مقالات
حمدي عبد العزير
حمدي عبد العزير

كاتب وسياسي

نقش بهيج في ذاكرة الولد الإمبابي

سألتهم عن مصائر جيراننا القدامي واصدقاء الطفولة والصبا حسبما كانت تتدفق الذاكرة بالأسماء والأوصاف والكنيات وأمارات الأحداث الهامة فى المنطقة

مشاركة:
حجم الخط:

لو أنني امتلك آداةً سحريةً اخترق بها الزمن ، فاستعيد بها لحظاته التي اختطفها من ذلك الصبي الذي لازال يعيش – علي عناده – في دغل روحي ..

لو أنني أمتلك تلك الآداة التي تحررنا معاً أنا وهو من قبضة اللحظة الحالية وتذهب بنا إلي منعطف اللحظة التي شكلت طفولة وصبا هذا الصبي ، لأصبح (أنا) كائناً موحداً .. حيث اختار ألا أعيش ممزقاً بين الإثنين، فأكون أنا ذلك الصبي الذي يستند علي قضبان بلكونته التي تطل من بلوك (٣) مدخل (أ) في مساكن إمبابة الشعبية علي ذلك القطار العجيب الذي كان يأتي مرة في كل إسبوع لتنطلق منه جماعات من خيل السباقات الجميلة صاهلة ومتراقصة بحوافرها ، منها الأبيض الناصع ومنها الأحمر كما كنا نسميه أو البني الداكن أو الأسود أو البني الداكن ، أو الأبيض المرقط بالبني الفاتح أو العسلي أو الشهابي ..

كان قلبي يخفق بالبهجة بمجرد حلول هذا القطار العجيب الذي كان مجهزاً بحيث لايصلح إلا لنقل هذه النوعية من الخيل فقط .

، كان هذا القطار يصفر صافرته التى تركت رنينها فى ذاكرتى ليقف في محطة إمبابة ، فيتراقص قلبي كما تتراقص ساقي وذراعي الممسكتان بقضبان بلكونة منزلنا التي كانت تطل من طابقنا الثالث علي شريط القطار ، حيث نشهد نحن اصحاب البلكونات والشبابيك المطلة على محطة سكة حديد إمبابة القطار وهو يقف علي رصيف البضائع الذي كان لايفصلنا عنه من حيث الرؤية سوي طريق (التروللي باص) الذي يفصل مساكن إمبابة عن السكة الحديد ..

كانت الغبطة الكبيرة التي تشعل الشغف في داخلي أنا الصبي الصغير هي لحظة أن تنفتح الأبواب المبطنة بالجلود اللامعة المحشوة بالإسفنج فى عربات ذلك القطار المخصص لنقل الخيل أو (الأحصنة) كما كنا نسميها في ذلك الوقت ، حيث تتفجر كل طاقات الدهشة والفرح حينما أشاهد رؤوس الخيل لحظة أن يبدأ عمال القطار بمعاونة مصاحبي الخيول فى فتح الأجزاء العلوية لأبواب عربات القطار فتنطلق روحي إلي حيث بهجتها ويطمئن قلبي إلي أن هذا اليوم هو يوم (فرجة الأحصنة) 

، وعندما ينتهي أصحاب هذه الخيول الجميلة من فتح كامل الأبواب ينطلقون مترجلين إلي جوار الخيل ليعبرون بوابة السكة الحديد وطريق التروللي باص إلي حيث يمرون من تحت بلكوناتنا وشبابيكنا المشرعة فأنطلق إلي الشارع لأصاحب هذا الركب الساحر إلي آخر الشارع الذي كان يفصل بين المساكن ومركز شرطة إمبابة ..

ظللت لسنوات طويلة حتى رحيلي من إمبابة أري هذا المشهد دون أن أدرى إلى أين كان ينتهى مستقر هذا الخيل ، ولا في أى بقعة من الأرض يقضون نهاراتهم قبل أن يعودوا إلي نفس القطار قبل غروب الشمس .

لا اعرف حتى تاريخه في أي مضمار سباق كانوا يتنافسون ومن منهم سيفوز ، وماإذا كان هؤلاء الرجال ذوي القبعات الذين يمشى كل واحد منهم بجوار حصانه ممسكاً بلجامه وهل كانوا هم أصحابها أم كانوا فى حقيقتهم هم حراسها ، أم ياهلتري كانوا فارسوها المشاركون في السباق أم ربما هم عمال مساعدين لدي فوارس متسابقين لم أرهم بعد ؟ ..

لم أكن أسأل ..
من أين تأتي امواج هذه الأحصنة الرائعة بتنوعاتها التي تفوق قدرة الولد الصغير علي استيعاب لحظة تختطفه فيها الدهشة والجمال ..

تلك البهجة العاصفة من حيث الإتساع والعمق لم تكن لتتيح لي مجالاً لكل هذه الأسئلة .
،
كنت فقط اكتفي بذلك الفرح الذي يجتاح كياني حين أتابع مشهد نزولهم من القطار في الصباحات المشرقة ، وهم يرتدون الرداءات الصفراء والحمراء والخضراء والزرقاء كل حصان حسب لونه وحسب مايليق به من زينة ، بخلاف تلك الشراشيب الملونة التي كانت تزين وجوه بعض من الأحصنة في حين كانت وجوه البعض الآخر مغطاة بالرداء الملون عدا فتحتين للعين وفتحتين تخرج من كلتاهما الأذنين الطويلتين ، بالإضافة لفتحة تحرر ذقن الحصان ابتداءً من أعلى فتحتى أنفه بحيث تسمح بمتسع لوظائف الأنف والفم المتحرك الشدقين بالصهيل أو اجترار اعواد البرسيم أو قطع السكر التى تلقمه له يد صاحبه.

كان استعراضاً للجمال والبهجة في تلك الصباحات التي لازلت اتذكرها ، ولازالت تقبع في أعز ثنايا الذاكرة وأعمقها، ليتها معي تلك الآداة
لكي أعبر بها إلي اترابي من الصبية الذين شاركوني هذه اللحظة ، وإلي جيراني القدماء في مساكن إمبابة الشعبية التي تركتها منذ مايقرب من سبعة وأربعين عاماً عندما اصطحبنا أبي إلي حيث البحيرة مكان عمله الجديد ..

حاولت بعدها لمرة واحدة أن استعيد هذا الفردوس المفقود عندما خصصت يوماً في أول الألفية الجديدة للسفر للقاهرة والذهاب إلي إمبابة حيث قادتني ذاكرة الصبي الصغير الذي يسكن روحي وينازعنى على ملكيتها إلي مساكن إمبابة لأجدنى أصعد درجات سلمنا القديم وانقر بيدى على شراعة باب عم الشحات الجبالي (أبو حياة) جارنا القديم ،
ليظهر لى الشراعة وجه الأبلة حياة التى لم تفلح العقود التى مضت فى جعل ذاكرة عيناى لاتلتقطه وتتعرف عليه من الوهلة الأولى ، أما هى فقد سألتني من أكون ، فأجبتها أنا فلان الفلاني جاركم القديم ، فردت وهي تحاول أن تفهم ماهية الشخص الغريب الذي يقف خلف الباب (حضرتك بتقول حمدي جارنا القديم؟) ، وسمعت من خلف الباب صوت رجل مسن ينادى
– مين ياحياة .
– ده حد بيقول أنه حمدي إبن عم ابو حمدي جارنا القديم يابابا) ..

تحسباً لأى لغط محرج ناولتها بطاقة الهوية الشخصية قبل أن تغلق الشراعة وتتركني إلي الداخل مستأذنة بابتسامة مصحوبة بعلامات الدهشة طالبة أن أمهلها لحظة لم تطل كثيراً ، ظللت فيها خلف الباب المغلق إلي أن عادت هى وعم الشحات هاتفين ..

– حمدي
مش ممكن
مش معقول

ظللت في ضيافتهم لمدة ساعتين أحكي لهم محطات الذكريات واستمع منهم ، سألتهم عن مصائر جيراننا القدامي واصدقاء الطفولة والصبا حسبما كانت تتدفق الذاكرة بالأسماء والأوصاف والكنيات وأمارات الأحداث الهامة فى المنطقة، فاكتشفت أن أحداً منهم لم يعد باقياً وأن المساكن قد تحولت وتحول زمانها إلى أن اصبحت أقرب لعشوائيان أحشاء المدن ولم تعد كما كانت عليه ..

هي تكاد أن تكون أنقاضاً لذكرياتي القديمة حيث أن السكان أصبحوا غير السكان ، ولحسن حظي ساعتها أن الأبلة حياة كانت في زيارة لوالدها عم الشحات الذي اختار ان يقضي بقية أيامه في شقته الملاصقة لشقتنا القديمة بعد أن ماتت طنط أم حياة وتزوج كل أبنائه وذهبوا بعيداً حياة وجمالات وهدى ومحمد وياسر والشحات حتي احمد الذي كان لايزال لم يكن عمره يتجاوز العامين عندما تركنا إمبابة قد تزوج.

منذ وقتها وأنا اكرر سؤالى واعيد طرحه على نفسى بإلحاح حاد :
ألا توجد آداة
أكسر بها هذا الحاجز الزمني فأستعيد صباي بأصدقائه ، وجيرانه مستعيداً بذلك فردوسي المفقود؟

شارك المقال: