مريض السكري هل يجب أن يدفع ثمن القرار؟
إن مطالبة المريض بشراء المستورد «على حسابه» قد تبدو جملة بسيطة في النقاش العام، لكنها بالنسبة لمن لا يملك تأمينًا صحيًا تعني عبئًا ماليًا شهريًا حقيقيًا.

صورة تعبيرية للمقال
تصريحات وزير الصحة تفتح ملفًا يستحق مساءلة برلمانية واضحة
حين يصبح الدواء الذي يحفظ استقرار حياة ملايين المواطنين جزءًا من معادلة «المحلي أو المستورد» فلا يعود الأمر مجرد نقاش اقتصادي حول توفير العملة الصعبة.
الأنسولين ليس سلعة كمالية، ومريض السكري ليس بندًا يمكن ترشيد الإنفاق عليه، وأي سياسة تمس توافر هذا العلاج أو حرية الطبيب في اختيار النوع المناسب لمريضه يجب أن تسبقها أرقام معلنة وضمانات واضحة، لا رسائل عامة تطلب من المريض أن يتحمل وحده تكلفة اختياره.
وأكتب هذا ليس كمراقب من الخارج، فأنا مريض سكري من النوع الثاني ولا أخضع لأي مظلة تأمينية، ومن ثم فإنني واحد ممن سيتحملون بصورة مباشرة العبء المالي والصحي لأي توجه يؤدي إلى تضييق الاختيارات العلاجية أو تحميل المريض تكلفة الحصول على المستحضر الذي استقر عليه علاجه.
د. محمد فؤاد يكتب: رحلة إلى الضوء وامتنان لا يزول
ولماذا أثارت التصريحات القلق؟
قال وزير الصحة والسكان الدكتور خالد عبدالغفار إن مصر لديها أربع جهات منتجة للأنسولين، وإنه لا يرى منطقًا في استيراد منتج أجنبي مع وجود بدائل محلية، مستخدمًا عبارة أثارت جدلًا واسعًا مفادها أن من يريد المستورد يمكنه شراؤه على حسابه من الصيدلية.
وفي توضيحات لاحقة، أكد الوزير أن الأنسولين المحلي متوافر ويغطي احتياجات السوق وأن النقص، عندما يحدث، قد يتعلق باسم تجاري بعينه وليس بغياب العلاج نفسه.
هذا التوضيح مهم، لكنه لا يغلق باب الأسئلة.
لأن القضية ليست وجود «مادة فعالة» فقط، وإنما ما الأصناف التي سيجري تقليص استيرادها؟
وما البدائل المحددة؟ وهل يكفي إنتاجها لتغطية الطلب بصورة مستدامة؟
وما البروتوكول الطبي للتحويل بين المستحضرات؟
القضية أكبر من خلاف على اسم تجاري
بحسب أحدث بيانات الاتحاد الدولي للسكري IDF الخاصة بمصر لعام 2024، يبلغ عدد البالغين المصابين بالسكري نحو 13 مليونًا و214 ألفًا و500 شخص، فيما يورد الاتحاد معدل انتشار قدره 22.4% بين البالغين في بياناته الخاصة بمصر.
أما السكري من النوع الأول، فتقديرات أطلس الاتحاد الدولي للسكري تشير إلى وجود نحو 591,776 مصابًا في مصر من جميع الأعمار.
وبالنسبة لهؤلاء، فإن الأنسولين ليس خيارًا علاجيًا من بين خيارات، بل ضرورة أساسية لاستمرار الحياة.
عندما يدفع المريض من جيبه السعر يصبح جزءًا من الحق في العلاج
بالنسبة لي كمريض غير مؤمن عليه، لا تكفي عبارة «البديل متاح». فهناك سؤال ثانٍ لا يقل أهمية: متاح بأي سعر؟
في لقطة لأسعار التجزئة المنشورة في صيدليات مصرية يوم 11 أغسطس 2026، ظهرت عبوة Mixtard 30 Penfill المكونة من خمس خراطيش بسعر 338 جنيهًا، بينما عُرضت عبوة Lantus SoloStar المكونة من خمسة أقلام بسعر 1,244 جنيهًا.
وهذه أسعار تجزئة مرصودة وليست إعلان تسعير رسمي جديدًا من هيئة الدواء، وقد تختلف وفق الصيدلية والتوافر والتحديثات السعرية.
والفاتورة لا تتوقف عند الأنسولين:
هناك شرائط القياس، والتحاليل الدورية، والكشف، وأدوية أخرى قد يحتاج إليها مريض السكري.
لذلك فإن مطالبة المريض بشراء المستورد «على حسابه» قد تبدو جملة بسيطة في النقاش العام، لكنها بالنسبة لمن لا يملك تأمينًا صحيًا تعني عبئًا ماليًا شهريًا حقيقيًا.
التوطين ضرورة.. لكنه ليس تفويضًا مفتوحًا
لا خلاف على أهمية توطين صناعة الدواء. بل إن امتلاك مصر قدرة محلية حقيقية على إنتاج الأنسولين يمثل عنصرًا من عناصر الأمن القومي الصحي، خصوصًا في ظل اضطراب العملات وسلاسل الإمداد.
لكن نجاح التوطين لا يقاس بعدد المصانع وحده. المطلوب معرفة الطاقة الإنتاجية الفعلية، والأصناف التي تنتجها، وحجم المخزون، ونسبة المكونات المستوردة، وقدرة المصانع على استمرار الإنتاج إذا حدثت أزمة في المواد الخام.
ومنظمة الصحة العالمية نفسها تؤكد أهمية توسيع الوصول إلى علاجات السكري، لكن القرار العلاجي لا ينبغي اختزاله في السعر أو بلد المنشأ.
ستة أسئلة أمام البرلمان
لهذا تستوجب القضية مساءلة برلمانية واضحة، لا بهدف مهاجمة الصناعة المحلية، بل لحماية الثقة فيها وحماية المريض معها:
ما أسماء الأنسولين المستورد التي سيجري وقفها أو تقليصها؟ وما البديل المسجل لكل نوع؟ وما الطاقة الإنتاجية والمخزون الاستراتيجي؟ وهل توجد ضمانات مكتوبة لاستمرارية التوريد؟ وما البروتوكول الطبي للتحويل بين المستحضرات؟ وكيف ستُحمى الفئات التي لا يغطيها التأمين من التكلفة الإضافية؟
هذه هي الأسئلة التي يحتاج المريض إلى إجاباتها، لا الشعارات.
حين يقال للمريض إن من يريد مستحضرًا معينًا فليدفع ثمنه بنفسه، فإنني لا أستمع إلى التصريح كخبر صحفي. أنا أحد المخاطَبين به.
أنا مريض سكري من النوع الثاني، خارج المظلة التأمينية، وأدفع تكلفة علاجي ومتابعتي من جيبي. ولذلك لا أرفض الدواء المصري، ولا أدافع عن المستورد لمجرد أنه مستورد. ما أطالب به أبسط من ذلك: ألا تتحول الحسابات الاقتصادية إلى قرار علاجي بالنيابة عن الطبيب والمريض.
توطين الأنسولين إنجاز إذا أدى إلى دواء آمن وفعال ومتوافر ومستدام وبسعر يستطيع المواطن تحمله. أما إذا أصبح المريض هو من يتحمل مخاطر الانتقال أو الانقطاع أو فارق السعر، فهنا تصبح المساءلة واجبة.






