عمرو صابح يقرأ: كتاب الأمية في مصر “1923 – 1952” للباحثة آية سمير غريب
في عام 1947 بلغت نسبة الأمية في الوجه القبلي 80.5% من عدد السكان بينما بلغت في الوجه البحري 76.2% من عدد السكان.

مشروع مقاومة الحفاء مصرفي منتصف الأربعينات (وسائل التواصل)
صدر كتاب “الأمية في مصر.. 1923 – 1952″؛ للباحثة آية سمير غريب عن سلسلة تاريخ المصريين التي تصدرها الهيئة العامة المصرية للكتاب.
يحتوي الكتاب على رسالة الماجستير الخاصة بالباحثة وهي رسالة علمية تمت مناقشتها في قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة القاهرة.
إعتمدت الباحثة في دراستها لمشكلة الأمية في مصر خلال الفترة من عام 1923 حتى عام 1952 على إحصائيات التعليم بوزارة المعارف “التربية والتعليم الآن” وتقارير المعتمدين البريطانيين، تعداد سكان القطر المصري، مضابط البرلمان بمجلسيه “النواب والشيوخ”، الدوريات والصحف الصادرة خلال فترة البحث، العديد من المراجع العلمية والتاريخية العربية والأجنبية.
لم تكتف الباحثة بتناول فترة البحث فقط بل عادت إلى جذور مشكلة الأمية في مصر منذ بدايات القرن التاسع عشر وقامت بالربط بينها وبين أحوال المجتمع المصري الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

إعتمدت الباحثة على الجداول الإحصائية والأرقام خلال بحثها، وقد خلصت إلى التالي:
– سياسة محمد علي باشا التعليمية لم تكن تستهدف نشر التعليم والتوسع فيه بل فقط تجهيز عدد محدود من المتعلمين لخدمة الجيش واحتياجاته والعمل بالمصالح الحكومية.
كان محمد علي رافضاً للتوسع في التعليم ويرى فيه شراً مستطيراً يجعل حكمه لمصر صعباً لأن حكم الشعب المتعلم ليس بسهولة حكم الشعب الجاهل.
بلغت نسبة الذين يعرفون القراءة والكتابة من المصريين في نهاية حكم محمد علي باشا الذي امتد لما يزيد عن 4 عقود حوالي 6% من السكان بينما 94% يعانون من ظلام الجهل والأمية.
– إبراهيم باشا إبن محمد علي باشا كانت له وجهة نظر مغايرة لوالده
فقد كان مهتماً بالتوسع في تعليم المصريين من أجل الارتقاء بالمجتمع ولكن قِصر مدة حكمه لم يتح له تنفيذ خططه.
– عباس الأول وسعيد باشا كانا ضد تعليم المصريين بينما كان الخديوي إسماعيل في بداية عهده مهتمًا بالتوسع في التعليم وبناء المدارس ولكن إسرافه المادي واقتراضه المحموم من الدول الأوروبية واهتمامه بالمظاهر على حساب المضمون، أدوا إلى إفلاس البلاد ووقوعها في براثن العجز المالي.
مما أدى إلى انهيار خططه التعليمية، وفي عهد الخديوي توفيق وقعت مصر في قبضة الاحتلال البريطاني بمباركة من الخديوي توفيق.
– في عام 1882 عندما احتل البريطانيون مصر كانت نسبة من يعرفون القراءة والكتابة من الذكور تبلغ 3.6% من الذكور، و 2.% من الإناث.
وقد وضع المحتل البريطاني سياسة للتعليم في مصر عبر مستشاره دانلوب قامت على التقتير في الصرف على التعليم.

– في عام 1907 بلغت نسبة من يعرفون القراءة والكتابة من الذكور 9.7%، ومن الإناث 2.%.
– نص دستور 1923 على حق المصريين في التعليم، وعلى مجانية التعليم الابتدائي، وفي عام 1925 أعدت وزارة المعارف مشروعًا لتحقيق مجانية التعليم الابتدائي تحت مسمى التعليم الإلزامي.
ولكن المشروع فشل في تحقيق أهدافه بسبب عدم الجدية في تنفيذه وعدم تخصيص الموارد المالية اللازمة له في ظل رفض النخبة الحاكمة للتوسع في تعليم المصريين لأن تعليم أبناء الفلاحين سيؤدي إلى خروجهم من خدمة الإقطاعيين.
– في عام 1930 كانت مصر تحتل المرتبة الأولى على مستوى العالم في عدد الأميين من السكان وقد بلغت نسبتهم 88%.
– ساهمت أزمة الكساد الاقتصادي العالمي عام 1930 في المزيد من تقليل الإنفاق على التعليم في مصر مما أدى إلى تفاقم مشكلة الأمية بين الشعب المصري؛ فقد قامت الحكومة بطرد الطلاب العاجزين عن دفع مصروفات المدارس.
– عدد المعدمين من المصريين بلغ 11 مليون مصري في عام 1945 في شعب تعداده حوالي 16 مليون نسمة.
– في الفترة من 1937 حتى 1947 هاجر من الريف المصري مليون فلاح للحياة بمدن القاهرة والإسكندرية والقنال بسبب الغلاء وسوء الحال.
– لم يكن حال العمال في مصر أفضل من الفلاحين فقد بلغت نسبة المتعطلين منهم عن العمل في نفس الفترة قرابة 376 ألف عامل.
أثر كل هذا على تعليم الأطفال فقد لجأت أسر الفلاحين والعمال إلى تشغيل أبناءهم لجلب الأموال خاصة في ظل عدم وجود سياسة تعليمية محددة للدولة وفي ظل نقص عدد المدارس والمدرسين.
– في مايو 1944 خلال حكم الوفد، قرر وزير المعارف أحمد نجيب الهلالي تطبيق مجانية التعليم الابتدائي، ولكن القرار لم يتم تنفيذه بسبب عدم وجود الموارد الكافية له، ولمعارضة النخبة الحاكمة في مصر للتوسع في التعليم خاصة تعليم أبناء الفلاحين.
– في عام 1947 بلغت نسبة الأمية في الوجه القبلي 80.5% من عدد السكان بينما بلغت في الوجه البحري 76.2% من عدد السكان.
– إرتبطت الأمية في مصر بسوء توزيع الثروات في مجتمع سيطر نصف في المائة من سكانه على 90% من ثرواته عبر طبقة ربطت مصالحها بالقصر الملكي والمحتل البريطاني.
– أصدرت الحكومات المتعاقبة خلال الفترة من 1923 حتى 1952 قوانين لمحو الأمية، كانت جميعها حبرًا على الورق لأن حل المشكلة لم يكن مرتبطًا بقانون يصدر بل بضرورة حل مشكلة التفاوت الطبقي في المجتمع المصري، وهو ما حاربت ضده الطبقة الحاكمة في مصر وقتها.
– بسبب انتشار الأمية خاصة بين النساء
إنتشرت الأمراض في المجتمع المصري، في عام 1950 بلغ عدد المصابين بالرمد الحبيبي 14.5 مليون نسمة بما يعادل 90% من المصريين.
عدد المصابين بالبلهارسيا 12 مليون نسمة بما يعادل 75% من المصريين.
وعدد المصابين بالإنكلستوما 8 مليون نسمة بما يعادل 50% من المصريين.
وحصلت مصر على المركز الأول في وفيات الأطفال على مستوى العالم.
وبلغ عدد الوفيات من المصريين سنوياً 441 ألف نسمة بسبب سوء التغذية وفقر الدم وانعدام النظافة في المسكن والملبس والغذاء وغياب الحد الأدنى للرعاية الصحية.
– الفلاح المصري كان يشرب من ماء الترع والمصارف، ويعيش في بيوت من الخوص لا تصلح للآدميين، ولا يمتلك سوى جلباب واحد، ويأكل ما يسد رمقه.
– خلال حكومة الوفد الأخيرة التي تولت الحكم في نهاية عام 1950 أصدر وزير المعارف د. طه حسين قراراً بتطبيق مجانية التعليم الابتدائي والثانوي.
ظل أثره محدوداً بسبب نقص المخصصات اللازمة للتوسع في التعليم وغياب وجود خطة ثابتة لوزارة المعارف، والإطاحة بحكومة الوفد بعد حوالي عام من توليها بسبب حريق القاهرة في 26 يناير 1952، وما تبعه من عدم استقرار في نظام الحكم وتعاقب الحكومات حتى اندلعت ثورة 23 يوليو 1952.
– عندما قامت ثورة 23 يوليو 1952، كانت نسبة الأمية في مصر قد بلغت 65 % من الذكور، و86% من الإناث.
– في الفترة من 23 يوليو 1952 حتى نهاية عام 1970 تم وضع خطة تعليمية شاملة للتوسع في التعليم لكافة طبقات الشعب المصري كما تم إضفاء الحماية الدستورية الشاملة على حق المصريين في التعليم.
كما أصدر الرئيس جمال عبدالناصر قانون مجانية التعليم الجامعي في عام 1962 لكي تصبح كل مراحل التعليم في مصر مجانية.
زاد عدد المدارس في مصر من 4800 مدرسة في عام 1952 إلى 18 ألف مدرسة في عام 1970.
زاد عدد المدرسين والمدرسات من 40 ألف في عام 1952 إلى 250 ألف في عام 1970.
زاد عدد الطلاب في كل مراحل التعليم من 840 ألف طالب في عام 1952 إلى 5 مليون و500 ألف طالب في عام 1970.
– الكتاب يمثل بحث علمي شامل وموثق بالأرقام التي لا تكذب ولا تتجمل ولا تُزَور الوقائع التاريخية.
إستطاعت الباحثة فيه تقديم صورة بانورامية لما اصطُلح على تسميته بالفترة الليبرالية في مصر.
وأسباب تفشي الأمية وارتباطها بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المزرية التي كان يعيش فيها غالبية المصريين.
– هذا الكتاب بمعلوماته وأرقامه وإحصائياته وتحليله العلمي المنهجي هو خير رد على أوهام الذين يرسمون لمصر خلال العهد الملكي صورة وردية لم تحدث أبداً سوى في أوهامهم.






