كاتب وكتاب
عمرو صابح
عمرو صابح

كاتب وباحث

عمرو صابح يقرأ كتاب: حرب الخليج أوهام القوة والنصر! (1) مشكلة الكويت والعراق

لفهم العراق الذي دخل الكويت سنة 1990، لا بد من العودة إلى حرب أخرى سبقت ذلك بعقد كامل.

مشاركة:
حجم الخط:

 

صدر كتاب الأستاذ محمد حسنين هيكل «حرب الخليج.. أوهام القوة والنصر» في عام 1992 عن مركز الأهرام للترجمة والنشر بالقاهرة، في نحو 635 صفحة، ولكنه لم يكن مجرد كتاب عن الغزو العراقي للكويت، ولا مجرد رصد لأحداث «عاصفة الصحراء» وإنما كان محاولة لقراءة لحظة تاريخية شديدة التعقيد، تزامنت فيها حرب الخليج مع انهيار الاتحاد السوفيتي، وانتهاء الحرب الباردة، وصعود الولايات المتحدة إلى موقع القوة العظمى الوحيدة في العالم.

لذا فإن قراءة الكتاب لا تبدأ في 2 أغسطس 1990، يوم دخل الجيش العراقي الكويت

وإنما تبدأ من أبعد من ذلك بكثير؛ من تاريخ الكويت، ومن علاقتها بالدولة العثمانية، ومن النزاع العراقي القديم حولها، ثم من الحرب العراقية الإيرانية، والنفط والديون، ومجلس التعاون العربي، وقمة بغداد، وصولًا إلى اللحظة التي تحولت فيها أزمة عربية إلى حرب دولية، ثم إلى إعادة تشكيل كاملة للشرق الأوسط.

كانت الكويت تقع داخل الكيان السياسي للدولة العثمانية، كما ارتبطت جغرافيًا وتاريخيًا وإداريًا وسياسيًا بولاية البصرة العراقية.
وتبلور كيان الكويت السياسي في القرن الثامن عشر حول أسرة الصباح.

وازدهرت الكويت باعتبارها ميناءً تجاريًا ومركزًا للنقل البحري وصناعة السفن واستخراج اللؤلؤ والتجارة مع الهند وشرق إفريقيا.

في 23 يناير 1899 عقد الشيخ مبارك الصباح اتفاقًا مع بريطانيا، أصبحت الكويت بموجبه تحت الحماية البريطانية في سياستها الخارجية، مع استمرار الحكم الداخلي لأسرة الصباح.

وقد استندت المطالبات العراقية بالكويت إلى القول إن الكويت كانت تاريخيًا وقانونيًا مرتبطة بولاية البصرة، وإن بريطانيا فصلتها عن العراق بعد الحرب العالمية الأولى.

ثم جاءت الحرب العالمية الأولى وما بعدها لتزيد من تعقيد مسألة الحدود بين العراق والكويت.

وبعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة 1921، ظلت قضية الكويت حاضرة في السياسة العراقية، ثم أصبحت المطالبة بها أكثر وضوحًا في عهد الملك غازي الأول، وشهدت تلك الفترة حملات إعلامية وسياسية عراقية تدعو إلى ضم الكويت.

وفي أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين، اكتُشف النفط في الكويت بكميات كبيرة، فأصبحت الإمارة أكثر أهمية اقتصاديًا واستراتيجيًا.

لكن النفط لم يصنع المطالبة العراقية بالكويت؛ فالمطالبة كانت موجودة قبل اكتشافه، وإن كان النفط قد جعل الكويت أكثر قيمة وأهمية في الحسابات الإقليمية.

عمرو صابح يكتب: محمد جلال كشك من اليسار إلى الريال

وجاءت اللحظة الحاسمة في 19 يونيو 1961

عندما أعلنت الكويت استقلالها عن بريطانيا، وألغت اتفاقية الحماية الموقعة معها عام 1899، لتصبح دولة عربية مستقلة ذات سيادة.

لكن الاستقلال لم يكد يُعلن حتى فجّر رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم أزمة خطيرة؛ ففي 25 يونيو 1961 أعلن أن الكويت جزء من العراق، وطالب بضمها إلى بلاده، مستندًا إلى أن الكويت تشكل جزءًا من ولاية البصرة العراقية.

ومع تصاعد تهديدات قاسم، وجدت الكويت نفسها أمام خطر حقيقي على استقلالها، وطلبت في 30 يونيو 1961 المساعدة العسكرية البريطانية، فدخلت القوات البريطانية الكويت في 1 يوليو لحمايتها من التهديد العراقي.

وفي خضم الأزمة، بعث أمير الكويت الشيخ عبد الله السالم الصباح برسالة إلى الرئيس عبد الناصر، مؤرخة في 9 يوليو 1961، حمل الرسالة إلى القاهرة الشيخ جابر الأحمد الصباح، الذي كان يرأس وفدًا كويتيًا إلى عدد من الدول العربية، وتسلم عبد الناصر الرسالة في 12 يوليو 1961.

وكانت الرسالة بمثابة طلب مباشر للدعم والتعاون المصري في مواجهة أزمة الكويت.

فقد عرض أمير الكويت على عبد الناصر تطورات الموقف، وتصريحات عبد الكريم قاسم ومطالبته بضم الكويت، وأوضح أن هذه التطورات دفعت الكويت إلى التحرك على المستويين العربي والدولي، من أجل حماية استقلال الكويت.

قرر عبد الناصر طرح حل عربي يقوم على حماية استقلال الكويت بقوة عربية، بدلًا من القوات البريطانية، بحيث تظل الكويت دولة مستقلة، ولا تُضم إلى العراق، وفي الوقت نفسه لا تعود إلى نظام الحماية البريطانية.

وفي 20 يوليو 1961 قررت جامعة الدول العربية دعم استقلال الكويت وقبول عضويتها، مع العمل على استبدال القوات البريطانية بقوات عربية.

وفي 10 سبتمبر 1961 بدأت القوات العربية التابعة لجامعة الدول العربية في الوصول إلى الكويت، بمشاركة قوات من مصر والسعودية والسودان والأردن وتونس، لتتولى مهمة حماية الكويت بدلًا من القوات البريطانية.

وبدأ الانسحاب البريطاني في 19 سبتمبر، ثم اكتمل خروج جميع القوات البريطانية من الكويت في 19 أكتوبر 1961، لتصبح القوات العربية هي القوة الموجودة على الأرض لحماية استقلال الكويت وسيادتها.

وبذلك انتهت أزمة عام 1961 دون حرب، لكن عبد الكريم قاسم ظل متمسكًا بمطالبته بالكويت ورافضًا الاعتراف باستقلالها.
وبعد سقوط نظام قاسم في فبراير 1963، تغير الموقف العراقي.

وفي 14 مايو 1963 انضمت الكويت إلى الأمم المتحدة كدولة مستقلة ذات سيادة.

ثم جاءت الخطوة الحاسمة في 4 أكتوبر 1963؛ في عهد الرئيس العراقي عبد السلام محمد عارف، ورئاسة أحمد حسن البكر للحكومة، اعترفت الجمهورية العراقية رسميًا باستقلال دولة الكويت وسيادتها الكاملة، بموجب اتفاق وُقّع في بغداد بين البلدين، وأُقيمت العلاقات الدبلوماسية بينهما.

هذا الموقف سيكتسب أهمية خاصة بعد ثلاثة عقود، عندما عادت الكويت مرة أخرى إلى قلب أزمة عربية كبرى.

لكن لفهم العراق الذي دخل الكويت سنة 1990، لا بد من العودة إلى حرب أخرى سبقت ذلك بعقد كامل.

في 22 سبتمبر 1980 اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، بعد سعي الخميني إلى تصدير الثورة الإسلامية إلى العراق، ورغبة صدام حسين في نسف اتفاقية شط العرب.

استمرت الحرب ثماني سنوات، حتى انتهت بقبول إيران وقف إطلاق النار في أغسطس 1988.

كانت تلك الحرب واحدة من أطول وأكثر حروب القرن العشرين دموية، وقد استنزفت البلدين، لكنها تركت العراق في وضع صعب.
فالعراق خرج منها بجيش ضخم وخبرة قتالية واسعة، لكنه خرج أيضًا بديون هائلة واقتصاد مرهق وبنية تحتية تحتاج إلى إعادة إعمار.
وكان صدام حسين ينظر إلى نفسه باعتباره قد خاض حربًا لمصلحة العالم العربي والخليج في مواجهة إيران الثورة.

وخلال الحرب، قدمت دول الخليج، وفي مقدمتها الكويت والسعودية، دعمًا ماليًا كبيرًا للعراق.

لذا نشأت لدى صدام حسين قناعة بأن دول الخليج مدينة للعراق سياسيًا وماليًا، وأن العراق تحمل عبء الحرب في مواجهة إيران.

لكن هذه العلاقة انقلبت بعد انتهاء الحرب.

فالعراق الذي كان ينتظر المساعدة في إعادة بناء اقتصاده وجد نفسه أمام ديون ضخمة، بينما كانت دول الخليج تريد العودة إلى الاستقرار وتقليص الإنفاق.

وبدأ الخلاف يتسع بين العراق والكويت حول الديون، وحول الحدود، وحول الإنتاج النفطي.

وكان حقل الرميلة أحد محاور التوتر، إذ اتهم العراق الكويت بإنتاج النفط من الجزء الجنوبي من الحقل بطريقة اعتبرها سرقة للنفط العراقي.

كما طالب العراق بمميزات تتعلق بالجزر الكويتية بوبيان ووربة.

في المقال الثاني ننعرف لماذ تحولت المطالبة إلى احتلال وحرب 

 

شارك المقال: