مقالات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

د. محمد الغمري يكتب: لماذا ذهب المصريون إلى قاع الهامور؟

«قاع الهامور» مساحة صغيرة لا تواجه السلطة مباشرة ولا تستسلم لها، بل تبتكر ثغرة جانبية تتحايل بها على القيد من دون الاصطدام به

مشاركة:
حجم الخط:

في الظاهر، «قاع الهامور» مجرد نكتة إنترنت كبيرة

مدينة كرتونية من عالم «سبونج بوب»، صار يقطنها المصريون بأسمائهم ونكاتهم ومؤسساتهم المتخيلة.

لكن السؤال الأهم ليس لماذا ضحكوا، بل: كيف استطاعت نكتة، في أيام، أن تستوعب طاقة جمعية عجزت مؤسسات حقيقية عن استيعابها طوال سنوات؟

د. محمد الغمري يكتب: مملكة الزيف!

ويبقى احتمال مضاد قائمًا بالقوة نفسها:

ربما لم تكن سوى موضة رقمية غذّاها الفضول والملل، وضخّمتها الخوارزميات، بلا عمق سياسي أو اجتماعي يُذكر.

وربما كان البحث عن معنى خلفها فرط تأويل يمارسه المحلل أكثر مما يقصده المستخدم.

وهذا الاحتمال ليس خصمًا للتحليل، بل شرط لنزاهته، فالقراءة الجيدة تبدأ من فرضية تقبل أن تُهزم.

الرقم خادع… لكنه دالّ

بلغ عدد أعضاء المجموعة مليونًا ونصف المليون خلال أسبوعين، ثم اقترب من مليونين.

لكن عضوية رقمية بكلفة شبه صفرية ليست حشدًا في شارع، ولا يجوز التعامل مع الرقم كما لو كان تعبيرًا عن إرادة جمعية متماسكة.

ومع ذلك، فإن تكوّن كتلة بهذا الحجم، في هذا الزمن القصير، يستحق الفهم.

فالداخلون لم يكونوا جماعة متجانسة.

كانت هناك نواة مؤسسة صنعت اللغة والمؤسسات الوهمية، من «النيابة الهامورية» إلى غيرها، ثم كتلة واسعة التحقت بعدوى المشاركة، ثم مشاهير وصفحات تجارية ركبت الموجة بعد اتساعها.

لم يكن المليونان إرادة واحدة، لكنهم التقوا في المكان نفسه: طاقة اجتماعية وجدت طريقها إلى عالم ساخر موازٍ، لا إلى حزب أو نقابة أو مؤسسة من مؤسسات الواقع.

لماذا الآن؟

لا يجوز رد الظاهرة إلى سبب واحد، ولا تحويل التزامن إلى سببية.

لكن اجتماع الضغط المعيشي، ومحدودية مسارات التعبير التقليدية، واتساع المجال الرقمي منخفض الكلفة، يجعل انفجار ظاهرة كهذه أكثر قابلية للفهم.

قد يكون الحدث عابرًا، لكن شروط استقباله ليست بالضرورة عابرة.

«قاع الهامور» مساحة صغيرة لا تواجه السلطة مباشرة ولا تستسلم لها، بل تبتكر ثغرة جانبية تتحايل بها على القيد من دون الاصطدام به.

لم تهدم الجدار؛ بحثت عن ثغرة فيه. وكانت السخرية هي الثغرة.

ثم تغيّر الحجم، فتغيّرت معه طبيعة الظاهرة.

اندفعت الأعداد من مئات الآلاف إلى الملايين، ودخل المشاهير والصفحات التجارية، واشتغلت واحدة من مفارقات الظواهر الجمعية:

الانتشار الذي يمنح الظاهرة قوتها هو نفسه ما يبدّل طبيعتها.

فما تستطيع جماعة صغيرة ضبط لغته وحدوده، لا تستطيع كتلة مليونية الاحتفاظ به على الصورة نفسها.

وهكذا خرج الرمز تدريجيًا من يد مؤسسيه، وصار مادة يعيد كل قادم تشكيلها.

ثم جاء التعليق في 23 أغسطس، والمسار لا يزال يتمدد.

ولا يُعرف مصدر التعليق بيقين، ولذلك ينبغي الفصل بين الواقعة والتفسير:

الواقعة أن المجموعة توقفت في لحظة صعود، أما من أوقفها ولماذا، فمسألة أخرى لا يجوز ملء فراغها بالظنون.

ولهذا أيضًا يبدو الحكم بأن الظاهرة «استهلكت نفسها» سابقًا لأوانه؛ فالسنن تُقرأ من اكتمال المسار، لا من لحظة انقطع عندها.

لماذا هذا الباب تحديدًا؟

طالب أحد النواب بربط الظاهرة بضرورة توسيع المجال العام.

ولا يصلح هذا التصريح، بطبيعة الحال، دليلًا على سبب نشوء الظاهرة، لكنه يكشف أن السؤال تجاوز دائرة المحللين إلى النقاش العام نفسه:

إذا كان المجتمع قادرًا على الاجتماع بهذه السرعة وصناعة لغة ورموز مشتركة، فلماذا وجدت هذه القدرة منفذها في عالم افتراضي أسهل مما وجدته في مؤسسات الواقع؟

حين يضيق مسار، لا تختفي الطاقة بالضرورة؛ قد تغيّر اتجاهها ولغتها.

وهنا تصبح السخرية أكثر من مجرد ضحك، من دون أن تصبح بالضرورة فعلًا سياسيًا.

فالسخرية مراوغة لا مواجهة، وحين ترتفع كلفة القول المباشر، قد يتغير اللسان بدل أن يسود الصمت:

يقول المجتمع بالنكتة ما لا يقوله في بيان، وتترك النكتة لقائلها دائمًا بابًا للإنكار: “إحنا بنهزر”

لكن السخرية تحمل مفارقتها في داخلها.

فقد تحفظ شيئًا من الطاقة الجمعية، لأنها تصنع لغة مشتركة وذاكرة ورموزًا قابلة للاستدعاء؛ وقد تبدد الطاقة نفسها حين تتحول إلى تنفيس يغني عن الفعل.

والفيصل ليس مقدار الضحك، بل ما يبقى بعده.

هل تبقى النواة؟ هل تبقى اللغة؟

هل يمكن استدعاء الرموز بعد انتهاء الموجة؟

أم يتبدد كل شيء بانتهاء الترند؟

الحشد ليس تراكمًا

هنا يقع جوهر المسألة.

ليست كل قدرة على الاجتماع قدرة على الفعل

الاجتماع يصنع الكتلة، أما الفعل فيحتاج إلى وسيط يحوّلها إلى أثر:

مؤسسة تحفظ، وذاكرة تستبقي، وتنظيم يستطيع أن يحمل شيئًا من طاقة اللحظة إلى ما بعدها.
ولهذا قد يكون الحشد هائلًا وعابرًا، بينما يبدأ التراكم صغيرًا لكنه يبقى.

ومن ثم، فالقيمة الحقيقية لـ«قاع الهامور» ليست في عدد من دخلوه، بل فيما إذا كان هذا العدد قد أنتج شيئًا قادرًا على البقاء بعد انحسار الموجة.

وهنا يمكن اختبار الفرضية بدل الاكتفاء بتأويلها.

فإذا استؤنفت المجموعة، ولم تستعد النواة نشاطها ولا لغتها، ولم يتكرر التفاعل إلا بضخ إعلامي خارجي، رجحت فرضية «الفقاعة العابرة».

أما إذا عاد التفاعل ذاتيًا، واستعادت الجماعة رموزها ولغتها من دون دفع خارجي مماثل، اكتسبت فرضية وجود بنية اجتماعية تتجاوز الترند وزنًا أكبر.

ويبقى الاختبار الأعمق مؤجلًا: هل يتكرر النمط نفسه في ظواهر أخرى؟

لا نملك الآن ما يكفي للإجابة. ولذلك ينبغي أن يبقى سؤالًا، لا أن يتحول إلى استنتاج.
ما الذي يبقى بعد الضحك؟

الحكم الأدق، إذن، ليس أن «قاع الهامور» انتهى، ولا أنه تحول بالفعل إلى قوة كامنة.

الأدق أن مساره انقطع قبل أن يكتمل اختباره الطبيعي، ولذلك ما زال الباب مفتوحًا أمام التفسيرين.

لكن الظاهرة، حتى في حدودها الأكثر تواضعًا، تكشف مفارقة تستحق التأمل:

حين تضيق الأبواب الجادة، تتسع الأبواب الهزلية، غير أن الأبواب الهزلية، مهما اتسعت، لا تصبح بديلًا دائمًا عن المؤسسات الحقيقية.

فالمشكلة ليست غياب الطاقة الجمعية عند المصريين، بل غياب الوسيط الذي يحفظ منها شيئًا بعد انقضاء اللحظة.

شارك المقال: