سيد أمين يكتب: تحويل الرصاص إلى ذهب! الأمنيات والحقائق
استوعبه الناس تركز حول مردود هذا الكشف الاقتصادي، بين خائف على ضياع ثرواته، وبين متفائل بأن الذهب سيكون يوماً ما كالنحاس، وبين مشكك ومؤيد وساخر.

صورة تعبيرية للمقال
عملية معقدة لتحويل الرصاص إلى ذهب
منذ أشهر، أعلنت منظمة “سيرن” الأوروبية عن تمكن علماء تابعين لها من تحويل الرصاص إلى ذهب عبر عملية علمية معقدة، تم خلالها إزالة ثلاثة بروتونات من نواة الرصاص عبر جهاز مهم للغاية يعرف باسم “مصادم الهدرونات”.
وبحسب ما فُهِم من بيان المنظمة، فإن علماء تابعين لها في مشروع “أليس” تمكنوا عبر هذا الجهاز العملاق من تحقيق اصطدام غير مباشر بين ذرات الرصاص، ما نتج عنه تيار مغناطيسي قوي مزق بروتوناتها،.
وبالتالي تحقق شرط إزالة ثلاثة بروتونات من ذرة الرصاص لكي تكتسب مواصفات الذهب، وحدث هذا في أجزاء من الثانية قبل أن تعود الذرات لطبيعتها كرصاص.
قلق وهواجس الناس
طبيعة هذا الخبر علمية بحتة يستوعب تفاصيلها المختصون فقط، ولكن ما استوعبه الناس تركز حول مردود هذا الكشف الاقتصادي، بين خائف على ضياع ثرواته، وبين متفائل بأن الذهب سيكون يوماً ما كالنحاس، وبين مشكك ومؤيد وساخر.
أو من يؤكد أن هذا الابتكار ليس بجديد وأنه مُكتشَف منذ زمن بعيد، ولكنه في المقابل يشكك في جدواه الاقتصادية والعلمية، ومنهم من قال بإمكانية اعتبارها إنجازاً علمياً دقيقاً في فيزياء الجسيمات، لكنها لا ترقى لتحقيق حلم “خيميائي” أو حتى اقتصادي.
الفكرة ليست جديدة
ومع ذلك، فإن ما أعلنته المنظمة فعلاً ليس بجديد، فمنذ عدة عقود مضت كانوا يدرّسون لنا في مرحلة التعليم الثانوي بمصر معلومات عامة عن إمكانية تحويل المعادن -ومنها الرصاص بالطبع- إلى ذهب عبر “المعجلات النووية”
حيث تُضرب الفلزات بأشعة بيتا أو جاما أو ألفا ما يغير من ترتيب إلكتروناتها، وكانوا يقولون إن ما يحول دون أن يصبح استخدامه في المتناول فقط هو حاجته إلى درجة حرارة جبارة، وضغط عالٍ جداً، وهي المواصفات التي نجح السوفيت في تحقيقها عبر التفاعلات الذرية.
أحلام وأوهام
حلم تحويل المعادن إلى ذهب قديم، راود العالم العربي جابر بن حيان الذي اشترط لتحويل المعادن “الخسيسة” إلى ذهب توافر مادة وسيطة نادرة أسماها “الإكسير”، وهي المادة التي اعتقد البعض أنه يقصد بها مادة غامضة أو أسطورية تحدث عنها علماء ما قبل الميلاد وأسموها “حجر الفلاسفة” في حين أن ذلك التخمين قد يكون مستبعداً نظراً لما عُرف عن ابن حيان من موضوعية.
وتشير المعلومات إلى أنه في عام 1980 تمكن مختبر “لورانس بيركلي” الأمريكي من تحقيق هذا النجاح وتحويل معدن البزموت إلى ذهب، ولكن تم ذلك بكلفة باهظة للغاية فاقت مئات أضعاف ما تم استخراجه من الغرامات.
فيما تنتشر حكايات عن زعم فنان فرنسي يدعى “ريشارد تشانفراي” في برنامج تلفزيوني في سبعينيات القرن الماضي أنه حوّل الرصاص إلى ذهب على موقد تخييم.
وما يقلل من موضوعية ادعاء “تشانفراي” -الذي انتحر عام 1983 وعُرف في العالم العربي بسبب زواجه من الفنانة داليدا- أنه ادعى أيضاً أنه “الكونت سان جيرمان”.
وهو شخصية غامضة لها صفات شبه أسطورية، يعتقد الفرنسيون أنه عاش 500 سنة، ويُضفي بعضهم عليه صفات غير معقولة بكونه خالداً لا يموت، وأنه جامع العلوم كلها من فيزياء وریاضیات وفلسفة وأدب وغيرها!
أساطير وحقائق
لم يتأثر سوق الذهب العالمي بهذا الإعلان، خاصة أن بيان المنظمة أكد أن ما تمكنت من تحويله لذهب عبر هذا الجهاز في ثلاث سنوات (من الفترة من 2015 حتى 2018) لم يتجاوز 29 بيكوغراماً، علماً بأن الغرام الواحد يساوي تريليون بيكوغرام، وهي المعلومة التي تنسف جدوى الاختراع من جذوره.
فيما اعتبر البعض أن تلك المحاولات تعد شكلاً من أشكال العبث، لكن للأمانة التاريخية، كل اختراعات الدنيا بدأت بما يشبه العبث، إلا أن هذا العبث العلمي هو الذي جعل العالم عباس بن فرناس يحاول الطيران فيأتي الأخوان رايت ليجعلاها حقيقة.
وحاول هوارد وألكسندرسون وغيرهما اختراع المذياع حتى جاء ماركوني وجعله حقيقة.
وكذلك أتم تسلا ما بدأه أديسون في اختراع الكهرباء بنوعيها المتردد والمستمر.
وذلك ما حدث في معظم اختراعات العصر الحديث، والتي كان الحديث عنها قبل بلوغها مجرد أساطير لا تنطلي على عقول أوسع الناس خيالاً.
ولذلك، فمن غير المستبعد التوصل لتقنية تقوم بتحويل الرصاص أو أي معدن آخر إلى ذهب مستقبلاً، خاصة أن هناك الكثير من المحاولات لإتمام هذا الحلم، وأن العلماء لا ينفون إمكانية حدوث ذلك، ولكنهم فقط يستصعبون تحقق الشروط.
وكأننا على موعد لفتح مغارة علي بابا، ظهرت في ذات الأسبوع دراسة ألمانية تؤكد أن باطن الأرض يحوي كميات من الذهب تكفي لتغطية سطح الكرة الأرضية، ولأن خبرة الناس أوحت لهم بعدم الوثوق بمثل هذه الأخبار، ارتفع سعر الذهب عالمياً على وقع التطورات العسكرية بين روسيا وأوكرانيا.
ماذا بعد؟
من التساؤلات المهمة بعد كل ذلك الجهد: أنه بعدما يأتي فعلاً من يتمكن من تحويل الرصاص أو غيره من المعادن إلى ذهب بشكل اقتصادي واعتيادي، حتى لو بعد مئات السنين، ما الجدوى التي ستعود على البشرية؟!
أليس معنى ذلك أننا سنجد أن قيمة الرصاص أو النحاس هي التي ارتفعت؟!
ألن يتحول الذهب حينئذ إلى ما يشبه منتجات البلاستيك التي ما إن يتم استخدام عبواتها حتى نلقي بها في سلة المهملات؟
وهل سنبقى في انتظار من يخرج حينئذ ليقود الحملات التي تدعو إلى مكافحة تلوث البيئة بالذهب؟






