من كولومبيا إلى الفاشر.. ماذا كشف المرتزقة عن حرب السودان؟
بحسب تحقيق فايننشال تايمز، جرى تجنيد نحو ألفي مقاتل كولومبي ونقلهم إلى السودان عبر شبكة من قواعد ومطارات في المنطقة، مع تلقي بعضهم تدريبات في الإمارات.

فايننشال تايمز: مرتزقة كولومبيون دخلوا السودان عبر ترتيبات إماراتية وشاركوا في معارك الفاشر
كشفت صحيفة فايننشال تايمز، في تحقيق موسع، أن نحو ألفي مقاتل كولومبي وصلوا إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع، ضمن عملية تقول الصحيفة إنها ارتبطت بشركة أمنية مقرها الإمارات.
وبحسب التحقيق، شارك مقاتلون سابقون في القوات الخاصة الكولومبية وفي نزاعات أمريكا الجنوبية في العمليات داخل السودان، فيما قال عدد منهم إنهم تلقوا تدريبات عسكرية في الإمارات، قبل نقلهم إلى مناطق الصراع.
ويأتي ذلك في وقت تدخل فيه الحرب السودانية عامها الرابع، بعدما تحولت إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
السودان في عام الحرب الرابع بين انقسام الأرض ودبلوماسية المسارات
مرتزقة من كولومبيا إلى ساحات القتال
أجرت فايننشال تايمز مقابلات مع لويس وستة مقاتلين كولومبيين آخرين، قدموا، بحسب الصحيفة، تفاصيل عن عمليات التجنيد والتدريب والنقل إلى السودان.
وقال هؤلاء إن عملية التجنيد بدأت في كولومبيا خلال عام 2024، وإن عروض العمل وصلت إليهم عبر تطبيق واتساب ومن خلال شبكات من العسكريين السابقين.
وتحدث المقاتلون عن تشكيل وحدات كولومبية للعمل داخل السودان، بعضها شارك في القتال، بينما تولت وحدات أخرى مهام الإمداد والتدريب.
أبوظبي تحت المجهر بين الغموض الصحي واعادة التموضع السياسي
شركة أمنية إماراتية في قلب التحقيق
وبحسب التحقيق، قال المقاتلون إن شركة مجموعة الخدمات الأمنية العالمية (GSSG) تعاقدت معهم للعمل في السودان.
وتتخذ الشركة من الإمارات مقرًا لها، ويديرها جنوب أفريقيون، بينما يقول التحقيق إن لها صلات بالسلطات الإماراتية.
وتصف الشركة نفسها بأنها شركة أمنية خاصة مستقلة، كما لم تستجب لطلبات الصحيفة للتعليق على ما ورد في التحقيق.
في المقابل، نفت الإمارات مرارًا دعم قوات الدعم السريع أو المشاركة في تجنيد مرتزقة منذ اندلاع الحرب.
تدريبات عسكرية في الإمارات
تقول الصحيفة إن بعض المقاتلين الكولومبيين تلقوا تدريبات في الإمارات بين يناير/كانون الثاني وأكتوبر/تشرين الأول 2025.
وشملت التدريبات، بحسب شهادات المقاتلين، استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة المضادة للطائرات.
كما تحدث أحد المقاتلين عن تدريبات في قاعدة بمنطقة غياثي في أبوظبي.
وتقول الصحيفة إن روايات المقاتلين دعمتها بيانات تتبع للهواتف، إضافة إلى صور ومقاطع فيديو وسجلات سفر ومصادر أخرى استخدمها التحقيق للتحقق من بعض التفاصيل.
ونقلت فايننشال تايمز عن جاستن لينش، رئيس مجموعة Conflict Insights Group، قوله إن الأدلة الرقمية تربط مواقع تدريب في الإمارات بتحركات مقاتلين إلى مناطق الصراع في السودان.
بوصاصو.. محطة رئيسية في طريق المقاتلين
برزت مدينة بوصاصو في شمال الصومال باعتبارها محطة مهمة في شبكة النقل والإمداد التي تحدث عنها التحقيق.
وبحسب شهادات مقاتلين، استُخدمت قاعدة مرتبطة بالإمارات في بوصاصو لتدريب ونقل عناصر إلى السودان.
كما تحدث أحد المقاتلين عن وجود مقاتلين من جنسيات مختلفة في القاعدة، بينهم أفارقة وأمريكيون لاتينيون.
وقال مقاتلون إن القاعدة استخدمت كذلك لنقل المصابين وتقديم الرعاية الطبية لهم.
كما ذكر أحدهم أن جثامين بعض المقاتلين القتلى بقيت في منشآت تبريد في بوصاصو لفترات طويلة.
ثلاث كتائب ومئات المقاتلين
وفق روايات المقاتلين التي نقلتها الصحيفة، جرى تنظيم القوة الكولومبية في ثلاث كتائب.
ووصف أحدهم الكتيبة الأولى بأنها وصلت إلى السودان في أكتوبر/تشرين الأول 2024 للمساعدة في إنشاء موطئ قدم للإمدادات.
أما الكتيبة الثانية، فنُقلت عبر بوصاصو إلى السودان، بينما شاركت الكتيبة الثالثة في العمليات المرتبطة بالسيطرة على الفاشر.
وقال أحد المقاتلين إن كل كتيبة ضمت مئات العناصر، مع تقسيمها إلى سرايا وفصائل يقودها ضباط ومشرفون.
رواتب تصل إلى آلاف الدولارات
تحدث المقاتلون أيضًا عن المقابل المالي الذي حصلوا عليه.
وبحسب لويس، كان المقاتل يتقاضى نحو 2600 دولار شهريًا، بينما وصلت رواتب المشرفين إلى 2800 دولار، والضباط إلى 3500 دولار.
وتعكس هذه الأرقام، بحسب التحقيق، حجم الحوافز المالية التي دفعت بعض العسكريين السابقين في كولومبيا إلى الانضمام إلى العمليات في السودان.
الفاشر في قلب التحقيق
تحتل مدينة الفاشر موقعًا رئيسيًا في التحقيق، خصوصًا بعد سقوطها بيد قوات الدعم السريع عقب حصار استمر نحو 18 شهرًا.
وتحدث التحقيق عن مشاهد واسعة للقتل والدمار في المدينة، كما أشار إلى تقارير حقوقية وأممية عن ارتكاب فظائع واسعة النطاق.
ونقلت الصحيفة شهادات عن مقاتلين قالوا إنهم شاهدوا آثار القتال والدمار بعد وصولهم إلى المدينة.
وقال أحدهم إن حجم الموت والدمار الذي شاهده في الفاشر كان مختلفًا عن تجاربه السابقة في مناطق الصراع.
هل شارك الكولومبيون في الانتهاكات؟
هذه النقطة تمثل أحد أكثر جوانب التحقيق حساسية.
وقال عدد من المقاتلين الذين تحدثت إليهم الصحيفة إنهم لم يشاركوا في قتل المدنيين أو الجرائم المنسوبة إلى قوات الدعم السريع.
كما قال لويس إنه وصل إلى الفاشر بعد انتهاء القتال، ونفى مشاركة الكولومبيين الذين يعرفهم في عمليات قتل المدنيين.
لكن التحقيق أشار في الوقت نفسه إلى شهادة ناجٍ من الفاشر تحدث عن وجود رجال بيض أثناء إعدام مدنيين.
وتقول الصحيفة إن هذه الشهادة لا تثبت وحدها هوية هؤلاء الأشخاص أو مسؤوليتهم عن الجرائم، لكنها تفتح تساؤلات حول وجود مقاتلين أجانب في محيط الأحداث.
أدلة رقمية تتبع حركة المقاتلين
استخدمت Conflict Insights Group، وفق التحقيق، تقنيات تجارية لتتبع أجهزة اتصال مرتبطة بالمناطق التي تحرك فيها المقاتلون.
وأظهر التحليل، بحسب الصحيفة، تحركات بين الإمارات ومراكز دعم في ليبيا والصومال والسودان.
كما رصدت المجموعة أجهزة تستخدم اللغة الإسبانية في مناطق مرتبطة بالبنية العسكرية والأمنية التي تحدث عنها التحقيق.
وقالت الصحيفة إن هذه البيانات قدمت دعمًا لبعض روايات المقاتلين بشأن طرق السفر ومواقع الانتشار.
الإمارات تنفي دعم قوات الدعم السريع
في المقابل، تنفي الإمارات تقديم الدعم لقوات الدعم السريع أو المشاركة في تجنيد المرتزقة.
وتشير الصحيفة إلى أن أبوظبي ترتبط بعلاقات طويلة الأمد مع قوات الدعم السريع، بينما تنفي الحكومة الإماراتية الاتهامات المتعلقة بتقديم دعم عسكري مباشر لها.
ويظل دور الإمارات أحد الملفات الأكثر إثارة للجدل في الحرب السودانية، في ظل اتهامات متكررة من جهات مختلفة بشأن دعم أحد طرفي الصراع.
حرب السودان تجذب مقاتلين من الخارج
لم يقتصر حضور المقاتلين الأجانب في السودان على الكولومبيين.
فمنذ اندلاع الحرب، تحدثت تقارير عن مقاتلين ومرتزقة قدموا من ليبيا وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا ودول أخرى.
كما أشارت تقارير إلى وجود عناصر مرتبطة بشبكات روسية ومقاتلين أجانب يعملون في تشغيل الطائرات المسيّرة.
لكن فايننشال تايمز تصف العملية الكولومبية بأنها واحدة من أكبر عمليات التجنيد والتنظيم التي وصلت إلى ساحات القتال السودانية.
حرب تتجاوز حدود السودان
اندلاع الحرب في السودان أدى إلى نزوح واسع النطاق، فيما استقطب الصراع قوى إقليمية ودولية.
وبحسب النص الذي نشرته الصحيفة، نزح نحو 15 مليون شخص بسبب القتال والمجاعة المرتبطة به، بينما قدرت الولايات المتحدة عدد القتلى خلال السنة الأولى من الحرب بنحو 150 ألف شخص.
ومع دخول الحرب عامها الرابع، أصبحت تقديرات الضحايا أكثر صعوبة بسبب اتساع رقعة القتال وتدهور القدرة على الوصول إلى المناطق المتضررة.
مرتزقة أجانب يغيرون طبيعة الحرب
يرى خبراء نقلت عنهم الصحيفة أن دخول مقاتلين ذوي خبرة عسكرية إلى الصراع السوداني يزيد من تعقيد الحرب.
ونقلت عن عماد الدين بادي، معد تقرير للمبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، أن استقدام مقاتلين أجانب ذوي خبرة يمثل تصعيدًا خطيرًا.
وبحسب تقييمه، فإن هذا التطور لا يوسع الحرب داخل السودان فقط، بل قد يساهم أيضًا في انتشار الأسلحة وتطور شبكات المرتزقة في المنطقة.
وهكذا، تكشف قصة المقاتلين الكولومبيين عن بُعد جديد للحرب السودانية؛ فالصراع لم يعد يعتمد فقط على القوى المحلية، بل أصبح يجذب شبكات مقاتلين وموارد عسكرية تمتد عبر عدة دول.
رابط المقال المختصر:





