د. محمد محفوظ يكتب : شخصية مصر أم شخصية “أرض الطغيان” 1
يفتح جمال حمدان بالفصل الثاني والعشرين من كتاب شخصية مصر ، يفتح صندوق التاريخ الموبوء بميكروبات القمع وفيروسات البطش وسيكوباتية الطغيان .

صورة تعبيرية لصاحب شخصية مصر جمال حمدان
عرض للفصل الثاني والعشرين من كتاب: ( شخصية مصر ) للدكتور/ جمال حمدان
من يرش السكر على تاريخه، يسف الملح في حاضره .
والذين يحكمون على التاريخ بقشوره أو بفبركات مدلسيه وكُهانه وموتوريه، محكوم عليهم أيضا بتكرار تجرع علقمه ومراره ومآسيه .
ولذلك، فإن الشيفونية أي ( المبالغة في حب الوطن ) لن تـُرهبنا فنبلع الزلط لتاريخنا، أو نرش السكر على أجدادنا، وإنما سنضع يدنا في البلاعة لنفضح ما تعطن بأعماقها من أوساخها وأدرانها.
ودليلنا في ذلك، ليس كتابا مارقا أو بحثا مترصدا أو مرجعا معاديا، وإنما كتابا وبحثا ومرجعا هو العمدة والقمة في تحليل وتفنيد وتمحيص مصر، كأرض وشعب وحكومة ، وتاريخ وجغرافيا وحضارة.
إنه كتاب : شخصية مصر ، وتحديدا الفصل الثاني والعشرين، للجغرافي المفكر الأديب دكتور: جمال حمدان .
وبالطبع، جمال حمدان ككاتب، يؤخذ منه ويُرد عليه، وما قدمه وكتبه يظل قابلا للنقد، ولكنه بالطبع ليس ذلك النوع من النقد الصادر من مجاذيب التاريخ وبهاليل الشيفونية، المفتونين بالنقوش والجداريات والبرديات والأهرام والمومياوات والمعابد، المتغافلين عن المجتمع ، عن الإنسان، عن الناس ، عن البشر .
د. محمد محفوظ يكتب : مفرمة ( الإشلاح ) الاقتصادي واقتصاد ( السوء )
تحت عنوان : من الطغيان الفرعوني إلى الثورة الاشتراكية في جغرافية مصر الاجتماعية
يفتح جمال حمدان بالفصل الثاني والعشرين من كتاب شخصية مصر ، يفتح صندوق التاريخ الموبوء بميكروبات القمع وفيروسات البطش وسيكوباتية الطغيان .
فيقرر بكل وضوح ، قائلا :
“ولعلنا لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا أن الفرعونية كانت نوعا من الاستعمار الداخلي، أو نوعا من الاستعمار الاجتماعي ورغم مسحة سطحية من الأبوية ينظر بها فرعون إلى رعاياه كأبنائه القـُصر – وإن كانت النظرة لا تخلو أيضا من مفهوم التملك – فلقد كانت الفرعونية دولة بوليسية استبدادية أساسا، تتبع سياسة القمع والإرهاب والترويع والتخويف والتنكيل والتمثيل بالنسبة للجميع”
ويوضح جمال حمدان بأن :
“الطغيان الفرعوني جاء كنتيجة حتمية للدولة المركزية، وكانت الدولة المركزية ضرورة حتمية للبيئة الفيضية (أي فيضان النيل) وكما كان لهذه المعادلة أو المسلسلة الأيكولوجية (أي البيئية) مزاياها الواضحة، فلقد كان لها عيوبها الأوضح”
نعم، بها كانت أول وحدة سياسية أو أول دولة موحدة في التاريخ، لكنها أيضا مارست بها على الأرجح أول طغيان في الأرض .
وبها كانت أقدم وأعرق حكومة مركزية في العالم، ولكن أقدم وأعرض استبداد أيضا .
لقد دفع المصري منذ البداية ثمن وحدته السياسية المبكرة من حريته السياسية.
واشترى الأمن الاجتماعي بالحرية الاجتماعية.
وفي النتيجة أصبحت العلاقة عكسية بين المواطن والدولة.
فتضاءل حجم الشعب بقدر ما تضخم وزن الحكم.
وكلما كبرت الحكومة صغر الشعب.
من هنا، فان الحكومة المركزية السباقة، التي نسرف في التفاخر بها عادة، ليست خيرا محضا بل لها مثالبها وثمنها الفادح”

ويضع جمال حمدان يده على ( أصل الطغيان ) ، فيقرر بأن :
“أدوات الإنتاج الأساسية في مصر الزراعية، كعالم فیضی نهری، إنما هي في التحليل الأخير الأرض والماء.
إن يكن الماء دم الحياة، فإن الأرض جسمها .
وإن تكن الأرض خامة الزراعة، فإن الماء وقودها .
فأما الأرض، فقد تم إلغاء الملكية الفردية بضربة واحدة، منذ اللحظة الأولى التي اُعتبرت فيها كل أرض البلد ملكا قانونيا للدولة، ممثلة في الحاكم فرعون .
بهذا تحولت مصر ابتداء الى ضيعة كبرى للحاکم، بينما أصبح الفلاح مجرد أداة إنتاج بشرية
أما الماء ، فلعله، بحكم البيئة الفيضية، في يد الحاكم أكثر من الأرض، ومن يملك الماء في مناخ صحراوي يملك الحياة، وبحكم الطبيعة وطبيعة الأشياء أيضا.
كان الماء « مؤمماََ » بشكل ما، كما كان تقليديا دائما سلعة مجانية في مصر طوال التاريخ، غير أن هذا صحيح شكلا فقط وعلى السطح.
أما الحقيقة فقد كان للماء ثمنه، وكان هذا الثمن هو حرية الفلاح التي سُلمت كاملة للدولة، بما في ذلك حق أو فرض السخرة، أي وضع الفلاح لنفسه تحت تصرف الدولة للعمل لحسابها لفترة ما كل عام، أحيانا بتكاليف البطن، وأحيانا مع التزامه أو إلزام أهله بتكاليف معيشته، وذلك في مشاريعها العامة ابتداء من إقامة السدود الواقية ضد خطر الفيضان إلى شق الترع والطرق إلى بناء المعابد والأهرامات… الخ”
وبثنائية الهيمنة على الأرض والماء ، يقرر جمال حمدان أنه :
“بهذا إذن تجمعت كل حقوق الملكية وخيوط القوة وأزمة السلطة في يد فرعون، بحيث صار الحكم هو الحكم الفردي المطلق في أعتى صوره، أي الأوتوقراطية، وكانت الأوتوقراطية العارمة هي نظام الفرعونية الطبيعي”
أصبح فرعون شرعيا أو قانونيا أو نظريا هو بصورة تلقائية المالك الأوحد للأرض، وصار البلد كله “قطاعا عاما” والوطن جميعا ملكا للدولة، بل وبات فرعون مالك الأرض بما عليها ومن عليها، وذلك بصفته أيضا الإله أو ابن الإله أو ظل الإله على الأرض، والكل يخضع له خضوعا مطلقا كاملا .
.. كان تأليه فرعون بصورة أو بأخرى ظاهرة قديمة وجوهرية لا مجرد صدفة محلية .
لقد أصبح المصريون “عبدة” النيل أصلا “عبيد النيل” أيضا .
ثم أصبح عبيد النيل عبيد الدولة أو «عبيد فرعون» بالتبعية وفي النهاية .
وتلك هي «العبودية المعممة» ، وفي هذا كله كانت جرثومة الطغيان الفرعوني”
ويصل جمال حمدان للنتيجة المؤسفة ، فيقرر بأنه :
“كانت الفرعونية باختصار نظاما ديكتاتوريا مطلقا، ولعل الحكم الأوتوقراطي المطلق، على علاته، قد أدي وظيفته في البداية وإلى حين، حيث وضع أسس الحضارة المصرية وأرسى دعائمها”
غير أنه لم يلبث أن تعدى نفسه إلى القهر السياسي والاجتماعي، حين أصبح موزع الماء هو مالك الماء، والحاجز بين الرقاب هو المتحكم في الرقاب، ومانح الحياة هو مانع الحياة، « لقد انبثقت الدولة عن المجتمع، ولكنها وضعت نفسها فوقه » وتحولت من قوة قهر إلى قوة بطش”
ويحلل جمال حمدان هيكل النظام الفرعوني، فيوضح أركانه، قائلا:
“ليس يُقصد بالفرعونية في ذلك البناء فرعون وحده، وإنما هو والذين معه، أي هيكل النظام ككل، تلك الشرنقة الكثيفة من كبار الموظفين ورجال الدين والجيش وكبار الملاك وأتباع هؤلاء جميعا.
والواقع أن هيكل النظام الفوقي أو الطبقة الحاكمة الذي تستقر فوقه (الأوتوقراطية الطاغية) وتستند إليه، كان يتحلل في عناصره الأولية الى ثلاثة أعمدة أساسية:
– بيروقراطية منتفخة متضخمة
– ثيوقراطية هي الأخرى متورمة
– أرستقراطية عسكرية شديدة البأس
.. والكل يقوم على قاعدة عريضة محكومة من بروليتارية فلاحة عاملة”
ويفند جمال حمدان أركان نظام الطغيان الفرعوني
فيبدأ بقمته ( الأوتوقراطية ) التي تعلو هذه الأركان الثلاثة ، فيقرر قائلا :
“فأما الملكية الأوتوقراطية فإن البعض يرى ببساطة أن فرعون، مالك كل شيء نظريا أو قانونيا، كان عمليا “أعظم محتكر شهده التاريخ” أو هو “التاجرالكبير الوحيد”
فبينما كانت التجارة الداخلية، كالصناعة أيضا، محدودة متواضعة نظرا لسيادة الاكتفاء الذاتي وتواضع مستوى معيشة السواد الأعظم من الشعب.
كانت التجارة الخارجية البعيدة المدى والتعدين المحلي مزدهرة وضخمة، كما كانت احتكارا حكوميا بحتا.
ولكن كما كانت هذه التجارة مقصورة على السلع الكمالية والترفيه كالجواهر والمعادن النفيسة والبخور، كان استهلاكها مقصورا على الطبقة الحاكمة.
والواقع أن كميات الذهب والحلي والنفائس والتحف الخرافية التي أحاط الفراعنة حياتهم وموتهم بها عبر العصور، وكذلك أتباعهم، كانت هي التعبير الوحيد المتاح عن الثروة في عصر ما قبل العـُملة، وعن الرأسمالية قبل عصر رأس المال، واستعراضا ظاهرا للثراء ومظهر القوة المادي، أو هي بعبارة ماركس الموجزة « التعبير الجمالي عن الاكتناز”
وغد نستكمل أركان الطغيان في الدولة الفرعونية كما يراها العلامة المصري الجغرافي الكبير جمال حمدان






