د. أيمن نور يكتب: ماذا يبنون خلف ظهر مصر؟
رفح جدار في بيتين، نصفها في فلسطين ونصفها في مصر، وما يحدث على الجانب الآخر من الجدار يلامس مباشرة أمن سيناء، وترتيبات الحدود، ومستقبل محور فيلادلفي.

صورة جوية للموقع (منصات)
هناك فارق بين أن ترى جنديا إسرائيليا يقف على حدودك في زمن حرب، وأن تكتشف أن الجندي أحضر جرافة، وأن الجرافة فتحت طريقا، وأن الطريق انتهى إلى ساتر، وأن الساتر صار تحصينا، ثم جاء مستوطن يحمل حلما قديما، وقف أمام البحر وقال: هنا ستقوم «رفح اليهودية»
عند هذه اللحظة لا يعود السؤال فلسطينيا فقط يصبح مصريا أيضا.
لأن الحدود لا يحميها السلك وحده، بل تحميها أيضا طبيعة ما ينمو خلفه، ونوايا من يقف على الجانب الآخر منه.
قبل أيام ظهر مستوطن إسرائيلي من حركة «نحالا» الاستيطانية على ساحل رفح الفلسطينية، معلنا أن «رفح اليهودية ستبنى»، وأن المستوطنين «سيعودون إلى هذا البحر»
كان الرجل يتحدث عن المستقبل، بينما كانت الكاميرا خلفه تصور الحاضر.
تحصينات، ومنشآت عسكرية، وسواتر وطرق، في منطقة شديدة الحساسية عند التقاء محور صلاح الدين «فيلادلفي» بالبحر المتوسط، وعلى مسافة قريبة جدا من الحدود المصرية، فوق أراضي قرية السويدية الفلسطينية التي تعرضت للتجريف.
وهنا تكمن خطورة الصورة.
فالكلمات يمكن وصفها بالتطرف، والأحلام الاستيطانية يمكن اعتبارها أوهاما، لكن التحصينات ليست وهما، والجرافات لا تعمل بالأحلام.
و«نحالا» نفسها لم تعد مجرد صوت هامشي يصرخ بعيدا عن السياسة الإسرائيلية.
ففي الأسابيع الأخيرة تحرك آلاف من أنصار العودة إلى مستوطنات غزة، بينما صدرت عن وزراء ونواب داخل الائتلاف الحاكم دعوات علنية لإعادة الاستيطان في القطاع.
وهذا لا يعني أن هناك قرارا إسرائيليا رسميا معلنا ببناء «رفح اليهودية»، ولا يجوز لنا أن ندعي ما لا نملك دليلا عليه.
لكنه يعني شيئا لا يقل خطورة: أن الفكرة التي كانت بالأمس على هامش الخريطة السياسية، أصبحت تجد من يحملها إلى داخل مؤسسات الحكم.
خبرتنا مع الاحتلال الإسرائيلي تعلمنا أن الخرائط لا تتغير دائما بالقلم.
أحيانا تبدأ بالجرافة.
تزال البيوت، ثم يشق طريق عسكري، ثم يقام ساتر، ثم نقطة مراقبة، ثم تحصين، ثم يقال إن كل ذلك «مؤقت» تفرضه ضرورات الحرب.
وبعد سنوات يصبح المؤقت واقعا، ويصبح الواقع ورقة تفاوض، ثم يطلب من الآخرين الاعتراف بما صنعته القوة.
هذه ليست نبوءة، بل نمط رأيناه كثيرا في الأراضي الفلسطينية.
ولهذا لا ينبغي أن ننشغل كثيرا بالمستوطن الذي ظهر أمام الكاميرا، بقدر ما ينبغي أن ننشغل بما ظهر خلفه.
بالنسبة إلى مصر، القضية أكثر تعقيدا من التضامن الطبيعي والواجب مع الشعب الفلسطيني.
رفح ليست مدينة بعيدة عنا.
رفح جدار في بيتين، نصفها في فلسطين ونصفها في مصر، وما يحدث على الجانب الآخر من الجدار يلامس مباشرة أمن سيناء، وترتيبات الحدود، ومستقبل محور فيلادلفي.
منذ إعادة القوات الإسرائيلية السيطرة على المحور في مايو 2024، أعلنت القاهرة رفضها تغيير الوضع القائم أو فرض ترتيبات جديدة بالقوة.
واليوم يصبح السؤال أكثر إلحاحا:
هل الوجود الإسرائيلي هناك مرتبط بظروف الحرب، أم أننا نشاهد انتقالا هادئا من «السيطرة العسكرية المؤقتة» إلى هندسة وجود أطول أمدا؟
د. أيمن نور يكتب: دمياط… هل تلامس الحرب أبواب مصر
هنا يجب أن نكون دقيقين في القانون بقدر ما نحن واضحون في السياسة.
ليس صحيحا أن كل منشأة عسكرية إسرائيلية داخل الجانب الفلسطيني من رفح تمثل، بمجرد وجودها، خرقا تلقائيا ومباشرا لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.
لكن الصحيح أيضا أن اتفاقية السلام ليست مجرد ورقة تعترف بالحدود، بل منظومة أمنية قامت على توازنات وترتيبات محددة.
ثم جاءت ترتيبات عام 2005 الخاصة بمحور فيلادلفي بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة لتنشئ واقعا أمنيا جديدا، جوهره غياب الوجود العسكري الإسرائيلي الدائم عن هذا الشريط، مع ترتيبات مصرية خاصة لحراسة الحدود.
وعندما يعود الجيش الإسرائيلي إلى المحور
ثم تتوسع تحصيناته، يصبح من حق مصر، بل من واجبها، أن تسأل عن طبيعة هذا الوجود ومدته وأهدافه وتأثيره على البيئة الأمنية التي قامت عليها تلك الترتيبات.
وقد ذهب صديقي السفير معصوم مرزوق، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إلى رأي أبعد، معتبرا أن ما حدث في محور فيلادلفي يمثل إخلالا بالترتيبات الأمنية، وأن لمصر الحق في إعادة النظر في التزاماتها المقابلة المتعلقة بانتشار القوات في سيناء.
أحترم هذا الاجتهاد، وأفهم منطقه السياسي والقانوني، لكنني أعتقد أن المصلحة المصرية تقتضي أن نبني موقفنا على أرض قانونية شديدة الصلابة، لا على الانفعال، وأن نفرق بين حق مصر في الاعتراض وإعادة التقييم واتخاذ إجراءات حماية أمنها القومي، وبين القول بتحلل تلقائي من التزامات تعاقدية دولية.
الدول الكبيرة لا تحتاج إلى المبالغة كي تثبت حقوقها.
وأنا هنا أختلف مع السلطة المصرية في ملفات كثيرة، وعارضتها ودفعت أثمانا يعرفها الجميع، لكن الأمن القومي المصري ليس بندا في جدول الخلاف بين السلطة والمعارضة.
مصر أكبر من حكوماتها.
والحدود أبقى من الحكام.
وسيناء ليست ورقة سياسية يتبادلها المختلفون.
لهذا، فإن أي موقف مصري جاد تجاه ما يحدث في رفح يجب أن نحميه وندعمه، وأن نطالبه في الوقت نفسه بأن يكون أكثر وضوحا وصلابة وشفافية.
فالوطنية ليست أن نصفق للحكومة، كما أنها ليست أن نعارضها عندما تكون مصر نفسها هي القضية.
مصر لا تحتاج إلى التهديد بالحرب، ولا إلى المزايدة بالشعارات.
تحتاج إلى أن تقول بوضوح إن الحدود المصرية ليست مختبرا لاختبار حدود الصمت المصري.
وأن تطلب إيضاحات وضمانات واضحة بشأن طبيعة المنشآت العسكرية الإسرائيلية المقامة قرب حدودها، ومدة بقائها، ومستقبل القوات الإسرائيلية في محور فيلادلفي.
وأن تستخدم ما لديها من أدوات دبلوماسية وقانونية وسياسية، ومن علاقاتها مع الولايات المتحدة والقوى الدولية، ومن آليات ترتيبات السلام، كي تجعل الموقف المصري موثقا لا همسا، ومعلنا لا مفهوما بالضرورة.
قبل يوم واحد، شاركت مصر مع سبع دول عربية وإسلامية في إدانة الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في غزة.
هذا موقف ضروري، لكنه لا يكفي وحده.
لأن الدبلوماسية تتحرك الآن بحثا عن اليوم التالي للحرب، بينما تتحرك الجرافات على الأرض لصناعة هذا اليوم قبل أن يصل الدبلوماسيون إليه.
وهذه هي المعركة الحقيقية.
من يرسم «اليوم التالي»؟
المفاوض الذي يحمل خريطة الانسحاب، أم الجندي الذي يغير الخريطة قبل بدء التفاوض؟
المستوطن الذي وقف على البحر وقال إنهم سيعودون إليه قد يكون متطرفا يحلم.
لكن الجيوش لا تبني التحصينات بالأحلام.
لهذا لا أسأل ماذا قال الرجل.
أسأل ماذا كان وراءه؟
وماذا يبنون هناك؟
ولماذا؟
وإلى متى؟
ومن أعطاهم حق تحويل أرض فلسطينية مجرفة على بعد أمتار من سيناء إلى واقع عسكري قد يصبح غدا حقيقة سياسية؟
إسرائيل لا تغير الخرائط دائما بالقلم
أحيانا تغيرها بالجرافة، ثم تنتظر حتى يجف تراب الطريق الجديد، وتطلب من السياسة أن توقع أسفل ما صنعته القوة.
لهذا فإن ما يحدث خلف سور مصر يستحق عيونا مفتوحة، ودبلوماسية يقظة، وقانونا حاضرا، وإرادة تعرف أن السلام لا يعني أن تنام الدول مطمئنة إلى توقيع عمره نصف قرن.
فالسلام الحقيقي تحرسه العدالة والتوازن واحترام الحدود.
أما الحدود التي لا ننتبه إلى ما يبنى خلفها، فقد نستيقظ يوما لنجد أن الجغرافيا من حولها تغيرت…
بينما كنا نطمئن إلى أن الخط على الخريطة لم يتحرك.






