د. فاروق شرف يكتب: محمد فريد الرجل الذي دفع ثمن الوطن من ماله وعمره

صورة للزعيم محمد فريد (أرشيف)
من قاعات المحاكم إلى ميادين القاهرة
حكاية محمد فريد الزعيم الذي حمل قضية وطنه حتى آخر نفس”
عندما نقف أمام تماثيل الميادين لا ينبغي أن نراها مجرد كتل صامتة من البرونز، فخلف كل تمثال إنسان عاش حلمًا، ودافع عن قضية، وترك أثرًا يتجاوز حدود الزمن.
من بين هذه التماثيل يقف تمثال الزعيم محمد فريد شاهدًا على قصة رجل لم يكن النضال عنده شعارًا، بل كان أسلوب حياة دفع ثمنه من راحته وماله ومستقبله.
نشأة رجل حمل هم الوطن
ولد محمد فريد عام 1868م لأسرة ذات أصول تركية، وتلقى تعليمه في مدرستي الألسن والحقوق، ثم عمل في النيابة واحترف المحاماة، لكنه لم يكتفِ بمهنته؛ فقد كان صاحب عقل باحث وقلم مثقف.
اهتم بالتاريخ والفكر، فكتب عددًا من المؤلفات المهمة، منها “من مصر إلى مصر”
و”رحلة إلى بلاد الأندلس ومراكش والجزائر”
و”تاريخ الرومانيين”، كما شارك في إصدار مجلة علمية بعنوان “الموسوعة”، ليجمع بين شخصية السياسي والمفكر.

من الكلمة إلى ميدان النضال
ارتبط اسم محمد فريد بالحركة الوطنية المصرية في بدايات القرن العشرين، وكان رفيقًا للزعيم مصطفى كامل باشا في الدفاع عن قضية مصر أمام الرأي العام الأوروبي.
بعد وفاة مصطفى كامل تولى رئاسة الحزب الوطني عام 1908م، ليكمل مسيرة الكفاح في ظروف سياسية صعبة، حيث كانت حرية الصحافة والعمل الوطني تحت ضغوط شديدة.
لم يكن محمد فريد سياسيًا فقط، بل كان مؤمنًا بأن بناء الوطن يبدأ من الإنسان.
لذلك اهتم بنشر التعليم، وأنشأ المدارس الليلية المجانية للفقراء.
كما ساهم في وضع بدايات العمل النقابي في مصر بإنشاء أول نقابة للعمال عام 1909م.
رجل صنع قوة الجماهير
من أبرز ما يميز تجربة محمد فريد أنه كان قادرًا على تحويل الفكرة إلى حركة شعبية، فقد شهدت مصر على يديه مظاهرات وطنية واسعة للمطالبة بالدستور والحقوق السياسية.
ولم يكن طريقه سهلًا؛ فقد تعرض للمحاكمة بسبب نشاطه الوطني، ثم اضطر إلى مغادرة مصر عام 1912م، لكنه لم يعتبر المنفى نهاية النضال، بل جعله منصة جديدة للدفاع عن قضية وطنه، وشارك في مؤتمرات دولية مثل مؤتمر السلام في جنيف ولاهاي.

التمثال حين تتحول السيرة إلى برونز
بعد رحيل محمد فريد عام 1919م، ظل اسمه حاضرًا في الذاكرة الوطنية، حتى جاء تخليده فنيًا من خلال تمثال برونزي نفذه الفنان المصري منصور فرج عام 1958م.
كان التمثال في بدايته بشارع 26 يوليو بين قسمي حديقة الأزبكية.
إلا أن موقعه لم يكن يُظهر قيمته بالشكل الكافي، فكان وجوده محجوبًا نسبيًا عن أعين الجمهور.
ثم انتقل التمثال لاحقًا إلى ميدان محمد فريد (أبو ظريفة سابقًا)، وأقيم على قاعدة جديدة من الجرانيت، ليعود الزعيم إلى موقع أكثر حضورًا في قلب القاهرة.
حكاية الترميم… حين يكشف البرونز أسراره
أثناء دراسة حالة التمثال لوحظت ظاهرة مهمة؛ إذ تبين أنه من الحالات النادرة لتماثيل البرونز المصابة بمرض البرونز، خاصة في منطقة الظهر.
هذا المرض ليس مجرد تغير شكلي، بل هو نتيجة تفاعلات كيميائية تؤثر في معدن البرونز مع الزمن والعوامل البيئية، ولذلك تحتاج مثل هذه الأعمال إلى دراسة دقيقة وعلاج متخصص يحافظ على القيمة الفنية والتاريخية للعمل.
هل يستحق محمد فريد أن يبقى حاضرًا في الذاكرة؟
إن تمثال محمد فريد ليس فقط تكريمًا لشخص، بل هو تذكير بجيل آمن بأن الوطن يحتاج إلى العلم والفكر والتضحية.
فقد ترك لنا رجلًا لم يملك جيشًا ولا منصبًا دائمًا، لكنه امتلك ما هو أقوى… إيمانًا بفكرة الوطن.
ولهذا فإن السؤال لا يكون فقط: أين يقف التمثال؟
بل الأهم:
هل ما زلنا نقرأ الحكاية التي يقف هذا الأثر ليحكيها؟
فاروق شرف.
مدير ترميم تماثيل الميادين.






