مقالات
د. مجدي قرقر
د. مجدي قرقر

أستاذ جامعي وكاتب

د. مجدي قرقر يكتب: التفسير لموضوعات القرآن الكريم؟

لقد كانت الهجرة إعلانا للعالم بأن عهد حضارة الإسلام قد بدأ، ولقد جاء تحويل القبلة تتويجًا للهجرة

مشاركة:
حجم الخط:

متى كانت الهجرة

هجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكَّة متجها إلى المدينة كانت في اليوم السَّابع والعشرين من صَفَر من السَّنة الثَّالثة عشر للبعثة

وصل المدينة في اليوم الثاني عشر من ربيع الأوَّل من نفس السنة.

لقد حدد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول العام الهجري بأول محرم لأنه الشهر الذي ينصرف فيه الحجاج من بيت الله الحرام بعد أداء فريضة الحج.

وجعل من عام هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يثرب العام الأول في التقويم الهجري الذي نستقبل عامه الـ (1448 هـ) اليوم.

رغم أن الهجرة بدأت في صفر وتمت في ربيع الأول إلا أننا اعتدنا الاحتفال بذكرى الهجرة في أول محرم مع بداية العام الهجري الجديد.

لماذا اختار عمر أول المحرم ليكون بداية للعام الهجري”؟

يقول مركز الفتوى في موقع إسلام ويب:

“المشهور أن أول من أرخ بالهجرة في الإسلام هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سنة سبع عشرة للهجرة.

فقد أخرج الحاكم عن الشعبي أن أبا موسى كتب إلى عمر:

إنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس، فقال بعضهم:

أرخ بالمبعث، وبعضهم أرخ بالهجرة

فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها، وذلك سنة سبع عشرة.

فلما اتفقوا قال بعضهم: أبدأوا برمضان فقال عمر: بل المحرم، فإنه منصرف الناس من حجهم فاتفقوا عليه.. والله أعلم”

كان من الممكن أن يؤرخ بمولده صلى الله عليه وسلم ولكن محمد ولد قبل الإسلام ونحن نؤرخ للإسلام.

كما أننا أمة لا تعبد محمد وإن أحببناه وآمنا به وصدقناه.

كان من الممكن أن يؤرخ عمر بمبعثه عليه الصلاة والسلام ولكن محمدا كان قبل الإسلام بمكة وبعدها بمكة ولم يكن هذا ليحقق فصلا زمانيا ومكانيا واضحا خاصة.

ثم أن زمن البعثة غير محدد بدقة وهل كان قبل انقطاع الوحي أم بعده.

اختار عمر هجرة نبيه صلى الله عليه وسلم وفقا لما أخرجه الحاكم عن الشعبي لأنها فرقت بين الحق والباطل.

أي أن الهجرة حققت فصلا زمانيا ومكانيا (مكة والمدينة) وإيمانيا (حضاريا:

القوة والضعف – الحق والباطل) ونتيجة لوضوح هذا الفصل سميت سور القرآن بالمكية والمدنية.

قد أحسن الدكتور أحمد خيري العمري في كتابه (استرداد عمر من السيرة إلى المسيرة) حين رأى أن عمر بن الخطاب اختار الهجرة مبدأً للتقويم لأنها مثلت الانتقال من مرحلة الفكرة إلى مرحلة التطبيق.

كل ما كان قبل الهجرة في مكة كان مهماً، وقد ساهم في الإعداد والتمهيد للهجرة وما بعدها، كانت الهجرة هي الامتحان، وبمثابة إعلان للعالم أجمع لا للملأ المكي فحسب.

هجرة تُوِّجت بتحويل القبلة

لقد كانت الهجرة إعلانا للعالم بأن عهد حضارة الإسلام قد بدأ، ولقد جاء تحويل القبلة تتويجًا للهجرة.

وتأكيدا على انتقال مركز الثقل الحضاري من أمة اليهود والنصارى (متمثلة في قبلتهم بيت المقدس – القدس) إلى أمة الإسلام (متمثلة في قبلتهم بيت الله الحرام – مكة المكرمة)

فجاءت آيات سورة البقرة التي توسطتها لتتحدث عن الأمة الوسط التي ستحمل لواء حضارة العالم.
وسورة البقرة 286 آية، ومن اللافت للنظر أن منتصف السورة يقع بين الآيتين 143 و144 اللتين تتحدثان عن تحويل القبلة والأمة الوسط، آيتين تتحدثان عن الأمة الوسط (الأمة العدل) وانتقال مركز الثقل الحضاري إليها بتحويل القبلة

“وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا” (143)

قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ….. (144)” (البقرة).

تحويل القبلة تتويج للهجرة لتكون أمة الإسلام الأمة الوسط الخيِّرة العادلة الشاهدة على الأمم السابقة ويكون محمد صلى الله عليه وسلم على الناس شهيدًا.

وهذا سيكون كبيرا وصعبا على أهل الكتاب الذين سيفقدون السيادة الحضارية كما أنها ستكون كبيرة على ضعاف الإيمان ولن تكون كبيرة على الذين هداهم الله ومنّ عليهم بالإيمان والتقوى

“وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)” (البقرة) أجل لقد كانت البداية هجرةً، ثم كان التتويجُ تحويلًا للقبلة.

من هو “ثاني اثنين إذ هما في الغار”؟

أبو بكر الصديق أول من دخل الغار ورسول الله ثانيهما
وفي ذكرى الهجرة يروى الدعاة أحداثها لنستخلص العبر ولنقدِّر العنت الذي لاقاه رسولنا الكريم من قومه في سبيل نشر دعوة الإسلام.

كما تتلى آيات سورة التوبة (38 : 40) التي تشير إلى هجرته صلى الله عليه وسلم بصحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه:

“إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا …..” (التوبة 40)

يعاتب رب العزة المؤمنين إذ دعوا لينفروا إلى الجهاد في سبيل الله بالخروج في غزوة تبوك فتثاقلوا إلى الأرض وتقاعسوا.

محذرًا إياهم بأن يستبدلهم بقوم غيرهم وأنهم إن لم ينصروه فلا حاجة لنصرهم فلقد أيده الله ونصره يوم أخرجه كفار قريش من مكة وهو ثاني اثنين (هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنه) بدون أي جيش أو سلاح معه فجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا.

يشيع بيننا كمسلمين أن ثاني اثنين إذ هما في الغار هو الصديق أبو بكر في حين أن النص القرآني واضح أن ثاني اثنين في الغار هو محمد صلى الله عليه وسلم وأن أول الاثنين هو أبو بكر رضي الله عنه.

الترتيب هنا ترتيبُ دخولٍ إلى الغار وليس ترتيب أفضلية، ويؤيد ذلك ما ورد في السيرة الصحيحة من أن أبا بكر رضي الله عنه دخل الغار أولًا لتأمينه قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم

هل من التأدب مع رسول الله أن نقول إنه ثاني اثنين؟

نعلم أن المسلمين قد يقولون هذا تأدبا مع رسول الله، وهذا واجب، ولكن فهم النص على حقيقته أولى.

فقد قلنا إن الترتيب هو ترتيب دخول للغار وليس ترتيب أفضلية، وبالتالي فإن محمد صلى الله عليه وسلم هو ثاني اثنين إذ هما في الغار.

هنا ينفعل البعض كيف تجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانيا بعد أبي بكر رضي الله عنه؟

وهنا نرد عليهم لماذا لا تغارون وتنفعلون إذ وصف رب العزة نفسه بأنه رابع ثلاثة أو سادس خمسة

“أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” (7 المجادلة)

هل تصحيح الأخطاء الشائعة في فهم القرآن لها أولوية؟

قد يقول البعض أن هذه قضية ثانوية لا يترتب عليها عمل، وهذا صحيح ولكن هذا خطأ شائع يجب تصحيحه.

أن من يسمح بقراءة خاطئة للنص القرآني سيكرر قراءته الخاطئة، ثم أن أفضلية محمد صلى الله عليه وسلم ليست في كونه دخل الغار أولًا أو ثانيًا.

لكن في تحمله أعباء الرسالة وقيامه بها على خير وجه وهو ما تنوء بحمله الجبال، وفي تمثله القرآن في خلقه الكريم.
نحب رسولنا ولكننا نحب أيضا قرآننا.

شارك المقال: