معتز منصور يكتب: تحالف مكة لمن؟
الاتفاق الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة يوم 7 أغسطس 2026 ليس بيانًا سياسيًا للاستهلاك الإعلامي، وليس في المقابل نسخة مكتملة من حلف الناتو تنتظر فقط تحديد أول عدو

صورة من مراسم توقيع اتفاق مكة (منصات)
من السهل جدًا أن نقرأ ما جرى في مكة باعتباره ولادة حلف سني في مواجهة إيران، ومن السهل بالقدر نفسه أن نقرأ تصريحات هاكان فيدان اللاحقة باعتبارها تراجعًا تركيًا عن الاتفاق. لكن القراءتين، في تقديري، تنطلقان من النتيجة قبل أن تسألا عن وظيفة الاتفاق وحدوده. اتفاق مكة ليس بالضرورة حلف حرب ضد إيران، وتصريحات تركيا لا تعني أنها خرجت منه. ما تقوله أنقرة، في الحقيقة، أكثر دقة من ذلك: تركيا تريد أن تدخل الترتيب الأمني الجديد، لكنها لا تريد أن تدخل معه في التزام مفتوح تجاه خصوم الآخرين. وهذا الفارق هو مفتاح فهم الاتفاق كله.
الاتفاق الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة يوم 7 أغسطس 2026 ليس بيانًا سياسيًا للاستهلاك الإعلامي، وليس في المقابل نسخة مكتملة من حلف الناتو تنتظر فقط تحديد أول عدو. النص المعلن يضع قاعدة واضحة للدفاع المشترك، مفادها أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا، إلى جانب تعزيز التعاون الدفاعي والتنسيق الأمني، مع التأكيد على أن الاتفاق لا يلغي الاتفاقات الثنائية أو متعددة الأطراف القائمة. كما تحدثت تركيا عن اجتماعات دورية بين وزراء الخارجية والدفاع، وإنشاء أمانة دائمة للاتفاق. لذلك فإن التقليل من شأن الاتفاق باعتباره «ولد ميتًا» لا يبدو أكثر دقة من تصويره باعتباره «ناتو سنيًا» جديدًا.
والتصحيح هنا مهم أيضًا: الاتفاق لم يكن ثمرة مفاوضات استمرت ثلاث سنوات كما يقال أحيانًا. المؤشرات التي سبقت توقيعه تتحدث عن مفاوضات استمرت نحو عام، وفي يناير 2026 كانت أنقرة لا تزال تتحدث عن احتمال إبرام اتفاق، بينما كانت مسودة الاتفاق الثلاثي قد أُنجزت وكانت الدول الثلاث تجري مداولاتها الداخلية بشأنها. أي أننا أمام مسار تفاوضي طويل نسبيًا قياسًا باتفاق أمني، لكنه ليس ثلاث سنوات. وهذه التفاصيل ليست هامشية، لأن فهم طبيعة الاتفاق يبدأ من فهم أنه لم يظهر فجأة في مكة، بل جاء كتطور لعملية إعادة ترتيب أمني كانت قد بدأت قبل ذلك، خصوصًا بعد الاتفاق السعودي الباكستاني للدفاع المشترك في سبتمبر 2025.
لكن هنا تبدأ القصة الحقيقية. السعودية تريد مظلة أمنية أوسع، وهذا مفهوم في منطقة تغيرت فيها قواعد الأمن التقليدية، وأصبحت المنشآت الحيوية والممرات البحرية والبنية التحتية للطاقة جزءًا من معادلة الحرب والردع. الرياض لا تتخلى عن علاقتها بالولايات المتحدة، لكنها تعمل في الوقت نفسه على تقليل اعتماد أمنها على طرف واحد، وبناء شبكة من الشراكات التي تمنحها بدائل إضافية عندما تتغير حسابات واشنطن أو تتسع كلفة الاعتماد عليها. ولهذا فإن إدخال تركيا وباكستان إلى المعادلة لا ينبغي قراءته فقط باعتباره بحثًا عن قوات إضافية، بل باعتباره محاولة لبناء تعدد في مصادر القوة والردع.
تركيا، في المقابل، تريد أن تكون جزءًا من صياغة النظام الأمني الجديد، لكنها لا تريد أن تتحول إلى طرف في حرب مع إيران لمجرد أن الاتفاق يجمعها بالسعودية وباكستان. وهذا ما كشفته تصريحات هاكان فيدان بعد التوقيع، حين قال إن الاتفاق ليس موجهًا إلى إيران أو إلى أي دولة بعينها، وإن تحديد العدو لا يحدث إلا إذا تعرض أحد الأطراف لتهديد مباشر. بل إن فيدان ذهب أبعد من ذلك حين أشار إلى إمكانية انضمام دول أخرى، من بينها مصر، وهو ما يكشف أن أنقرة ترى الاتفاق كإطار أمني قابل للتوسع، لا كجبهة مغلقة ذات هوية مذهبية محددة.
ثلاث دول إذن، وثلاثة حسابات، واتفاق واحد. السعودية تريد الردع وتقليل هشاشة أمنها، تركيا تريد النفوذ ومساحة الحركة، وباكستان تريد تثبيت شراكتها الاستراتيجية مع الرياض من دون أن تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع إيران. ولهذا فإن وصف الاتفاق بأنه «تحالف سني ضد إيران» قد يكون أكثر اختصارًا مما ينبغي، بل ربما يكون مضللًا إذا تحول من وصف للتركيبة الديموغرافية والسياسية للدول الثلاث إلى تعريف لوظيفة الاتفاق. فالدول لا تدخل التحالفات لأنها تنتمي إلى المذهب نفسه، وإنما لأنها ترى في التحالف خدمة لمصالحها، أو تقليلًا لمخاطرها، أو زيادة في قدرتها على الردع.
ومن هنا يصبح موقف فيدان أكثر أهمية من السخرية منه باعتباره «تراجعًا» أو «لحسًا للتصريحات». هو لا يهدم الاتفاق، بل يضع له حدودًا سياسية. تركيا تقول بوضوح إنها مستعدة للدفاع المشترك والتنسيق وبناء قدرة ردع، لكنها ليست مستعدة لأن تمنح أي طرف شيكًا مفتوحًا للدخول في حرب يحدد هو توقيتها وخصمها وسقفها. وهذا ليس جديدًا في السلوك التركي. أنقرة بنت خلال السنوات الماضية شبكة علاقات تسمح لها بأن تكون قريبة من السعودية من دون أن تقطع علاقتها بإيران، وعضوًا في حلف الناتو من دون أن تتبنى تلقائيًا كل خيارات واشنطن، وشريكًا لروسيا في بعض الملفات من دون أن تتحول إلى حليف روسي. قد نختلف مع السياسة التركية، وقد نصفها بالبراغماتية المفرطة، لكن الخطأ هو افتراض أنها تتحرك بمنطق المحاور الصلبة.
تركيا لا تريد أن تكون جنديًا في محور. تريد أن تكون دولة تقرر أين تقف، ومتى تقف، ولماذا تقف. ولذلك فإن دخولها اتفاق مكة لا يعني أنها سلمت الرياض حق تعريف كل تهديد بوصفه تهديدًا مشتركًا. وفي المقابل، فإن تأكيدها أن الاتفاق دفاعي لا يعني أن الاتفاق بلا قيمة هجومية بالمعنى الاستراتيجي. فالردع نفسه يعيد توزيع حسابات القوة، وكلما ارتفعت قدرة الدول الثلاث على حماية بعضها، ارتفعت كلفة التفكير في استهداف أي منها. وهنا تكمن المفارقة: الاتفاق قد يكون دفاعيًا في صياغته، لكنه يمكن أن ينتج آثارًا استراتيجية تتجاوز الدفاع المباشر.
أما باكستان، فحسابها لا يقل تعقيدًا. فهي تملك وزنًا عسكريًا استثنائيًا، وشراكة طويلة مع السعودية، وعلاقات مهمة مع تركيا، لكنها لا تملك رفاهية الدخول في صراع إقليمي مفتوح مع إيران. ولذلك فإن الصيغة التي تؤكد الطابع الدفاعي للاتفاق تخدم إسلام آباد أيضًا، لأنها تمنحها مكاسب استراتيجية وسياسية من دون أن تضعها تلقائيًا في موقع المواجهة مع طهران. وهذا ما يفسر حرصها على التأكيد أن الاتفاق دفاعي بحت وغير موجه ضد دولة بعينها، مع إبقائه مفتوحًا أمام دول أخرى إذا التزمت بمبادئه.
وهنا تحديدًا يصبح السؤال الحقيقي: لمن تحالف مكة؟ ليس لإيران وحدها، وليس للسعودية وحدها، وليس حتى للدول الثلاث بالمعنى التقليدي. إنه في جوهره محاولة لإعادة توزيع مسؤولية الأمن الإقليمي. السعودية تريد أن تنتقل من الاعتماد على مظلة خارجية واحدة إلى شبكة ردع متعددة الأطراف. تركيا تريد موطئ قدم في هندسة أمن الخليج، وباكستان تريد تحويل علاقتها بالرياض إلى شراكة استراتيجية أكثر اتساعًا. وفي المقابل، تنظر إيران إلى الاتفاق باعتباره تطورًا يجب مراقبته، لا لأن كل ترتيباته موجهة إليها بالضرورة، وإنما لأن تحولًا كهذا في بنية الأمن الإقليمي يمكن أن يصبح مع الوقت أكثر أهمية من صياغته الحالية.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: هل تخلت تركيا عن السعودية؟ الإجابة حتى الآن، لا. لكنها أيضًا لم تمنح السعودية حق تحديد العدو الذي سيقاتله الاتفاق من أجله. وهذه ليست ثغرة صغيرة، بل هي جوهر الاتفاق نفسه. فالقيمة الحقيقية لأي دفاع مشترك لا تظهر يوم التوقيع، وإنما عند لحظة الاختبار، عندما يقع هجوم، ويختلف الحلفاء في تعريف مصدره، أو في حجم الرد المطلوب، أو في حدود الالتزام. هناك فقط سنعرف هل أنتجت مكة نظامًا أمنيًا جديدًا، أم مجرد تفاهم سياسي وعسكري كبير.
أما الآن، فالمشهد يقول شيئًا أكثر أهمية من كل شعارات «الناتو السني» و«التحالف الميت»: السعودية نجحت في جمع ثلاث قوى إقليمية ذات قدرات مختلفة حول قاعدة دفاع مشترك، لكنها لم تحسم بعد مع هذه القوى سؤالًا أهم من الاتفاق نفسه، وهو: ما الذي يعنيه الدفاع المشترك، ومن يملك حق تعريف اللحظة التي يصبح فيها الدفاع واجبًا؟ هنا تحديدًا ستُختبر مكة. ليس أمام الكاميرات، ولا في بيانات القادة، وإنما عند أول تهديد حقيقي، حين يصبح الدفاع قرارًا له كلفة، وتصبح المصالح الوطنية لكل دولة أمام الاختبار. عندها فقط سنعرف لمن كان تحالف مكة، وما إذا كان قد أسس فعلًا لنظام أمني جديد، أم أنه مجرد بداية لصراع أكبر على من يملك حق تعريف أمن المنطقة.






