مقالات
د. مجدي قرقر
د. مجدي قرقر

أستاذ جامعي وكاتب

د. مجدي قرقر يكتب: طوفان من الحب في وداع خالد فهمي

كان خالدا أستاذا بارعا في قاعات الدرس، متحدثا لبقا فقيها في الندوات والمحاضرات واللقاءات المتلفزة، كان مبدعا ولم يكن ناقلا أو معلما تقليديا نمطيا

مشاركة:
حجم الخط:

هيبة ورصانة وهموم أمة أخفت عمره الحقيقي

منذ عرفته وأنا أحسبه قريبا في عمره مني، أكبره بخمسة أو عشرة أعوام على الأكثر، إلا أنني فوجئت به ذات يوم يكتب على صفحته: “مجدي قرقر، أكثر من صديق، لأنه من طبقة أساتذتي”
يا الله (من طبقة أساتذتي)، لا ألق بالا لما يقول، لعله تواضع منه، أو لعلها مجاملة، ففرق السن بيننا ليس بكبير.
ويودعنا أخي الحبيب الأستاذ الدكتور خالد فهمي لأكتشف أنه قد فارقنا عن عمر بلغ خمسة وخمسين عاما، أي أنه يصغرني بثمانية عشر عاما، يا الله، لم يكن مظهره يوحي بذلك، أدرك متأخرا أنه سبق عمره بسنوات بهيبته ورصانته وهموم الأمة والأخطار المحدقة باللغة العربية التي أثقلت كاهله.

طوفان من الحب يودع خالد فهمي

ودعنا خالد يوم الثلاثاء الماضي التاسع عشر من مايو، ولكنه قبل أن يودعنا بشهور قليلة في الثلاثين من يناير الماضي كان قد كتب على صفحته:

“أقصى ما يمكنني تحصيله بعد الموت أسبوع حزن ممن حولي ثم ينشغل الجميع عني”

فكتبت يوم وفاته أقول: “يعوضك الله أخي الحبيب حصاد الآخرة بحصاد الدنيا، رحمك الله رحمة واسعة وأسكنك فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا”

ويمر يوم ويومان وثلاثة، وها هو الأسبوع قد أوشك على الانصراف وطوفان الحب في وداعه لا ينقطع، فلقد امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي برثاء الدكتور خالد فهمي حتى ليظن المرء أن مصر كلها كانت تعرفه وتحبه، وأنه كان يعرف كل أهلها، أهذا صحيح أم أنني أبالغ؟

وإذا كان هذا صحيحا فكيف له بكل هذا الحب؟

خالد فهمي، المجامل، المتواضع، جابر الخواطر

كيف له بكل هذا الحب؟

هل هو أثره العلمي وما خلفه من بحوث وتسجيلات؟

الكثيرون رحلوا وتركوا إسهامات علمية متميزة ولكنهم لم يودعوا بمثل هذا الطوفان من الحب، إجابة السؤال وضحت وضوح الشمس في رسائل الرثاء.

إنه التواصل الإنساني الذي كان يقوم به عبر صفحته أو هاتفه أو من خلال لقاءاته والتي ملأها بالحب، فبادله الناس – كل الناس – حبا بحب.

امتلأت صفحته على الفيس بوك برسائل التهنئة والمجاملة والتعزية والنعي والدعوات بالشفاء وجبر خواطر محبيه، كان إنسانا قبل أن يكون عالما ومفكرا وأديبا.

ولقد نالني من مجاملات خالد فهمي الكثير

يكتب لي في ذكرى مولدي: “كل عام وسيدي الحبيب بخير وصحة وعافية”، فأجيبه “مولانا وسيدنا: متعكم الله بالصحة والستر وراحة البال ونعمة طاعته، دام عطاؤكم وإبداعكم وحكمتكم”.

يكتب مجاملا: “لك فضل لا يكافئ عليه إلا الله العلي القدير”، فأجيبه: “بل الفضل كل الفضل بعد الله سبحانه وتعالى هو لأخي الكبير الأستاذ الدكتور خالد فهمي أعزه الله وبارك في كل عمله وجعله خالصا لوجهه وفي ميزان حسناته وجعل في علمه منفعة للناس وشفيعا له يوم القيامة”

يكتب: “مجدي قرقر، أكثر من صديق، لأنه من طبقة أساتذتي، وطني مخلص، ومثقف حقيقي، وإنسان، عرفته، وأحبه وأحييه”، فأجيبه: “سيدنا وتاج رأسنا أستاذنا الكريم والكبير دكتور خالد فهمي، ليس بالسن ولكنه بالعلم فنحن نتعلم منكم، أعلن سيدي عن أنشطتك العلمية المتميزة مسبقا تجدنا قد سبقناك إلى قاعات الدرس في انتظار إبداعكم”

يكتب: “لك في قلبي منزلة كبيرة من الحب والتقدير، مجدي قرقر جبل من النبل والنقاء”، فأجيبه: “وبحبكم وتقديركم تزداد منزلتنا، فهو شرف تتوجون به رأسنا، وليس لدينا ما نلقى به كرمكم سوى دعاء لله بحفظكم”

تكليف فيه تشريف

استقبلت في عام 2018 بمزيد من الاهتمام والامتنان والتردد دعوة أخي الكريم والعالم الجليل الأستاذ الدكتور خالد فهمي بأن يكون لي إسهام بكتابة تقدمة لكتابه الجديد والذي عنونه بـ “إسهام المعجمية العربية المختصة في تعزيز قضايا التنمية المستدامة”

وهو تكليف ثقيل أن يقوم شخصي الضعيف بهذا الإسهام في كتاب لقامة كبيرة مثل الأستاذ الدكتور خالد فهمي، ورغم ترددي تخوفا من ثقل المسئولية إلا أنني لم أملك إلا أن أستجيب داعيا الله أن أكون عند حسن ظنه وألا أفسد كتابه البديع في مادته وصياغته.

وزاد من العبء أنني علمت بعد أن كتبت المقدمة التي عنونتها بـ “التنمية المستدامة والعمران البشري” أن أستاذنا وشيخنا المستشار طارق البشري كتب تصديرا للكتاب فزادني ذلك شرفًا ما بعده شرف.

الدكتور خالد فهمي
الدكتور خالد فهمي

خالد فهمي في قاعات الدرس

كان خالدا أستاذا بارعا في قاعات الدرس، متحدثا لبقا فقيها في الندوات والمحاضرات واللقاءات المتلفزة، كان مبدعا ولم يكن ناقلا أو معلما تقليديا نمطيا؛ يملأ قاعة الدرس نشاطا وحيوية وبهجة بروحه المرحة رغم ثقل ما يقدمه ودسامته، إنه الحب الذي كان يحبه لمهنته والود والعطف الذي يحمله لطلبته وتلامذته.

في كلية آداب المنوفية قام بتدريس مقررات الليسانس:

المدخل إلى علم اللغة، وعلم اللغة: الدلالات والتراكيب، وفقه اللغة، والمعاجم، والأصوات والتجويد، والمصادر اللغوية، ومقرَّرات الدراسات العليا: تحقيق النصوص، ومناهج البحث اللغوي، والمصطلحية، وصناعة المعجم الحديث، والاتجاهات اللغوية المعاصرة.

خالد فهمي وأنشطته العلمية

لم يكتف الدكتور خالد فهمي بدوره كأستاذ جامعي، بل ملأ الدنيا بنشاطه الفكري والثقافي في عشرات اللجان والهيئات نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

خبير بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، عضو اتحاد كتَّاب مصر، رئيس مجلس إدارة دار الكتب المصرية الأسبق

عضو المجلس الأعلى للتعليم قبل الجامعي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية

مقرِّر لجنة إحياء التراث الإسلامي به، ورئيس التحرير التنفيذي لمجلة بحوث كلية الآداب بجامعة المنوفية

مستشار بمجلة بحوث كلية التربية، وغيرها من عشرات الأنشطة التي لا يتسع المجال لذكرها.

خالد فهمي اللغوي الأديب الفقيه وآثاره العلمية

إن ما خلفه الدكتور خالد فهمي من إسهامات لغوية وفكرية ومؤلفات يشهد له بالتفرد والتميز في عمره العملي القصير (خمسة وثلاثون عاما)

إذ تخرج من كلية الآداب عام 1991م وتُوفِّي عام 2026م، ورغم ذلك فلقد حقق أكثر من عشرة كتب في مجال تحقيق التراث ونحو إحياء جديد لعلم تحقيق النصوص التراثية ، وألف نحو ستين كتابا في مجالات:

المعاجم واللسانيات والمصطلحات، الدراسات اللغوية، النقد، الدراسات القرآنية وفقه اللغة القرآنية، فقه اللغة والتحليل البلاغي في السيرة والسنة النبوية، مقاصد علم اللغة في الحضارة العربية الإسلامية.

أكثر من مجموعة قصصية ورواية، ودراسات نقدية في الشعر، إضافة إلى عشرات البحوث والمقالات ومقدمات الكتب، وعشرات البحوث التي قدمت في المؤتمرات والندوات، والمحاضرات الصوتية والمرئية على قنوات (يوتيوب) وفي مقدمتها سلسلة عن القرآن الذي يتنزل من جديد.

خالد فهمي يستعد للرحيل

لفت نظر الكثيرين منشوراته المتعاقبة في الشهور الأخيرة التي بدا فيها كأنه يتجهز للقاء ربه!، فكما كتب الأستاذ الدكتور وجيه يعقوب السيد:

أكثر ما أحزنني وآلمني أن خالدا في الفترة الأخيرة كان مرهقا وحزينا ويتألم في صمت دون أن يبوح بشيء وكلما سألته عن سبب حزنه لعلي أستطيع مساعدته يصمت ولا يقول شيئا لكن منشوراته القصيرة كانت كافية لتخبر أنه ليس بخير كما كان قلبي يحدثني بأنه يتألم ويحمل هما فوق طاقته.

أراد الله لخالد فهمي عمرا قصيرا ولكنه كان عمرا مباركا

عجبت للدكتور خالد فهمي! الكل يكتب أنه قد التقاه او هاتفه او تواصل معه كتابة وفوق هذا كله كتب نحو ستين كتابا وكان خبيرا في مجمع الخالدين ومحاضرا في قاعات الدرس.

لم يكتب الله له عمرا طويلا ولكنه سبحانه بارك له هذا العمر.
يقول الأستاذ الدكتور هشام العربي:

قليلون في الناس من يتركون بصمات لا تمحوها السنون، وأحسب أن الدكتور خالد فهمي واحد منهم.
تغمده الله برحمته وتقبله قبولا حسنا، وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.

شارك المقال: