مقالات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

د. أيمن خالد يكتب: أخطاء إيران؟

منذ اللحظة الأولى لم يكن الهدف مجرد بناء إيران جديدة، بل إنتاج نموذج يعتقد أصحابه أنه قادر على تجاوز الحدود الجغرافية والاشتباك مع شكل النظام الدولي نفسه.

مشاركة:
حجم الخط:

حين انتصرت الثورة الإيرانية، لم تُقدِّم إيران نفسها باعتبارها دولة غيّرت نظام الحكم وأعادت ترتيب بيتها الداخلي فحسب، بل طرحت نفسها بوصفها مشروعاً سياسياً وحضارياً يحمل تصوراً مختلفاً للدولة والسلطة والهوية والعلاقات الدولية.

منذ اللحظة الأولى لم يكن الهدف مجرد بناء إيران جديدة، بل إنتاج نموذج يعتقد أصحابه أنه قادر على تجاوز الحدود الجغرافية والاشتباك مع شكل النظام الدولي نفسه.

خلال العقود الأولى بدا أن هذا المشروع يحقق مكاسب مهمة. إيران استطاعت بناء مؤسسات صلبة، وتجاوزت ظروف الحرب والعقوبات، وطورت صناعاتها العسكرية، وفرضت نفسها رقماً إقليمياً لا يمكن تجاوزه.

لكنها في المقابل كانت تنقل مركز ثقلها تدريجياً من بناء الدولة إلى توسيع المشروع، ومن تعزيز الداخل إلى إدارة النفوذ خارج الحدود.

“وهنا بدأ التناقض الذي تراكم ببطء”

أولاً: من تصدير النموذج إلى تسويق الثورة

الخطأ الأول الذي وقعت فيه إيران لم يكن امتلاك مشروع أو طموح، فكل الدول الكبرى تتحرك وفق تصورات استراتيجية. لكن الإشكالية ظهرت عندما تحولت فكرة «تقديم النموذج» إلى فكرة «تسويق الثورة».

هناك فرق كبير بين أن تجعل الآخرين يرغبون بتجربتك، وبين أن تجعلهم يشعرون أن هذه التجربة تريد الوصول إليهم.

ومع الوقت، لم يعد جزء مهم من الإقليم ينظر إلى إيران بوصفها دولة طبيعية تسعى إلى النفوذ، بل بوصفها مشروعاً يحمل امتدادات سياسية وأمنية وعقائدية تتجاوز الحدود التقليدية للدول.

د. أيمن خالد يكتب: أمريكا وإيران خيارات الحرب والدبلوماسية

د. أيمن خالد يكتب: اختبار إيران الذي قد يعيد تشكيل الناتو

ثانياً: القلق الأمني… حين تحول الدفاع إلى تمدد

لا يمكن فهم السلوك الإيراني دون فهم القلق التاريخي الذي حكم العقل السياسي في طهران.

فإيران خرجت من حرب طويلة ومريرة مع العراق، وعاشت عقوداً من العقوبات، ووجدت نفسها محاطة بوجود عسكري أمريكي في أكثر من اتجاه، فضلاً عن تنافس إقليمي معقد.

هذا القلق كان حقيقياً إلى حد بعيد. لكن الخطأ لم يكن في الشعور بالتهديد، بل في طريقة إدارة هذا التهديد.

فبدلاً من تحويل الأمن إلى اقتصاد وتحالفات وتنمية ونفوذ سياسي مرن، اتجهت المقاربة الإيرانية تدريجياً نحو بناء عمق أمني عبر ساحات متعددة وأدوات ضغط متقدمة.

“ما كانت إيران تعتبره ضمانة لحمايتها، قرأه كثير من خصومها باعتباره تمدداً يهدد توازن المنطقة”.

ومع مرور الوقت أصبحت كلفة الحفاظ على هذا الامتداد أكبر من المكاسب التي ينتجها.

ثالثاً: العامل المذهبي بين الهوية وأدوات النفوذ

ولا يمكن تجاهل العامل المذهبي في هذا السياق، ليس باعتباره تفسيراً وحيداً، بل باعتباره جزءاً من أدوات بناء النفوذ.

إيران لم تتحرك بدافع مذهبي صرف، لكنها استخدمت الروابط العقائدية والاجتماعية والسياسية بوصفها أدوات لتثبيت حضورها.

المشكلة أن هذا المسار فُهم في أجزاء واسعة من المنطقة بوصفه إعادة صياغة للخرائط السياسية أكثر من كونه تعاوناً طبيعياً بين دول ومجتمعات.

“وهنا بدأ الشك المتبادل يتقدم على الثقة”.

رابعاً: الداخل الإيراني… تأخر الانتقال من الثورة إلى الدولة

داخلياً، ربما كان الخطأ الأعمق أن الدولة الإيرانية تأخرت في الانتقال الكامل من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة الحديثة.

المجتمع الإيراني تغير كثيراً خلال العقود الماضية:

أجيال جديدة، واقتصاد أكثر تعقيداً، وطبقات اجتماعية مختلفة، وتوقعات جديدة من الدولة.

لكن جزءاً من البنية السياسية بقي يعمل بعقل التأسيس والتعبئة والصمود، بينما كان المجتمع يتحرك باتجاه مختلف.

وهنا بدأت المسافة تتسع بين متطلبات الدولة ومنطق الثورة.

خامساً: التمدد الإقليمي… عندما تصبح الكلفة أكبر من العائد

إقليمياً، اصطدمت إيران بقاعدة تاريخية قاسية:

“النفوذ الذي لا يرافقه قبول سياسي واقتصادي طويل الأمد يتحول مع الزمن إلى عبء”.

ومع تتابع التحولات الإقليمية، وارتفاع كلفة إدارة الساحات المفتوحة، بدأت تظهر حدود النموذج.

لم يعد السؤال: كم توسعت إيران؟

بل: كم تستطيع أن تستمر في إدارة هذا التوسع؟

سادساً: إيران اليوم… لحظة الاختبار الأصعب منذ 1979

اليوم تبدو إيران أمام لحظة هي الأصعب منذ الثورة.

فهي تواجه ضغوطاً مركبة:

مواجهة مباشرة وغير مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وضغوطاً على ملفها النووي، وتحديات مرتبطة بأمن الطاقة والملاحة، واستنزافاً اقتصادياً طويل الأمد، وتراجعاً في هامش الحركة الإقليمية.

وفي الوقت نفسه، تجد نفسها أمام نظام دولي أقل تسامحاً مع المشاريع العابرة للدول وأكثر ميلاً إلى إعادة ضبط التوازنات.

لكن هذا لا يعني تلقائياً نهاية إيران، ولا سقوطها الحتمي.

فالدول لا تُقاس بلحظات الضغط وحدها.

الخاتمة: أين كان جوهر الخطأ؟

إذا كان لا بد من اختصار نصف قرن في فكرة واحدة، فقد يكون الجواب:

إيران لم تخطئ لأنها أرادت دوراً كبيراً…
بل لأنها سمحت للمشروع أن يكبر في غير أرضه بأدوات خشنة، أسرع من قدرة الدولة على حمل كلفته.

والسؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة..
ليس: هل أخطأت إيران؟
بل: هل ستعيد تعريف نفسها؟

وهل ستعود إلى منطق الدولة التي تبني نفوذها من الداخل…

أم ستواصل الدفاع عن مشروع أصبح أكثر كلفة من قدرة الدولة على احتماله؟

هنا ربما يكمن جوهر القصة كلها.

شارك المقال: