د. فاروق شرف يكتب: مصر… حيث تنبض الحجارة بالحياة (4) قلعة صلاح الدين
من ساحات القلعة تنبسط القاهرة كلها أمام العين؛ بمآذنها وقبابها وأحيائها القديمة، حتى يشعر الإنسان أنه يقف فوق صفحات كتاب مفتوح، عنوانه تاريخ مصر.

صورة خارجية لقلعة (كاميرا)
حصنُ مصر المنيع، وعاصمةُ الحكم عبر القرون
هناك أماكن تقرأ عنها في كتب التاريخ، وهناك أماكن تقف فيها فتشعر أن التاريخ هو الذي يقرأك. ومن بين هذه الأماكن الشامخة.
تقف قلعة صلاح الدين الأيوبي فوق جبل المقطم، كأنها تاجٌ يعلو هامة القاهرة، وحارسٌ لا ينام، يروي للأجيال قصة وطنٍ عرف كيف يحمي أرضه، ويحفظ هويته، ويصنع مجده.
لم تُشيد القلعة لتكون بناءً حجريًا فحسب، بل وُلدت من رحم الحاجة إلى حماية مصر بعد الحملات الصليبية.
وعندما شرع القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي في بنائها سنة 1176م، اختار أعلى نقطة تشرف على القاهرة والفسطاط، لتكون العين التي تراقب، والدرع الذي يحمي، والحصن الذي يعجز العدو عن اقتحامه.

ولكن الأيام صنعت للقلعة قدرًا أعظم من أن تكون حصنًا عسكريًا.
فقد أصبحت على مدى ما يقرب من سبعة قرون مقر الحكم في مصر، وتعاقب على أسوارها السلاطين والملوك والولاة، ومن داخل قصورها خرجت قرارات غيّرت مجرى التاريخ، ورُسمت سياسات دولة كانت قلب العالم الإسلامي في عصور كثيرة.
ولعل من الحقائق التي لا يعرفها كثير من الناس أن القلعة تضم واحدة من أروع الإنجازات الهندسية في العصور الوسطى، وهي بئر يوسف، التي يبلغ عمقها نحو تسعين مترًا، وقد نُحتت بالكامل في صخور المقطم لتؤمن المياه لسكان القلعة وقت الحصار.
ولم يكن استخراج المياه منها عملًا يدويًا، بل اعتمد على نظام هندسي متقن من السواقي التي كانت تديرها الدواب في مشهد يعكس عبقرية المهندس المسلم في توظيف العلم لخدمة الإنسان.
وحين يرفع الزائر بصره، يستقبله مسجد محمد علي بمآذنه الرشيقة وقبته المهيبة، فيبدو كأنه يلامس السماء.
ومن ساحات القلعة تنبسط القاهرة كلها أمام العين؛ بمآذنها وقبابها وأحيائها القديمة، حتى يشعر الإنسان أنه يقف فوق صفحات كتاب مفتوح، عنوانه تاريخ مصر.

أما أنا، فكانت علاقتي بهذه القلعة مختلفة.
لم أكن زائرًا يأتي لساعات ثم يغادر، بل عشت بين جدرانها أيامًا وسنوات من أجمل سنوات العمر.
كان لي مكتب داخل أحد مباني الاحتلال البريطاني القديمة، يطل من جهة على مسجد محمد علي، ومن الجهة الأخرى على المتحف الحربي.
وبين هذين الشاهدين على تاريخ مصر، كنت أقضي ساعات العمل، بينما كانت روحي تعيش مع التاريخ.
وكانت هناك لحظات لا تزال تسكن وجداني حتى اليوم.
كنت أترك المكتب قليلًا، وأتجه إلى الساحة المحيطة بالمتحف، أجلس بين القطع الأثرية المعروضة في الهواء الطلق، بعيدًا عن ضجيج الحياة.

لم أكن أبحث عن الراحة بقدر ما كنت أبحث عن جرعة من عبق التاريخ.
هناك كنت أشعر أن الأحجار ليست صامتة، وأن المدافع والأسوار والأعمدة القديمة ما زالت تحفظ أصوات من مروا بها، وأن المكان يمنح زائره طاقة لا يعرفها إلا من عاش بين آثاره.
ولعل هذا هو سر القلعة الحقيقي.
فهي ليست مجرد مجموعة من المباني الأثرية، بل ذاكرة وطن بأكمله.
ففيها اجتمع فن العمارة الإسلامية، والعبقرية العسكرية، وروعة الهندسة، وجلال العبادة، وعظمة السياسة، حتى أصبحت واحدة من أهم القلاع الإسلامية في العالم، ورمزًا خالدًا لعزة مصر وشموخها.
وعندما تغادر القلعة، ستكتشف أنك لم تزر أثرًا تاريخيًا فحسب، بل زرت مكانًا لا يزال يؤدي رسالته بعد أكثر من ثمانية قرون؛ يعلّم كل من يقف على أسواره أن الأوطان العظيمة لا يحميها الحجر وحده، بل يحميها الرجال الذين يبنون، ويحافظون، ويورثون أبناءهم تاريخًا يفخرون به.






