خارجية. جماعة سياسية. خطة خفية.
قد تحاول جماعات سياسية بالفعل استغلال أي تجمع جماهيري واسع، هذا احتمال طبيعي في كل مجتمع.

لكن شيئًا مختلفًا تمامًا أن نفترض أن كل ظاهرة جماهيرية غير مفهومة قد صُنعت أصلًا بواسطة مؤامرة.
أحيانًا يكون تفسير الظاهرة باعتبارها «مخططًا» أكثر راحة من الاعتراف بأنها نشأت تلقائيًا من داخل المجتمع.
فالمؤامرة لها رأس يمكن قطعه.
أما المجتمع فلا رأس له.

والمثير أن بعض الأصوات قالت الحقيقة دون قصد

وصف أحد النواب بما يسمى بمجلس الشيوخ، «قاع الهامور» بأنه «جرس إنذار»، وتحدث عن «هيبة مؤسسات الدولة»، لكنه انتهى إلى نتيجة مهمة: أن أفضل طريقة لمواجهة تمدد المساحات الافتراضية هي توسيع المساحات الحقيقية أمام المواطنين، وتفعيل الحياة الحزبية وتوفير مجال عام قادر على استيعابهم ولكن هل من مستمع؟.
هذه ربما أهم جملة قيلت في الجدل كله.

لأن المشكلة ليست أن هناك «قاع هامور» أكثر مما ينبغي.

المشكلة ربما أن هناك مجالًا عامًا حقيقيًا أقل مما ينبغي.

فالناس لا تحتاج إلى أمر حكومي لكي تجتمع.

والتكنولوجيا جعلت تكلفة إنشاء المجتمع الموازي تقترب من الصفر.

يمكنك إغلاق مقر. ومنع مظاهرة. وإضعاف حزب. وتقييد صحيفة.

لكن من المستحيل أن تصدر قرارًا يمنع المجتمع من إعادة تشكيل علاقاته إلى الأبد.

سيعود في مكان آخر وباسم آخر وبصورة أخرى من حيث لا تدري.

بل إن الهجوم قد يصنع ما يخشاه أصحابه

هناك مفارقة ثالثة لا ينبغي تجاهلها.

حين يدخل شاب إلى مجموعة ليسخر من «شفيق» أو «شمشون» أو «مستر سلطع»، فهو قد لا يفكر في السياسة أصلًا.

لكن إذا استيقظ في اليوم التالي ليجد برامج ومقالات تحذره من خطورة ما يفعله على الدولة والمجتمع، فقد يسأل لأول مرة:

ما الذي فعلناه حتى أثار كل هذا الخوف؟

وعند هذه النقطة تستطيع الاستجابة السياسية أن تفعل ما لم تفعله الظاهرة نفسها: أن تسيّسها.
أي أن المجتمع يبدأ بالمزاح، ثم تأتي السلطة أو الأصوات المحيطة بها فتشرح له أن مزاحه سياسي.
وهذا واحد من أكثر أخطاء السلطة المغلقة شيوعًا: أنها قد تحول مساحات غير سياسية إلى أسئلة سياسية بسبب إفراطها في الاشتباه فيها.

قاع الهامور ليس ثورة

من المهم جدًا ألا نحمل الظاهرة ما لا تحتمل.
«قاع الهامور» ليس ثورة. وليس حزبًا.
وليس دليلًا على أن اثنين مليونً مصري قرروا معارضة النظام.
ومن الخطأ إسقاط الرغبات السياسية على ظاهرة اجتماعية ساخرة.
لكن الخطأ المقابل هو تجاهل ما كشفته. لقد كشف أن الحاجة إلى المجال المشترك ما تزال هائلة.
وكشف أن المجتمع يستطيع بسرعة مذهلة أن ينتج لغة ورموزًا وسرديات خارج المؤسسات الرسمية.
وكشف أن السخرية تستطيع حمل قدر كبير من الواقع دون أن ترفع لافتة سياسية واحدة.
وقبل كل ذلك كشف شيئًا ينبغي لأي نظام حكم رشيد أن يأخذه بمنتهى الجدية:
المجال العام ليس منحة تقدمها السلطة للمجتمع، بل وظيفة يحتاج إليها المجتمع والدولة معًا.
لأن المجال العام المفتوح لا يسمح فقط للمواطن بأن يتحدث.
إنه يسمح للحاكم أيضًا بأن يسمع إن كان يريد أن يسمع.

حين يصبح «قاع الهامور» مرآة

ربما يكون الخطأ أن ننظر إلى «قاع الهامور» بوصفه المشكلة.
إنه أقرب إلى المرآة.
والمرآة لا تصنع الوجه الذي يظهر فيها.
لقد نظر المصريون إلى مدينة خيالية في قاع البحر، ثم ملؤوها بمشكلاتهم ونكاتهم ومؤسساتهم وحياتهم اليومية.
والسؤال ليس: لماذا فعلوا ذلك؟
السؤال الأجدى: لماذا وجدوا هناك مساحة للعب والتفاعل والتعبير لم يجدوها بالقدر نفسه فوق سطح الماء؟
أما السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعا ويشغل السلطة أكثر من كل نظريات المؤامرة فهو:
إذا ظل المجال العام الحقيقي ضيقًا، فأين سيظهر المجال العام القادم؟
لن يعرف أحد وسوف يأتي من حيث لا يدري أحد.

وهذه تحديدًا هي المشكلة.

فالسلطة تستطيع أن تغلق المجال العام، لكنها لا تستطيع إلغاء المجتمع.
وحين تغلق أمامه كل الأبواب المعروفة، لا يموت المجتمع خلف الأبواب، سوف ينقب في الجدران.
إنه فقط يبحث عن مساحة لا تعرف السلطة مكانها بعد.

شارك المقال: