السودان في عام الحرب الرابع بين انقسام الأرض ودبلوماسية المسارات
ورغم التوصيفات الأممية التي تصنف الأزمة السودانية كأكبر كارثة نزوح وجوع في العالم المعاصر،تواصل الآلة العسكرية لكل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع حصد الأرواح.

صورة تعبيرية للتقرير
دبلوماسية المسارات اللامتناهية
بورتسودان/ واشنطن/ عواصم — وكالات الأنباء – اخر الكلام
دخل الصراع الدامي في السودان عامه الرابع وسط تحولات إستراتيجية وميدانية قلبت موازين القوى جزئياً، لتتحول البلاد إلى ساحة جغرافية مقسمة بعمق بين كتلتين عسكريتين رئيسيتين، في ظل جمود دبلوماسي دولي فاقم الأزمة الإنسانية.
ورغم التوصيفات الأممية التي تصنف الأزمة السودانية كأكبر كارثة نزوح وجوع في العالم المعاصر،تواصل الآلة العسكرية لكل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع حصد الأرواح.
بالتزامن مع بروز ظاهرة “الانشقاقات القبلية” وتوسيع رقعة القتال نحو جبهات حدودية جديدة.
مما جعل آمال التوصل إلى هدنة قريبة تتلاشى خلف غبار المعارك المستعرة في النيل الأزرق وكردفان ودارفور.
خطوط التماس الجديدة وحرب الاستنزاف الحدودية
ترسم التطورات العسكرية الأخيرة خارطة سيطرة شديدة الانقسام؛ حيث يفرض الجيش السوداني نفوذه شبه الكامل على ولايات الشمال، والوسط، والشرق، بالإضافة إلى تمديد إحكام قبضته على العاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة.
في المقابل، تحكم قوات الدعم السريع قبضتها على معظم إقليم دارفور وولاية غرب كردفان وأجزاء واسعة من ولايات كردفان الأخرى، مدعومة بالتحالفات القبلية وسيطرتها السابقة على مدينة الفاشر.
وخلال الساعات الماضية، رصدت وسائل الإعلام العالمية تصاعداً خطيراً في العمليات العسكرية على عدة محاور إستراتيجية:
إقليم النيل الأزرق وجبهة الكرمك:
يقود الجيش السوداني (عبر الفرقة الرابعة مشاة) هجوماً واسع النطاق بهدف استعادة مدينة “الكرمك” الإستراتيجية الواقعة على الحدود الإثيوبية.
وأعلن الجيش تدمير آخر معاقل التحالف المشترك بين الدعم السريع والحركة الشعبية (جناح عبد العزيز الحلو) في محيط المدينة، بالتوازي مع إحباط مخطط لإسقاط محافظة “قيسان” واستعادة بلدات “البركة”، و”كرن كرن”، و”دوكان”.
محور الدلنج وجنوب كردفان:
تشهد مدينة الدلنج مواجهات وصفت بالأعنف عقب نجاح “القوة الجوالة” التابعة للجيش في كسر الحصار الجزئي المفروض على المدينة، وإدخال تعزيزات عسكرية ضخمة عبر المحور الشرقي المار بمنطقتي “هبيلا” و”التمكة” بعد معارك طاحنة تسببت بخسائر بشرية هائلة.
إيران بعد الحرب: تسوية سياسية أم هدنة مؤقتة؟
نيران الجنوب تلتهم الخطوط الحمر
تصعيد المسيرات والعمق الحماسي:
دخلت الهجمات المتبادلة بالطائرات المسيّرة مرحلة قياسية؛ إذ أفادت تقارير لجان المقاومة بشن الدعم السريع ضربات مكثفة استهدفت محطات الكهرباء والمرافق الخدمية الحيوية في “الدمازين” و”سنجة”
فضلاً عن تعرض مطار نيالا لغارات جوية متكررة أسفرت عن تدمير مسيرات بداخلها.
وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن سلاح المسيّرات وحده حصد أرواح ما لا يقل عن 880 مدنياً خلال الأشهر القليلة الماضية.
ظاهرة الانشقاقات: إعادة رسم التحالفات تحت ضغط القبيلة
أبرز ما تناولت التحليلات السياسية في الصحافة العالمية مؤخراً هو تزايد حدة الانشقاقات الداخلية التي تضرب تماسك قوات الدعم السريع؛ فالولاءات القبلية، التي شكلت في بداية الحرب مصدر القوة الضارب للمليشيا، بدأت تتحول إلى تهديد وجودي لها.
وبعد الانشقاق الشهير للقائد أبو عاقلة كيكل في ولاية الجزيرة، سجلت الأيام الماضية انشقاقات متتالية لقادة بارزين ينتمون لقيسان والمسيرية، وإعلان انضمامهم بكامل قواتهم وعتادهم إلى صفوف الجيش السوداني.
ويرى خبراء عسكريون أن هذه الانشقاقات بدأت تُضعف الحاضنة الاجتماعية للدعم السريع في مناطق غرب السودان وتفقدها مرونتها الميدانية، مما يدفعها لشن هجمات انتقامية عنيفة ضد القرى والمدنيين، كان آخرها الهجوم على قرى بشمال كردفان والذي أسفر عن مقتل أكثر من 30 مدنياً.
البرهان يحسم الجدل ومفاوضات واشنطن المتعثرة
سياسياً، يخوض السودان معركة لا تقل شراسة في أروقة المباحثات الدولية وسط تعدد المسارات وتناقضها المستمر.
وفي أحدث موقف رسمي، حسم رئيس مجلس السيادة الانتقالي.
الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الجدل الدائر حول وجود تفاهمات سرية؛ حيث نفى بشكل قاطع في خطاب جماهيري الأنباء المتداولة حول اتفاقات غير معلنة جرت في “المنامة” أو “رواندا”
مؤكداً المضي قدماً في المعركة العسكرية لاستعادة إقليم دارفور وتطهير البلاد كلياً من “المرتزقة”
ومع ذلك، لا تزال قنوات الاتصال الدبلوماسي مفتوحة؛ إذ تتابع الأوساط السياسية زيارة وزير الخارجية السوداني، محي الدين سالم أحمد، إلى العاصمة الأمريكية واشنطن بناءً على دعوة رسمية من الإدارة الأمريكية.
ووفقاً للتقارير، تركز مباحثات واشنطن على محاولة صياغة مسار إنساني عاجل، بالبناء على “خارطة الطريق” التي اعتمدها مؤتمر برلين مؤخراً لإقرار هدنة فورية.
لكن هذا المسار يصطدم بالاشتراطات الصارمة التي تضعها بورتسودان، والتي تلزم الدعم السريع بالانسحاب الكامل من المدن والأعيان المدنية قبل البدء في أي ترتيبات سياسية، في حين يصر الكونغرس الأمريكي على تصعيد الضغوط وإدانة طرفي الحرب لانتهاكهما القانون الدولي.
وفي خطوة لافتة لترتيب المشهد الداخلي، أعلن البرهان عن بدء الترتيب لحوار سياسي سوداني-سوداني يضم القوى السياسية الداعمة لمؤسسات الدولة، بهدف إكمال مرحلة الانتقال الديمقراطي وتشكيل حكومة كفاءات فور انتهاء العمليات العسكرية.
مجاعة صامتة واقتصاد منهار
تؤكد تقارير منظمات الإغاثة الدولية (مثل العفو الدولية والمنسقية الأممية لشؤون الإنسانية) أن الحرب المستمرة خلّفت واقعاً معيشياً مرعباً يتجاوز كل الخطوط الحمراء.
فالبلاد تواجه شبح انهيار اقتصادي كامل يتجلى في أزمة سيولة نقدية خانقة وتراجع قياسي في أسعار الذهب والعملة المحلية داخل الأسواق.
ومع تخطي أعداد النازحين واللاجئين حاجز الـ 18 مليون شخص، واقتراب عدد الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد من 20 مليون جائع.
يواجه القطاع الصحي انهياراً تاماً جراء النقص الحاد في الأدوية واستهداف المستشفيات. ورغم توقيع الحكومة السودانية اتفاقية طارئة بقيمة 83 مليون دولار مع البنك الأفريقي للتنمية لدعم قطاع الزراعة والأمن الغذائي.
إلا أن استمرار إغلاق الطرق البرية والمحاصصة العسكرية للمساعدات يحولان دون وصول الإغاثة إلى مستحقيها في إقليمي دارفور وكردفان المعزولين.
يظل المشهد السوداني مفتوحاً على كل الاحتمالات، فبينما يحرز الجيش تقدماً ميدانياً نوعياً في الشرق والجنوب ويتمسك بخياره العسكري لحسم المعركة، تواصل قوات الدعم السريع استماتتها في معاقلها الغربية.
ليبقى المواطن السوداني العالق بين مطرقة الرصاص وسندان الجوع هو الضحية الأكبر لحرب لا تبدي أطرافها أي رغبة حقيقية في وضع أوزارها.





