مقالات
د.محمد محفوظ
د.محمد محفوظ

كاتب وباحث

د. محمد محفوظ يكتب : مغالطة الايمان بالغيب 

العقل قد تجرفه أمواج التفريط، فيتكلس على شواطئ جليدية تورثه الكسل والجمود، وتورث حواسه عدم الاعتداد بالمرئي أو بالمسموع

مشاركة:
حجم الخط:

قد تتقاذف العقل أمواج الإفراط ، فيشطح لشواطئ وهمية اسمها العلم اللامحدود، بما يجعله يتغافل عن أن العقل له حدود ، فيجحد كل ما لا تعاينه الحواس ، ومن ثم يصبح الإيمان بالغيب عند ذلك العقل الجانح أمرا خارجا عن دائرة الوجود .

وبالمقابل ، فإن العقل قد تجرفه أمواج التفريط، فيتكلس على شواطئ جليدية تورثه الكسل والجمود، وتورث حواسه عدم الاعتداد بالمرئي أو بالمسموع، فيصبح رهينا لأي غيب ديني كان أو غير ذلك، بلا أي برهان أو منطق أو دليل .

ولعل المثير للأسف، أن النتائج الكارثية المترتبة على الإيمان بالغيب في ظل احتقار وتغييب العقل، قد تتساوى مع – أو تفوق – النتائج السلبية المترتبة على عدم الإيمان بالغيب في ظل الافتتان بالعقل وعبادته .

ولذلك، لا يمتلك العقل أمانه من هلاوس التكلس والجمود، إلا من خلال إعادة تعريف كيفية الإيمان بالغيب، ليصبح ذلك الإيمان طاقة تنوير، وليس هاوية للتجهيل والتغييب، لا تقود إلا إلى شباك وفخاخ ( العلم الزائف ) ، ومن ثم الاستسلام لإدعاءات وضلالات ( نظرية المؤامرة ) 

د. محمد محفوظ يكتب : كرامات الديمقراطية لا يدركها المستبدون

د. محمد محفوظ يكتب : ماما الدولة وبابا الوطن 

١- مغالطة الإيمان بالغيب :

تتمثل المغالطة التي يقع فيها المنطق الإيماني في ( الكيفية ) التي ينبغي أن يكون عليه‍ا ( الإيمان بالغيب ) .
ولعل هذه الكيفية ينبغي أن تخضع للسؤال التالي:
هل الإيمان بالغيب ينبغي أن يكون ( أسلوب إيمان ) أم ( موضوع إيمان ) ؟؟

والواقع ، أن الإيمان بالغيب عندما يصبح ( أسلوب إيمان )  فإن العقل يفقد بذلك دوره، فيكون الإيمان بكل ما هو غير محسوس أو ملموس منفلت من أي منطق، وإنما خضوع مطلق لكل ما هو غيبي بلا دليل أو برهان .

أما عندما يكون الإيمان بالغيب ( موضوع إيمان )

فإن الغيب يصبح محصورا فقط فيما لا يمكن للحواس أو للعقل إدراكه، بينما يخرج من دائرة الغيب ما يمكن إدراكه بواسطة الحواس أو العقل .

ولذلك، يبدو ضبط تعريف الإيمان بالغيب باعتباره ( موضوع إيمان ) وليس ( أسلوب إيمان ) 

بمثابة المقدمة الضرورية لصون العقل من الضمور الذي يجعله مشلولا نتيجة التغافل عن الأسباب والتنكر للقوانين الطبيعية التي خلقها الله لتسيير هذا الكون بكل موجوداته .

٢- العلم الزائف :

العلوم الزائفة ، هي المعارف التي لا تندرج تحت بند العلوم أصلاً لكونها لا تستند إلى أدلة تجريبية ولا يمكن قياسها ، أو المعارف التي ترتبط بمناهج مدَّعاة انقرضت نتيجة التطور العلمي .

ويدخل تحت بند العلوم الزائفة التي لا تندرج تحت بند العلوم أصلا – على سبيل المثال وليس الحصر – ما اصطلح على تسميته بعلم الأبراج أو التنجيم المرتبط بقراءة الطالع والتنبؤ بالمستقبل !!!

أو علم السحر بمعناه اللاعلمي الخارق للقوانين الطبيعية، وليس بمعناه الواقعي الذي يقتصر فقط على ممارسة بعض الحيل والخدع لإيهام الرائي والسامع ، دون أي تجاوز للقوانين الطبيعية وتعطيلها .

أو علم الباراسيكولوجي بمسلماته حول التخاطر عن بعد والتحكم العقلي في الأجسام المادية !

أو علم الطاقة بمسلماته اللاعلمية حول الطاقة الإيجابية والطاقة السلبية.

أو نظرية الأرض المسطحة ، ونظرية الأرض المجوفة .. إلى آخر هذه العلوم الزائفة المُدَّعاة التي لا تساندها أي أدلة تجريبية، أو أي قوانين ثابتة توفر نتائج متساوية في الظروف المتماثلة ، أو نتائج متناسبة في الظروف المتناسبة .

بينما يدخل تحت بند المعارف التي تستند إلى مناهج منقرضة – على سبيل المثال وليس الحصر – ما اصطُلح على تسميته بعلم الخيمياء، بتطلعاته لما يُسمى بحجر الفلاسفة وتحويل المعادن إلى ذهب.

اعتماداً على منهج كان سائداً في العصور القديمة، مفاده بأن هناك خواص أو أبعاد سحرية للعناصر يختلط فيها المادي بالروحي، بما قد يسفر عن نتائج خارقة للطبيعة دون مقدمات منطقية وعلمية منضبطة!

وللأسف ، فإن العقلية التي تؤمن بالغيب باعتباره أسلوب إيمان، تستسلم بدون أي مقاومة منطقية للعلوم الزائفة ، باعتبارها عقلية لا تنشغل بالبحث عن الدليل والبرهان .

ولا تتعامل مع العالم باعتباره كيانا محكوما بالأسباب، تلك الأسباب التي هي القوانين الطبيعية التي خلقها الله تعالى ، ويخضع لها الكون في كل تقلباته وصيرورته .

ولذلك ، فإن الإيمان بالغيب كأسلوب إيمان، يؤدي لتحويل العقل إلى صندوق قابل لاستيعاب العلوم الزائفة ، دون مراجعة او مناقشة أو دليل أو برهان .

٣- نظرية المؤامرة :

بتكلس وتكاسل العقل المتعامل مع الغيب باعتباره أسلوب إيمان، ومن ثم استسلامه للعلوم المدعاة الزائفة غير القائمة على الدليل والبرهان.
فإن النتيجة الطبيعية تكون الخضوع التام لما يسمى بنظرية المؤامرة، باعتبارها الوصفة اللاعقلية المحكمة للتفسير الكلي والمطلق لكل شرور العالم، أو لكل الإخفاقات الشخصية.

وتتمثل خطورة نظرية المؤامرة، في أنها تقدم الإطار الذي يتوافق مع العقل غير المنشغل بالدليل والبرهان.

وبالتالي هي تبرر ادعاءاتها الخالية من أي دلائل أو براهين، بمبرر فائق البساطة، مفاده : \

أن القائمين على المؤامرة يرتكبونها دون أن يتركوا وراءهم أي أثر أو دليل!

ولذلك ، تصبح دائرة المؤامرة مغلقة بإحكام ، فبالسؤال عن الدليل ، تكون الإجابة الجاهزة : لقد قاموا بمحو الدليل !!!

إن المنزلق الذي تدفع إليه نظرية المؤامرة ، يتمثل في أنها تجعلنا نخاف مما لا ينبغي الخوف منه ، بينما نتغافل تماما عما يتحتم علينا التحوط منه والابتعاد عنه .

فتكون النتيجة الكارثية أن نخاف من شياطين الجن بينما نتغافل عن شياطين الإنس.

وأن نسير وعيوننا مرفوعة للسماء خوفا من النيازك، بينما نتغافل تماما عن الحفرة المفتوحة بعد عدة خطوات لتبتلع حاضرنا ومستقبل أيامنا .
إن تلك الثلاثية المتتابعة لتسطيح العقل وتدجينه، من التعامل مع الغيب باعتباره أسلوب إيمان.

ومن ثم الاستسلام للعلوم الزائفة، وما يتبع ذلك من الخضوع لإدعاءات نظرية المؤامرة.

إن تلك الثلاثية تمثل الباب الذهبي للاحتيال والدجل والشعوذة، وامتهان العقل واحتقاره، وتمهيد الطريق لكل موتور أو مختل أو محتال لنشر ضلالاته في أوساط المغيبين.

ومن ثم السقوط في هاوية التفريط في الأمانة الإلهية التي ارتضى الإنسان أن يحملها ، وهي أمانة الاختيار بين الخير والشر والحق والباطل والرشد والضلال.

ذلك الاختيار الذي لا يستقيم إلا بالعقل الذي أودعه الله تعالى بالإنسان ليكون قائدا ومرشدا لحواسه .

ولعل التبصر فيما يدور حولنا محليا أو عالميا، يوضح الدور الذي تلعبه تلك الثلاثية الجهنمية على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو العقائدي، بل وحتى على المستوى الطبي الصحي.

لينفتح الباب بذلك واسعا لعدد من المدلسين أو المضطربين نفسيا، لينشروا ضلالاتهم بين المبتلين واليائسين والمغيبين .

وبذلك فإن الخلاصة المريرة تقرر بأنه إذا تم تدجين العقل وتجميده، فإن الحواس تصبح عندئذ بلا فائدة، ليسقط الإنسان في دائرة قوله تعالى :
{ ولا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا } .
[ سورة الإِسراء : ٣٦ ]

وقوله عز وجل :
{ ولقد ذرأنا لجهنم كثیرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } .
[ سورة الأعراف : ١٧٩ ]

شارك المقال: