عمر صابح يقرأ: كتاب هيكل (حرب الخليج .. أوهام القوة والنصر)
هنا يصل هيكل إلى السؤال الذي يظل مفتوحًا بعد انتهاء المعارك.من الذي انتصر؟

محمد حسنين هيكل (منصات)
في الجزء الأول من قراءة الباحث عمرو صابح كتاب الأستاذ هيكل ( حرب الخليج .. أوهام القوة والنصر) كانت جذور الأزمة العراقية الكويتية.
في الجزء الثاني كانت الكارثة بالغزو العراقي للكويت، ووتوفقنا عند الاجتياح البري لقوات التحالف للكويت، ويبدأ المقال الثالث والأخير.
عمرو صابح يقرأ: كتاب هيكل عن حرب الخليج(2-3) غزو العراق للكويت
عمرو صابح يقرأ كتاب: حرب الخليج أوهام القوة والنصر! (1) مشكلة الكويت والعراق
في 24 فبراير 1991 بدأ الهجوم البري.
وفي 26 فبراير 1991 بدأ الانسحاب العراقي الكبير من الكويت، وبدأت القوات العراقية في الفرار من الكويت، بينما تعرضت أرتالها المنسحبة لهجمات عنيفة من قوات التحالف.
وفي 27 فبراير 1991 دخلت قوات التحالف مدينة الكويت، وأُعلن تحرير الكويت.
وفي 28 فبراير 1991 أعلن الرئيس جورج بوش الأب وقف العمليات العسكرية، ودخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لتنتهي العمليات الرئيسية لحرب تحرير الكويت.
ومن أكثر حسابات صدام حسين إثارة للجدل في إدارة الأزمة، محاولته نقل الصراع من قضية احتلال الكويت إلى القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل.
كان صدام يبحث عن وسيلة لتفكيك التحالف الدولي والعربي الذي تشكّل ضده، وإعادة تقديم نفسه أمام الرأي العام العربي باعتباره القائد الذي يواجه إسرائيل.
ولذلك، عندما بدأت الحرب في يناير 1991، أطلق العراق صواريخ «سكود» على إسرائيل، في محاولة لاستدراجها إلى الرد العسكري.
كان صدام يدرك أن دخول إسرائيل الحرب بصورة مباشرة يمكن أن يغيّر طبيعة المعركة كلها
فبدلًا من أن تبقى حربًا لتحرير الكويت، كان من الممكن أن تتحول إلى مواجهة عربية-إسرائيلية، وهو ما قد يضعف تماسك التحالف ويحرج الدول العربية المشاركة فيه، وفي مقدمتها مصر وسوريا والسعودية.
كما حاول صدام استثمار المشاعر العربية تجاه القضية الفلسطينية، وربطها بمعركته، في محاولة لإقناع الشارع العربي بأن الحرب لم تعد حربًا على الكويت، وإنما مواجهة مع إسرائيل ومن يقف وراءها.
لكن إسرائيل امتنعت عن الرد، رغم سقوط الصواريخ العراقية على تل أبيب.
ولم يكن هذا الصمت مجرد قرار عسكري، بل جاء في إطار تفاهم أمريكي ـ إسرائيلي أوسع
إذ عمل الرئيس جورج بوش على إقناع القيادة الإسرائيلية بعدم الرد، مؤكدًا أن ضبط النفس الإسرائيلي لن يذهب هدرًا.
وأن الولايات المتحدة ستدفع بعد انتهاء الحرب نحو تسوية سياسية جديدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك معالجة الصراع العربي ـ الإسرائيلي والقضية الفلسطينية.
لذا فضّلت الحكومة الإسرائيلية تحمل الضربات العراقية، وعدم منح صدام الفرصة التي كان يبحث عنها لتوسيع الحرب وتحويلها إلى مواجهة عربية ـ إسرائيلية.
كانت حرب الخليج الثانية أكبر بكثير من مجرد تحرير الكويت.
لقد كانت عملية لتحطيم القوة العراقية التي كانت قد أصبحت واحدة من أكبر القوى العسكرية في العالم العربي.
فالجيش العراقي لم يُجبر فقط على الانسحاب.
لقد تعرض لتدمير واسع في الدبابات والمدرعات والمدفعية والطائرات ومراكز القيادة والاتصالات ومخازن الذخيرة ومنشآت الإمداد.
والأهم أن العراق فقد القدرة على استخدام القوة العسكرية التي بناها خلال سنوات الحرب مع إيران كأداة لفرض إرادته الإقليمية.
لذا لم تكن الحرب، في نتائجها، مجرد إخراج الجيش العراقي من الكويت.
لقد أعادت رسم ميزان القوى في الخليج.
ولكن لماذا لم يدخل الأمريكيون بغداد؟
هذا أحد أهم الأسئلة التي يثيرها الكتاب.
إذا كانت القوات الأمريكية وحلفاؤها قد استطاعت تحطيم الجيش العراقي بهذه السرعة، فلماذا توقفت؟
لماذا لم تدخل بغداد؟
لماذا تركت صدام حسين في السلطة؟
الإجابة تكمن في طبيعة الهدف الأمريكي من الحرب في ذلك الوقت.
كان الهدف تحرير الكويت وتحطيم القدرة العسكرية العراقية، وتدمير مقدرات الدولة العراقية، وليس احتلال العراق وإسقاط نظامه، بل ترك هذا النظام كفزاعة لتهديد دول الخليج العربي واستنزافها ماديًا.
خرج العراق من الحرب ضعيفًا ومحاصرًا
والولايات المتحدة خرجت منها أقوى نفوذًا في الخليج
ودول الخليج أصبحت أكثر اعتمادًا على الحماية الأمريكية.
وكان العالم نفسه يتغير.
الاتحاد السوفيتي كان ينهار.
الحرب الباردة كانت تقترب من نهايتها.
والولايات المتحدة أصبحت القوة العظمى الوحيدة.
وفي الشرق الأوسط، بدا أن ميزان القوى قد تغير بدوره.
ومن هنا جاءت الخطوة التالية:
السلام.
بعد الحرب، بدأ وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر جولة دبلوماسية واسعة في المنطقة، والتقى الأطراف العربية والإسرائيلية، وحاول استثمار اللحظة الجديدة التي أوجدتها حرب الخليج.
وكانت واشنطن تدرك أن الحرب خلقت وضعًا سياسيًا جديدًا لا ينبغي أن يضيع.
وفي 6 مارس 1991 ألقى الرئيس جورج بوش الأب خطابًا أمام الكونجرس أعلن فيه رؤيته لما بعد حرب الخليج، وتحدث عن نظام جديد في الشرق الأوسط وعن ضرورة الدفع نحو تسوية عربية إسرائيلية.
وهنا جاءت فكرة مؤتمر مدريد للسلام.
في 30 أكتوبر 1991 انعقد مؤتمر مدريد للسلام برعاية أمريكية سوفيتية مشتركة، وشاركت سوريا في المفاوضات بعد انضمامها للتحالف ضد العراق.
ودخل الأردن بوفد أردني فلسطيني مشترك، بينما شاركت إسرائيل والفلسطينيون في إطار تفاوضي دولي غير مسبوق.
ومن مدريد انطلقت مفاوضات ثنائية ومتعددة الأطراف شملت المسارات السورية واللبنانية والأردنية الفلسطينية، وأصبحت عملية السلام جزءًا من النظام الإقليمي الجديد.
هنا يصل هيكل إلى السؤال الذي يظل مفتوحًا بعد انتهاء المعارك.
من الذي انتصر؟
عسكريًا، كان انتصار التحالف ساحقًا.
تحررت الكويت.
وانسحب الجيش العراقي.
ودُمرت قوة العراق العسكرية.
وأثبتت الولايات المتحدة تفوقها العسكري وقدرتها على قيادة النظام الدولي الجديد.
لكن إذا انتقلنا من ميدان المعركة إلى ميدان السياسة، يصبح السؤال أكثر تعقيدًا.
فصدام بقي في السلطة.
والعراق لم يستقر.
والعقوبات على العراق استمرت.
والوجود الأمريكي في الخليج أصبح أكثر رسوخًا.
ومن هنا تبدو المفارقة التي يمنحها هيكل عنوان كتابه:
القوة التي ظن صدام حسين أنها تكفي لفرض النصر لم تكفه للحفاظ على الكويت، والنصر العسكري الذي حققته الولايات المتحدة لم يكن كافيًا وحده لصناعة نظام مستقر في الشرق الأوسط.
ولهذا فإن حرب الخليج، في قراءة هيكل، لم تكن نهاية أزمة، وإنما كانت بداية عصر جديد من الأزمات في المنطقة.






