مقالات
د. فاروق شرف
د. فاروق شرف

إستشاري وخبير ترميم الاثار والمنشآت التاريخية.

 أسرار يرويها الأثر : هل يرقد رأس الإمام الحسين حقًا في مشهده بالقاهرة؟

كاد المؤرخون يجمعون على أن الجسد الشريف للإمام الحسين رضي الله عنه دُفن في موضع استشهاده بكربلاء.

مشاركة:
حجم الخط:

بين الرواية التاريخية… وشهادة العلماء… ووقار المكان.

“وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا”
صدق الله العظيم.

يُعد هذا السؤال من أكثر الأسئلة التي شغلت المؤرخين والباحثين ومحبي آل بيت رسول الله ﷺ عبر قرون طويلة:

هل الرأس الشريف للإمام الحسين رضي الله عنه موجود بالفعل داخل مشهده بالقاهرة؟

ولأن هذه القضية ترتبط بتاريخ الإسلام وآل بيت النبوة، فقد اختلفت فيها بعض الروايات، بينما اتفقت عليها طائفة كبيرة من كبار المؤرخين والعلماء، واستند كل فريق إلى ما وصل إليه من مصادر ووثائق.

وفي هذه المقال لن نعتمد على العاطفة وحدها، ولا على الجدل، وإنما نستعرض أبرز الشهادات التاريخية كما وردت في المصادر المعتبرة.

أسرار يرويها الأثر :  المسجد الحسيني حين تتجدد العمارة ويبقى التاريخ خالدًا (3)

أولًا: رحلة الرأس الشريف… من كربلاء إلى القاهرة

يكاد المؤرخون يجمعون على أن الجسد الشريف للإمام الحسين رضي الله عنه دُفن في موضع استشهاده بكربلاء.
أما الرأس الشريف فقد تذكر غالبية المصادر التاريخية أنه انتقل بعد واقعة كربلاء بين أكثر من موضع، حتى استقر فترة بمدينة عسقلان بفلسطين، قبل أن يُنقل إلى القاهرة في العصر الفاطمي.

وقد أصبحت رواية انتقال الرأس من عسقلان إلى مصر من أشهر الروايات التاريخية التي تناولها كبار المؤرخين.

ثانيًا: شهادة كبار المؤرخين

من أبرز من أثبت انتقال الرأس الشريف إلى مصر:
– ابن ميسر. – المقريزي. – القلقشندي.
– سبط ابن الجوزي. – ابن إياس.
– السائح الهروي. – عثمان مدوخ.
ويذكر هؤلاء أن الرأس الشريف استقر أولًا بعسقلان، ثم نُقل إلى القاهرة سنة 548هـ في موكب مهيب.
ويقول المقريزي في “المواعظ والاعتبار”:
إن الرأس الشريف وصل القاهرة يوم الثامن من جمادى الآخرة سنة 548هـ، ودُفن أولًا في قصر الزمرد، ثم أُنشئت له القبة الخاصة التي أصبحت فيما بعد المشهد الحسيني الحالي سنة 549هـ.
ولذلك يُعد المقريزي من أهم الشهود التاريخيين على هذه الرواية.

ثالثًا: الدكتورة سعاد ماهر رؤية أثرية علمية

تناولت الدكتورة سعاد ماهر – عميدة كلية الآثار بجامعة القاهرة، وأحد أعلام الآثار الإسلامية – هذه القضية في كتابها «مساجد مصر وأولياؤها الصالحون».
وقد عرضت الروايات التاريخية المختلفة بمنهج الباحث الأثري، ثم بينت رحلة انتقال الرأس الشريف، ورحلة المقتنيات النبوية حتى استقرت داخل المسجد الحسيني.
وتمتاز كتاباتها بأنها جمعت بين التحقيق التاريخي، والدراسة الأثرية، وتحليل النصوص القديمة، بعيدًا عن التعصب أو الجدل.

رابعًا: شهادة وكيل الأزهر

ومن الشهادات المهمة ما ذكره فضيلة الشيخ الدكتور الحسيني هاشم – وكيل الأزهر الشريف والأمين العام الأسبق لمجمع البحوث الإسلامية – رحمه الله.

فقد أكد أن جمهورًا كبيرًا من المؤرخين أثبتوا استقرار الرأس الشريف بالقاهرة، واستشهد بأقوال:
– ابن ميسر – المقريزي – القلقشندي – ابن إياس.

كما أشار إلى أن الأفضل بن أمير الجيوش بدر الجمالي حمل الرأس الشريف بنفسه من عسقلان إلى مصر، حتى وصل بها إلى مقرها الحالي.

خامسًا: ماذا تقول هيئة الآثار المصرية؟

ومن الشهادات المهمة كذلك ما نقلته الأستاذة عطيات الشطوي، مفتشة الآثار الإسلامية والمشرفة على أعمال تجديد القبة الشريفة آنذاك.

فقد أكدت أن الوثائق التاريخية المعتمدة لدى هيئة الآثار تتوافق مع ما أورده المقريزي، من أن الرأس الشريف وصل القاهرة سنة 548هـ، وكان الذي حمله من عسقلان الأمير سيف المملكة تميم واليها.
وتتوافق هذه الرواية مع التسلسل التاريخي المعروف في المصادر الفاطمية.

سادسًا: جامع الصالح طلائع… شاهد آخر

تذكر الروايات أن الوزير الصالح طلائع بن رزيك أراد أن تُدفن الرأس الشريفة في جامعه الذي أنشأه خارج باب زويلة، وهو المعروف اليوم بجامع الصالح طلائع.

ويُقال إن الرأس الشريف غُسلت هناك على ألواح خشبية قبل نقلها.

ومن الشواهد الأثرية المهمة أن حفائر سنة 1945م كشفت بجوار المسجد بقايا منشآت أثرية تحمل الآية الكريمة:

“ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ”

وهي عبارة كثيرًا ما كانت تُكتب على مداخل المشاهد والمدافن، مما دفع بعض الباحثين إلى ترجيح وجود مشروع لإنشاء مشهد للرأس الشريف بجوار المسجد قبل انتقالها إلى موضعها الحالي.

سابعًا: هل اتفق العلماء جميعًا؟

الأمانة العلمية تقتضي أن نذكر أن هذه القضية ليست محل إجماع مطلق.

فقد ذهب بعض العلماء والمؤرخين إلى آراء أخرى، فقال بعضهم إن الرأس الشريف بقي في دمشق، وقال آخرون إنه أعيد إلى كربلاء، بينما رأى فريق ثالث أنه دُفن في المدينة المنورة.

إلا أن رواية انتقال الرأس إلى القاهرة تبناها عدد كبير من المؤرخين المسلمين، وظلت هي الرواية الأشهر في التراث المصري والإسلامي.

ولهذا فإن التعامل مع المسألة يكون باحترام جميع الآراء الموثقة، مع التفريق بين الرواية التاريخية واليقين القطعي.

ثامنًا: بين التاريخ والإيمان

مهما اختلفت الروايات، يبقى أمر لا يختلف عليه اثنان.

أن الإمام الحسين رضي الله عنه هو سيد من سادات شباب أهل الجنة، وريحانة رسول الله ﷺ، ومن أحب الناس إلى قلبه.

وقد قال النبي ﷺ:

“حسينٌ مني وأنا من حسين، أحبَّ اللهُ من أحبَّ حسينًا”

وفي رواية صحيحة قال ﷺ عن الحسن والحسين:

“هما سيدا شباب أهل الجنة”

ولذلك فإن محبة الإمام الحسين وآل البيت من محبة رسول الله ﷺ، دون غلو، ودون تجاوز لما جاء به القرآن والسنة.

رأيي الشخصي:

بعد أن تشرفت بالمشاركة في ثلاثة مشروعات متعاقبة لصيانة وترميم المشهد الحسيني بالقاهرة، وعشت سنوات من العمل بين جدرانه، لم يعد هذا المكان بالنسبة لي مجرد أثرٍ تاريخي أو مبنى معماري فريد، بل أصبح مؤسسةً مصريةً ذات طبيعة خاصة، تمتزج فيها العقيدة بالتاريخ، والعمارة بالروح، والمحبة بالإجلال.

ولم يكن عملي هناك مقتصرًا على الحجر والرخام والخشب، بل كان مدرسةً علمتني أن لبعض الأماكن هيبةً لا تُوصف، وسكينةً لا تُكتب، وإنما تُعاش.

وقد رأيت بعيني كيف يأتي الناس من شتى بقاع الأرض، يحملون في قلوبهم محبةً صادقةً لآل بيت رسول الله ﷺ، ويغادرون وقد امتلأت نفوسهم طمأنينةً وسلامًا.

أما مسألة وجود رأس الإمام الحسين رضي الله عنه بالمشهد الحسيني، فهي قضية ناقشها العلماء والمؤرخون عبر قرون طويلة، ولكل فريق أدلته ورواياته، وقد عرضتُ في هذا البحث أشهر تلك الآراء بأمانةٍ علمية، دون تعصب أو إقصاء.

وأما أنا، فإيماني لا يقوم على حسم هذا الخلاف التاريخي، وإنما على يقيني بمكانة الإمام الحسين رضي الله عنه، سيد شباب أهل الجنة، وريحانة رسول الله ﷺ، وبمحبة آل البيت التي أوصى بها النبي الكريم بقوله: “أذكركم الله في أهل بيتي”

ومن واقع ما عشته داخل هذا المكان المبارك، وما لمسته من روحانيةٍ وسكينة، أستطيع أن أقول إن المشهد الحسيني ليس مجرد بناء أثري، بل هو صفحة مضيئة من تاريخ مصر الإسلامي.

رمزٌ لمحبة المصريين الصادقة لآل بيت رسول الله ﷺ، سواء اتفق الباحثون أو اختلفوا في بعض التفاصيل التاريخية.
ويبقى التاريخ مجالًا للبحث، ويبقى الإيمان الصادق والمحبة الخالصة لآل بيت النبي ﷺ نورًا يهدي القلوب، وهي القيمة التي لمستها في كل لحظة قضيتها داخل هذا المشهد المبارك.

خاتمة المقال:

المشهد الحسيني بالقاهرة واحدًا من أعظم معالم مصر الإسلامية، سواء نظر إليه الباحث بوصفه أثرًا تاريخيًا فريدًا، أو قصده المحبون توقيرًا لآل بيت رسول الله ﷺ، الذين قال الله تعالى فيهم:

﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.

وفي المقال القادم بإذن الله، نبدأ رحلة جديدة مع أثر آخر، يحمل بين أحجاره أسرارًا لا تقل روعة، فترقبوا فصلًا جديدًا من سلسلة: «أسرار يرويها الأثر».

شارك المقال: