د. أيمن منصور ندا يكتب: الجمهور الذي خرج من القاعة
المشكلة أنَّ التقرير، رغم بعض إشاراته المهمة، لا يزال في مواضع كثيرة يتعامل مع الجمهور بمنطق "المتلقي" وليس بمنطق "الشريك"!

صورة تعبيرية للمقال
قراءة في تقرير لجنة تطوير الإعلام المصري (10-12)
عن تقرير يريد استعادة الناس دون أن يسأل لماذا غادروا
تخيّل قاعة مسرح كبيرة، فوق المنصة يجلس المسؤولون، واللجان، والخبراء، ومقدمو البرامج، ومديرو المنصات.. والكاميرات تعمل، والإضاءة ممتازة، والميكروفونات مضبوطة، والعرض مستمر.
فقط هناك مشكلة صغيرة:
الجمهور غادر القاعة! ومع ذلك يواصل المتحدثون الكلام كأنَّ المقاعد الممتلئة في التقرير تعوّض المقاعد الفارغة في الواقع!
هنا تبدأ مأساة تقرير تطوير الإعلام:
يريد استعادة الجمهور كما لو كان ضل الطريق، وليس كما لو كان اتخذ قراراً واعياً بالمغادرة.
في هذا التقرير، الجمهور هو الحاضر الغائب:
حاضر بالاسم، وغائب بالفعل!
هذه إحدى فجواته، فهو لا يتجاهل الجمهور تماماً، بل يذكره كثيراً، ويقترح استطلاعات، ويتحدث عن احتياجاته، وعن تطوير المحتوى له، وعن قياس تفاعله، وعن صياغة علاقة مباشرة معه.
بل إنَّ التقرير يقترح في موضع لافت إجراء دراسة استطلاعية على عينة ممثلة من الجمهور المصري بكل فئاته خلال ثلاثة أشهر حول سؤال مهم:
“ماذا يريد المواطن من الإعلام المصري؟”
لتكون نتائجها نموذجاً استرشادياً في وضع سياسات قطاعات الإعلام الوطني، وخاصة إعلام الخدمة العامة.
وهذا، في حدِّ ذاته، اقتراح صحيح ومهم، لكنه يكشف المشكلة بقدر ما يحلها:
لماذا يأتي سؤال الجمهور في نهاية المسار تقريباً لا في بدايته؟
د. أيمن منصور ندا يكتب: التحول الرقمي تحديث القفص لا فتح الباب
د. أيمن منصور ندا يكتب: الكوادر المرتعشة
لماذا يبدو الجمهور مادة للقياس بعد وضع التصورات، لا أساساً لبناء التصورات نفسها؟!
المشكلة أنَّ التقرير، رغم بعض إشاراته المهمة، لا يزال في مواضع كثيرة يتعامل مع الجمهور بمنطق “المتلقي” وليس بمنطق “الشريك”!
يقول التقرير صراحة إنَّ المطلوب هو “توزيع المحتوى حيث يوجد الجمهور” و”صياغة علاقة مباشرة مع الجمهور دون جوجل أو فيسبوك”
وهذه كلها أدوات ضرورية، لكنه لا يذهب بما يكفي إلى السؤال الأعمق:
ماذا لو كان الجمهور لا يرفض الوسيلة فقط، بل يرفض منطق الرسالة نفسها؟!
ليس الجمهور طفلاً ضلَّ الطريق إلى المنصة الصحيحة
ليس القارئ الذي هجر الصحف جاهلاً بقيمتها التاريخية، وليس المشاهد الذي ترك التلفزيون متآمراً على الإعلام الوطني، أحياناً يغادر الجمهور لأنَّه فهم أكثر مما ينبغي.
فهم أنَّ الأخبار مرتبة لا بحسب أهميتها، بل بحسب حساسيتها، فهم أنَّ الحوار محسوب، وأنَّ الضيف معروف، وأنَّ السؤال الصعب يأتي غالباً بلا أنياب.
وأنَّ الاختلاف المسموح به اختلاف تحت السيطرة، وحين يفهم الجمهور اللعبة، لا يحتاج إلى بيان مقاطعة؛ يكفي أن ينسحب بهدوء!
الثقة هنا هي جوهر الأزمة ومناط الأمر كله
التقرير يتحدث عن تراجع المصداقية وعدم الثقة العامة، ويتحدث عن صحافة المجتمعات بوصفها وسيلة لـ”بناء الثقة بدلاً من النقرات”
لكنَّه في ملف الجمهور لا يحول هذا الاعتراف إلى انقلاب كامل في فلسفة الإصلاح!
فالثقة لا تُستعاد بمجرد تحسين القوالب
يمكنك أن تقدم الخبر نفسه في فيديو قصير، وبودكاست، ومنشور تفاعلي، ورسوم بيانية، لكن إن ظل الجمهور يعتقد أنَّ الحقيقة ناقصةز
فكل هذا ليس إلا إعادة تغليف للنص! مشكلة الإعلام المصري أنَّ رسائله غير مقنعة، ورتيبة، ومكررة!
لهذا تبدو بعض توصيات التقرير محكومة بمنطق الإتاحة لا بمنطق الجذب، كأننا إذا أتحنا محتوى أكثر، على منصات أكثر، وبصور أكثر، سيعود الجمهور!
لكن الجمهور اليوم لا يعيش في فراغ، إنَّه يعيش في مجال ينافس الإعلام فيه تيك توك، ويوتيوب، ونتفليكس، ووتش إت، وشاهد، والألعاب الإلكترونية، والمؤثرون، والكوميكس، والميمز، والمحادثات الخاصة، وملايين الرسائل القصيرة التي تخطف العين في ثانية!
التقرير يلمح إلى هذا حين يذكر أنَّ “75% من الجمهور يشاهدون نوعاً من المحتوى الإخباري المرئي أسبوعياً على الأقل حسب تقرير معهد رويترز 2025”
ويدعو إلى التركيز على الفيديو القصير بوصفه “ليس خياراً إضافياً، بل كقالب أساسي في إعلام الناس”
هذا صحيح في مستوى الشكل
لكنَّ السؤال:
أي فيديو قصير؟
هل نريد أن نحول البيان الطويل إلى بيان قصير؟
هل سنضغط الخطاب الرسمي في ستين ثانية؟
هل سننتج “ريلز” بنفس عقل النشرة؟
الفيديو القصير ليس عصا سحرية، والجمهور لا يحب الفيديو القصير لأنَّه قصير فقط، بل لأنَّه مباشر، ومكثف، وذكي، وسريع الإيقاع، وأحياناً أكثر جرأة من الوسائط التقليدية.
فإذا انتقل الخوف القديم إلى القالب الجديد، فلن نحصل على إعلام شبابي، بل على ملخصات رشيقة للرتابة!
الأمر نفسه ينطبق على “صحافة المجتمعات” التي يشير إليها التقرير بوصفها وسيلة لـ”بناء الثقة بدلاً من النقرات”
هذه توصية ممتازة، لكنها تحتاج إلى قلب فلسفي كامل
صحافة المجتمعات لا تعني أن ترسل المؤسسة القديمة صحفياً إلى المجتمع ليشرح له ما تراه مهماً، بل تعني أن تسمع المجتمع، وتفهم لغته، وتعرف مشكلاته الصغيرة التي لا تدخل نشرات السياسة
تقبل أن يكون المواطن مصدراً لا مجرد مستهلك، وتعني أنَّ أخبار القرية، والحي، والمدرسة، والمستشفى، والمواصلات، والمياه، والأسعار، والخدمات، ليست هامشاً ناعماً، بل جوهر العلاقة بين الإعلام والناس، فالجمهور لا يعود إلى الإعلام لأنه يحب الإعلام؛ بل يعود حين يرى حياته فيه.
في التقرير، تظهر مركزية القاهرة كواحدة من فجوات التفكير الإعلامي.
كثير من خطط التطوير تبدأ من المؤسسات الكبرى، من ماسبيرو، ومن الصحف القومية، ومن المنصات المركزية، ومن الاستوديوهات، ومن الهيئات.
أما الجمهور في الصعيد، والدلتا، وسيناء، والحدود، والمدن الصغيرة، فيظهر غالباً بوصفه امتداداً رقمياً لجمهور العاصمة.
لكن مصر ليست غرفة أخبار في القاهرة
ما يراه مواطن في سوهاج أو مطروح أو كفر الشيخ ليس بالضرورة ما يراه محرر جالس قرب المركز.
إذا لم يصبح الإعلام المحلي والإقليمي قلباً في خطة الإصلاح، فسنظل ننتج إعلاماً “وطنياً” يتحدث من العاصمة أكثر مما يسمع من الوطن.
مع التطورات التكنولوجية الحديثة، لم يعد الجمهور قارئاً أو مشاهداً أو متلقياً سلبياً، بل أصبح منتجاً ومصححاً، وناشراً، ومعلقاً، وساخراً.
أصبح الجمهور صانعاً إعلامياً أصيلاً
لهذا يقترح التقرير تأسيس “مظلة إعلامية رقمية تستقطب صناع المحتوى والمؤثرين الإلكترونيين”
وهذا اعتراف مهم بتحول المشهد، ولكن لابد من الإشارة إلى أن صانع المحتوى نجح غالباً لأنه كان خارج اللغة الثقيلة للمؤسسة، وخارج إيقاعها، وخارج هياكلها.
فإذا استدعته المنظومة لكي تمنحه بطاقة وتطلب منه أن يتكلم بلسانها، فستفقده سبب قوته.
ثم تأتي قضية شكاوى الجمهور:
التقرير يقترح “إنشاء وحدات داخل المؤسسات الصحفية والإعلامية لشكاوى الجمهور من الإعلام ومراقبة اتجاهات الرأي العام باستخدام الذكاء الاصطناعي”
هذه الفكرة، من حيث المبدأ، مهمة وجيدة، ولكن شكاوى الجمهور ليست صندوق بريد إدارياً، ولا لوحة قياس للمزاج العام، ولا أداة لمعرفة ما يزعج الناس لكي نعيد إدارته.
الشكوى الحقيقية يجب أن تكون حقاً علنياً في الرد والتصحيح والمساءلة.
لا يحتاج الجمهور فقط إلى نافذة شكوى، بل إلى ضمانة أن شكواه ستُرى، وتُفحص، ويُعلن ما ترتب عليها.
هنا يغيب مفهوم “حماية المستهلك الإعلامي”:
التقرير يهتم بحقوق الصحفيين والمؤسسات، وهذا مهم، لكنه لا يعطي بالقدر نفسه مساحة كافية لحقوق الجمهور.
الحق في الرد، الحق في التصحيح، الحق في معرفة مصادر المعلومة، الحق في التمييز بين الإعلان والتحرير، الحق في معرفة ما إذا كان المحتوى مولداً بالذكاء الاصطناعي، والحق في ألا يتحول إلى مادة لاستعراض إعلامي أو تشهير رقمي.
وإذا كان الإعلام سلطة رمزية، فالجمهور يحتاج إلى حماية من إساءة استخدامها، لا فقط إلى محتوى أفضل منها.
أما في ملف الشائعات والتضليل، فالتقرير يتحدث عن “إنشاء وحدات وطنية منسقة لمكافحة التزييف والتضليل المعلوماتي”.
وهذا اقتراح جيد ومطلوب، لكن الشائعة لا تنتصر فقط لأنها خبيثة، بل لأنها تجد فراغاً.
حين تتأخر المعلومة، تزدهر الرواية البديلة، وحين يصمت المصدر الرسمي، يصبح كل حساب مجهول مصدراً محتملاً.
وحين يعتاد الجمهور على نصف الحقيقة، يذهب للبحث عن النصف الآخر في أماكن أكثر فوضوية!
لذلك فإن مكافحة التضليل لا تبدأ بوحدة رصد، بل تبدأ بسياسة إفصاح.
الأخطر أن التقرير لا يمنح التربية الإعلامية والرقمية مكاناً مركزياً كافياً
إذا كنا نعيش في عالم أخبار زائفة، وتزييف عميق، وخوارزميات منحازة، ومنصات مضللة، فلا يكفي أن نقيم وحدة لمكافحة التضليل.
يجب أن نعلّم المواطن كيف يفرز، ويشك، ويتحقق، ويقارن، ويفهم كيف تعمل المنصات.
إن المواطن الذي لا يملك أدوات القراءة النقدية سيظل ضحية جاهزة.
التقرير، وهو يتحدث عن “ماذا يريد الجمهور؟”
يحتاج إلى سؤال آخر: ماذا فعل الإعلام بالجمهور حتى لم يعد يريده؟
لقد جرى التعامل مع الناس طويلاً بوصفهم جمهوراً يجب توجيهه، لا مواطنين يجب احترامهم، قيل لهم ما المهم، وما الخطر، وما الصواب، وما يجب أن يثير غضبهم، وما يجب أن ينسوه.
لكنَّ الجمهور الحديث لا يقبل بسهولة أن يكون طالباً في فصل أبدي.
ولذلك فإن استعادته لا تكون بنداء وطني ولا بتطوير تقني، بل بعقد جديد قائم على الاحترام:
نقول لك ما نعرفه، نصحح إذا أخطأنا، نسمعك إذا اعترضت، ولا نعاملك كقاصر إعلامي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث أن نفهم “عودة الجمهور” كهدف دعائي.
ليست المسألة أن يعود الجمهور إلى مقاعد المتفرجين، بل أن يعود الإعلام إلى موقعه كوسيط موثوق بين الواقع والناس.
الفارق بينهما كبير:
الأول يريد أرقام مشاهدة، والثاني يريد علاقة ثقة؛ الأول يطارد الانتباه، والثاني يستحقه.
الأول يسأل: كيف نجعل الناس يشاهدون؟ والثاني يسأل: كيف نصبح جديرين بأن يشاهدونا؟
لهذا فإن الجزء الغائب في خطة تطوير الإعلام ليس منصة أخرى، ولا تطبيقاً جديداً، ولا موجة برامج، بل إعادة تعريف الجمهور نفسه.
الجمهور هو صاحب الحق الأصلي في الإعلام، من أجله توجد الخدمة العامة.
وباسمه تُطلب حرية المعلومات، ومن ثقته تأتي شرعية الصحافة، ومن وقته تأتي قيمة المنصة، ومن قدرته على التصديق أو الانصراف يتحدد مصير أي مشروع إعلامي.
ما لم يبدأ الإصلاح من هذا المعنى، سيظل التقرير يسأل السؤال الصحيح في المكان الخطأ.
نعم، يجب أن نسأل:
ماذا يريد المواطن من الإعلام المصري؟
لكن قبل ذلك يجب أن نسأل: لماذا توقف المواطن عن الانتظار؟
لماذا خرج من القاعة بينما لا تزال المنصة تتحدث؟
ولماذا صار يبحث عن الحقيقة في أماكن لا نحبها، بدل أن يجدها في مؤسسات يفترض أنها بُنيت لخدمته؟
أما قبل ذلك، فسنظل نبني منصات جديدة لجمهور قديم لم يعد موجوداً
ننتج محتوى “مفيداً” لا يطلبه أحد، ونقيس اتجاهات رأي لا نجرؤ على سماعها كاملة، ونحارب شائعات كان يمكن أن نقتلها بمعلومة صادقة في وقتها.
وسنكتشف، مرة أخرى، أن المشكلة ليست أن الجمهور لا يعرف طريق القاعة؛ المشكلة أنه دخلها من قبل، وشاهد العرض نفسه طويلاً، ثم خرج ولم يلتفت!






