د.محمود عبد اللطيف يكتب: مضيق هرمز وشهادة وفاة الوصاية الأمريكية
بالنسبة للسعودية، ظل مضيق هرمز هو شريان الحياة الاقتصادي، حيث تمر عبره الغالبية العظمى من صادراتها النفطية إلى الأسواق الآسيوية التي أصبحت الزبون الأول

صورة لمضيق هرمز (وسائل التواصل)
عندما جفّ النفط السياسي
لطالما شكّل مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الضيق الذي لا يتجاوز عرضه 33 كيلومتراً عند أضيق نقاطه، شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، إذ يعبر من خلاله نحو خمس إمدادات النفط العالمية.
لكن أهميته الاستراتيجية تتجاوز بكثير مجرد كونه معبراً للناقلات العملاقة، فهو مرآة تعكس تعقيدات العلاقات الدولية وتحولاتها، وبؤرة توتر جيوسياسي مزمنة.
وفي السنوات الأخيرة
برز سؤال جوهري حول ما إذا كان هذا المضيق قد أحدث شرخاً حقيقياً في واحدة من أعرق التحالفات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، أي التحالف بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية.
للإجابة عن هذا السؤال، يجب الغوص عميقاً في تحولات أسواق الطاقة، وإعادة تعريف المصالح الوطنية، وتطور العقائد الأمنية لكلا البلدين.
“النفط مقابل الأمن”: صفقة القرن التي أسست للتحالف
لفهم طبيعة الخلاف الحالي، لا بد من العودة إلى الجذور.
تأسس التحالف السعودي-الأمريكي في أربعينيات القرن الماضي على مبدأ واضح وغير مكتوب، لكنه صلب: “النفط مقابل الأمن”
ضمنت الرياض استقرار إمدادات النفط بأسعار معقولة للغرب، وفي المقابل، وفرت واشنطن مظلة أمنية للمملكة تحميها من الأخطار الإقليمية.
كان مضيق هرمز، باعتباره المنفذ الرئيسي للنفط السعودي والخليجي، جوهر هذه الصفقة.
فقد كان ضمان حرية الملاحة فيه مهمة أمريكية وجودية، ليس فقط لحماية حلفائها، بل لحماية الاقتصاد العالمي الذي كان يعتمد بشكل شبه كامل على النفط الخليجي.
خلال حرب الناقلات في الثمانينيات، جسدت البحرية الأمريكية هذا الالتزام بأوضح صوره عندما قامت بحماية ناقلات النفط الكويتية التي رفعت العلم الأمريكي، في رسالة قوية لإيران بأن أمن الخليج هو خط أحمر بالنسبة لواشنطن.
كان هذا التدخل هو التطبيق العملي لصفقة “النفط مقابل الأمن” وكان مضيق هرمز هو المسرح الرئيسي لهذا الالتزام.
آنذاك، كانت المصالح متطابقة تقريباً: السعودية ودول الخليج تنتج وتصدر، وأمريكا تحمي وتضمن تدفق الطاقة إلى العالم.
التحول الزلزالي: ثورة النفط الصخري وتغير قواعد اللعبة
الهزة الأولى في أساس هذه الصفقة لم تأت من الخليج، بل من تكساس وداكوتا الشمالية. لقد قلبت ثورة النفط والغاز الصخريين في الولايات المتحدة المعادلة الاستراتيجية رأساً على عقب.
تحولت أمريكا من أكبر مستورد للنفط في العالم إلى دولة مكتفية ذاتياً، بل وإلى مصدر رئيسي منافس.
هذا التحول لم يغير فقط الميزان التجاري الأمريكي، بل غيّر بعمق الحسابات الجيوسياسية لواشنطن.
فلم يعد أمن الطاقة الأمريكي مرهوناً بشكل مباشر باستقرار الخليج، وبالتالي، لم يعد مضيق هرمز يمثل نفس الأهمية الحيوية المباشرة للأمن القومي الأمريكي كما كان في السابق.
هنا بدأ يظهر “الشرخ” كمفهوم، ليس بالضرورة كقطيعة، بل كتباعد في الإلحاح والمصالح.
بالنسبة للسعودية، ظل مضيق هرمز هو شريان الحياة الاقتصادي، حيث تمر عبره الغالبية العظمى من صادراتها النفطية إلى الأسواق الآسيوية التي أصبحت الزبون الأول.
أي تهديد للمضيق هو تهديد وجودي مباشر للاقتصاد السعودي. أما بالنسبة لواشنطن، فقد أصبح أمن المضيق قضية تتعلق باستقرار “الاقتصاد العالمي” وأسعار النفط “العالمية” التي تؤثر على المستهلك الأمريكي، وليس أمن الطاقة القومي المباشر.
تحول الالتزام من “دفاع عن مصلحة وطنية من الدرجة الأولى” إلى “توفير منفعة عامة عالمية” مع ما يرافق ذلك من تساؤلات داخلية أمريكية حول جدوى تحمل العبء الأكبر بمفردها.
إعادة تعريف الردع: عندما اهتزت الثقة
اللحظة الفارقة التي يمكن عندها القول إن مضيق هرمز تحول من عامل توحيد إلى مصدر توتر علني كانت في عام 2019.
الهجمات على منشآت أرامكو في بقيق وخريص، والتي لم تهدد الملاحة في المضيق مباشرة لكنها جاءت من نفس الخصم الإقليمي (إيران) وفي نفس السياق الجيوسياسي، كانت اختباراً حقيقياً.
تبنت واشنطن موقفاً بدا متردداً، حيث امتنع الرئيس الأمريكي آنذاك، دونالد ترامب، عن الرد العسكري المباشر على إيران، مكتفياً بفرض عقوبات، ومصرحاً بأنه ليس “حريصاً على الحرب”
شكّل هذا الرد الفاتر صدمة في الرياض.
فمن منظور القيادة السعودية، الهجوم على قلب صناعة النفط السعودية كان يمثل هجوماً على جوهر صفقة “النفط مقابل الأمن”
كان السؤال الذي طُرح آنذاك ولا يزال: إذا كانت أمريكا، في عهد رئيس كان يُفترض أنه الأكثر قرباً من الرياض، غير مستعدة للرد عسكرياً على هجوم بهذا الحجم، فما هي قيمة الضمانة الأمنية الأمريكية؟
هذا الموقف لم يقتصر على إدارة ترامب، فإدارة بايدن التي جاءت بعده سحبت أنظمة الدفاع الجوي من المنطقة، وأعلنت بوضوح نيتها إنهاء الحرب في اليمن وإعادة تقييم العلاقة مع السعودية، مركزة على ملف حقوق الإنسان.
كل هذه التطورات عمّقت شعور الرياض بأنها لم تعد تحتل الأولوية القصوى في الأجندة الأمريكية، وأن واشنطن تبحث عن طريقة لتقليل التزاماتها في الشرق الأوسط للتركيز على منافسة الصين في المحيطين الهادئ والهندي.
أزمة مضيق هرمز كعامل تفكيك
المضيق هنا ليس مجرد بقعة جغرافية، بل هو نقطة اختبار يومية لهذا التحول.
الهجمات المتكررة على الناقلات في خليج عمان ومضيق هرمز، والتي تُنسب لإيران، واحتجاز الناقلات، والمسيرات التي تستهدف السفن، كلها حوادث تضع العلاقة تحت المجهر.
في الماضي، كان الرد الأمريكي فورياً وقاطعاً. أما اليوم، فغالباً ما يكون الرد دبلوماسياً، مع تحذيرات من “زعزعة الاستقرار” بينما تُترك مهمة حماية السفن بشكل متزايد للدول الإقليمية أو لقوات دولية مشتركة تقودها واشنطن من الخلف، وليس من الأمام.
هذا التراجع النسبي يُفسر في الرياض على أنه تخلي تدريجي، مما دفع المملكة إلى البحث عن سبل بديلة لضمان أمنها، وهو ما يقودنا إلى مظاهر “الشرخ” الفعلية.
ملامح الشرخ: التعددية بدلاً من الأحادية في العلاقات
الشرخ ليس عداءً أو قطيعة دبلوماسية، بل هو تحول استراتيجي سعودي نحو تنويع الشراكات الدولية.
إذا كانت واشنطن لم تعد الشريك الأمني الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه بشكل مطلق، فمن المنطقي البحث عن شركاء آخرين. وقد تجسد ذلك في خطوات ملموسة:
1. التقارب مع الصين وروسيا:
أصبحت الصين الشريك التجاري الأول للسعودية والمشتري الأكبر لنفطها. وتجاوزت العلاقة الجانب الاقتصادي لتصل إلى التعاون العسكري والتقني.
أما روسيا، فأصبحت شريكاً أساسياً في تحالف “أوبك+” الذي يدير أسواق النفط العالمية، وقد أثبت هذا التحالف فعاليته في التحكم بالأسعار، حتى لو تعارضت مصالحه أحياناً مع رغبة واشنطن في زيادة الإنتاج لخفض الأسعار.
هذا التنسيق الوثيق مع موسكو وبكين يُقرأ في واشنطن على أنه ابتعاد سعودي عن الحليف التقليدي.
2. المصالحة مع إيران برعاية صينية:
كان الاتفاق السعودي-الإيراني في بكين عام 2023، برعاية صينية، أبلغ تعبير عن هذا الشرخ. لقد اختارت الرياض الوسيط الصيني بدلاً من الأمريكي لحل أحد أكبر مصادر التهديد لأمنها القومي.
والرسالة هنا مزدوجة:
أولاً، تُظهر الرياض لواشنطن أن لديها خيارات أخرى. ثانياً، تعترف بتراجع النفوذ الأمريكي وقدرته (أو رغبته) على فرض حلول.
من خلال تخفيف حدة التوتر مع إيران، تسعى السعودية إلى تأمين مضيق هرمز ليس عبر المظلة العسكرية الأمريكية التي أصبحت مشكوكاً في فعاليتها، بل عبر اتفاق سياسي إقليمي يقلل من احتمالات الصدام.
هذا يمثل خروجاً عن العقيدة الأمنية التقليدية القائمة على الردع الأمريكي، والانتقال إلى استراتيجية قائمة على خفض التصعيد والمشاركة الدبلوماسية المباشرة.
3. رفض الاصطفاف في الحرب الأوكرانية:
حافظت السعودية على علاقاتها مع روسيا ورفضت الانضمام للعقوبات الغربية، بل ولعبت دور الوسيط في بعض الملفات الإنسانية.
هذا الموقف المتوازن أغضب بعض الدوائر في واشنطن، لكنه كان منطقياً من وجهة نظر سعودية ترفض أن تكون تابعاً، وتصر على أن سياستها تنطلق من مصالحها الوطنية أولاً، خاصة فيما يتعلق باستقرار أسواق النفط حيث تعتبر روسيا شريكاً لا غنى عنه.
لماذا مضيق هرمز هو قلب هذا الشرخ؟
لأنه ببساطة المكان الذي تبلورت فيه التناقضات الجديدة.
فبالنسبة لأمريكا، تأمين المضيق أصبح “عبئاً” يمكن تقاسمه، في إطار استراتيجية “الموازنة بعيداً عن الشاطئ” (Offshore Balancing) أو “القيادة من الخلف”
أما بالنسبة للسعودية، فهو “خطر وجودي” يستدعي البحث عن جميع الحلول الممكنة، حتى لو لم تعجب الحليف التقليدي.
عندما تدفع الرياض باتجاه المصالحة مع طهران، فهي تفعل ذلك جزئياً لإخراج ملف أمن المضيق والملاحة من لعبة الصراع المسلح الذي يهدد اقتصادها مباشرة، وهو حل يتعارض مع الرؤية الأمريكية التي كانت تفضل احتواء إيران وعزلها إلى أن يتم تغيير سلوكها. هذا التباين في مقاربة التهديد نفسه (إيران كخطر على الملاحة) هو جوهر الشرخ.
خاتمة: شرخ في الجدار لا انهيار للبناء
في الختام، يمكن القول إن مضيق هرمز لم يصنع شرخاً بالمعنى التقليدي للقطيعة بين السعودية وواشنطن، لكنه كان المحور الذي كشف ونمّى تحولاً بنيوياً عميقاً في طبيعة التحالف. لقد انتقلت العلاقة من “التبعية” و”الوصاية” إلى “الشراكة البراغماتية” و”توازن المصالح”
الشرخ الحقيقي هو في سيكولوجية العلاقة: الرياض لم تعد تثق بأن واشنطن ستخوض حرباً من أجلها، وواشنطن لم تعد ترى أن على دافع الضرائب الأمريكي أن يتحمل العبء الأكبر للدفاع عن حلفاء أثرياء لديهم خيارات أخرى.
مضيق هرمز هو المسرح الذي تجلت فيه هذه الديناميكية الجديدة بأوضح صورها.
هو المكان الذي اختبرت فيه السعودية حدود الالتزام الأمريكي، فاستخلصت العبرة وبدأت في هندسة أمنها الإقليمي بنفسها، عبر مزيج من الدبلوماسية مع الخصوم، وتنويع الشراكات مع القوى العظمى المنافسة.
لذلك، لم يعد مضيق هرمز رمزاً للالتزام الأمريكي بأمن الخليج، بل أصبح رمزاً لإعادة تعريف هذا الأمن بمعزل عن الضامن التقليدي.
إنه شرخ في جدار التحالف القديم، قد لا يؤدي إلى انهياره بالكامل، لكنه بالتأكيد غيّر شكله وهندسته إلى الأبد، محولاً إياه من حائط صلد إلى هيكل مرن ومتعدد المداخل والمخارج.






