مقال بوك
أيمن تيسير دلول
أيمن تيسير دلول

كاتب وإعلامي فلسطيني

ثلاثة أعوام وغزة بلا حجّ وأضاحي يا أمة المليار!!

لتعلَموا يا أبناء عروبتنا أن غياب شعيرة الأضحية في غزة ليس مجرد غياب للحم، بل هو تكريس لحالة العزل والترك والخذلان التي تُمارَس بحق شعب لم يطلب سوى حريته وكرامته.

مشاركة:
حجم الخط:

ترتفع أصوات تلبية الحجيج هذه الأيام في الديار المقدسة نحو السماء، ويمتزج هتافهم الخالد: “لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك

” بدموع الفرح والخشوع، أما من أزقة غزة المدمرة وبطون خيامها المهترئة، فتصعد إلى الله آهاتُ الحرمان والانكسار.

ثلاثة أعوام على التوالي،

يُحرم أهالي قطاع غزة بفعل آلة الحرب الإسرائيلية، وبفعل العجز والخذلان، من تأدية مناسك الحج، وتغيب عن بيوتهم ومخيماتهم شعائر ذبح الأضاحي؛ وربما الأضاحي عندهم ليست بذبح الأنعام، ولكنها بقتل أطفالهم ونسائهم أمام ناظريهم بآلة الإبادة المتواصلة.

يا أبناء أمتنا العربية والإسلامية، إليكم نكتب؛ صحيح أننا كتبنا لكم الكثير بحبر الدم من وسط هذه الإبادة فلم يحرك ذلك فيكم شيئاً

لكننا اليوم نكتب لكم عتاباً آخر بطعم الدم والرماد، كي لا تكتبوا في التاريخ أننا لم نخبركم!

إن عتابنا اليوم يخرج من قلوبٍ أتعبها الوجع وأنهكها الانتظار على عتبات ضمائركم التي لم تستيقظ بعد، رغم أن من يحيط بفلسطين هي أراضٍ ترفرف عليها أعلامٌ عربية، وتهتف:

“بالروح بالدم نفديكِ يا فلسطين!”

كان من المفترض، وفق كل شرائع الدين والعروبة والإنسانية، أن يكون حج هذا العام استثنائياً لأهل غزة بالذات.

كان ينبغي على العواصم المسؤولة عن هذه الشعيرة، وعلى الأمة بأسرها، أن تُطبق شعاراتها بالدعم والوقوف إلى جانب فلسطين وغزة، ونراها واقعاً ملموساً حتى نصدق محبتهم لنا.

بل كان من الواجب بعد الإبادة التي عاشتها غزة ولا تزال

قلب الموازين وتكسير القيود والبروتوكولات المعمول بها في الحج، لتفسح المجال لأوسع عدد ممكن من الغزيين، بل لأضعاف أضعاف الأعداد التي كانت تخرج في الأعوام الماضية.

كان هذا هو الواجب الأخلاقي والديني لإخراج هؤلاء البشر من الحالة النفسية الكارثية التي عاشوها -ولا يزالون- جراء حرب الإبادة والعدوان المتواصل الذي لم يترك بيتاً إلا وهدمه، ولا عائلة إلا وفجعها بحبيب.

كيف يغيب عن بالكم يا أصحاب “السمو والمعالي”

أن في غزة أرواحاً كانت تتوق لتقبيل الحجر الأسود لعلها تنسى مسح الدماء عن وجوه أطفالها؟

كيف لم تلتفتوا إلى أن في قطاعنا المذبوح آلاف الأمهات الثكالى والآباء المكلومين، الذين تمنوا “شربة ماء” من زمزم تغسل غصّات قلوبهم المحترقة على فلذات أكبادهم؟

كان المفترض بأن الحج لغزة هذا العام يمثل بلسماً لجراح الإبادة، ومحطة لالتقاط الأنفاس لبقية باقية من الأحياء، لكن الخذلان آثر إلا أن يتركنا وحدنا، نصارع الموت والحصار حتى في أقدس شعائر الله!

ومع غياب الحج، يحل عيد الأضحى على القطاع بلا أضاحي،

وهو ما يحدث كذلك للعام الثالث على التوالي؛ فالمعابر مغلقة، والأسواق خاوية، والفقر والجوع ينهشان الأجساد النحيلة، وما يتم تسريبه لنا من تلك المعابر هو ما يسمح به “ترامب ونتنياهو” لنبقى كالعصفور المذبوح داخل القفص.

أين قوافل الأضاحي ودعمكم يا أمة المليار؟

لا أتخيل كيف يطيب لكم طعام الأضاحي وأهلكم في غزة يعيشون مجاعة ممنهجة، محرومين حتى من أبسط مقومات الحياة؟!

لتعلَموا يا أبناء عروبتنا أن غياب شعيرة الأضحية في غزة ليس مجرد غياب للحم، بل هو تكريس لحالة العزل والترك والخذلان التي تُمارَس بحق شعب لم يطلب سوى حريته وكرامته.

اقتصاد النجاة يعيد تشكيل الأسواق بغزة

غزة تستقبل العيد بلا حج ولا أضاحي

اعلموا أننا لا نستجدي عطفاً من أحد،

فغزة التي قدمت تضحيات تعجز عن حملها الجبال ما زالت صابرة مرابطة، لكنه عتاب الأشقاء في زمن عزّ فيه النصير؛ نطرق به جدران خزان أمتنا، لعل هذا الصمت المطبق ينكسر ذات يوم.

نعتب عليكم لأننا اعتقدنا يوماً أن مصابنا مصابكم، وأن وجعنا وجعكم.

فبينما يطوف الحجاج حول الكعبة المشرفة، يطوف الغزيون حول ركام منازلهم وأشلاء شهدائهم، وبقايا خيامهم.

فهل ستظل غزة منسية في دعواتكم، ومتروكة في سياساتكم، ومحرومة من شعائر دينها، أم أن الأمة ستنتفض أخيراً لتعيد لغزة حقها في الحياة، وفي العبادة وشعائر الدين، وفي الطمأنينة أسوة بباقي البشر؟ أم أنها ستبقى منسية من جهدكم 

 

شارك المقال: