عين الكاميرا (5) بين حلب وعنتاب

صورة بعدسة كاتب المقال (خاص)
كان جدّي حج أحمد في مطلع شبابه جمّالا “چرچيّا”، كما كان يُسمّى، والچارچي هو السوق بالتركية، متنقلا على جمله يشتري ويبيع بين حلب وعنتاب.

آخذا بضائع هذه لتلك بدايات القرن العشرين، فالمسافة بينهما أقل من مئة كيلو متر ولا حد يفصل.. وما أكثر ماحدّثني عن سفراته وتجارته.

عندما زرت غازي عنتاب لأول مرة قبل بضع سنوات، ووصلت وسطها العتيق وصرت تحت ظلال أسوار قلعتها الشامخة أحسست أنني عدت إلى حلب وسورية التي تركت مكرها.
تشابه كبير جدا بين القلعتين ومحيطهما.
الأزقة الضيقة بتعرجاتها الساحرة الدافئة والحجارة البازلتية التي رصفت طرقاتها ذاتها.

البناء بالحجر وهو مانسميه بالحجر الحلبي الأبيض أو السمني.
لوحات نقش التوارخ والتعريف بالأبنية ذاتها.
ذات أبواب البيوت المكسوة بصفائح توتياء وقد ثُبتت وزيّنت بمسامير رسمت أشكالا هندسية وزهور وحيوانات.
“سقّاطات” أو أدوات طرق الباب المعدنية بذات الرموز والتشكيل.

أبواب الخانات الخشبية الكبيرة ليدخل الجمل بما حمل متضمنة أبواب صغيرة تُفتح لعبور الأفراد.
الأسواق التاريخية بحواريها المسقوفة الضيقة ومهنها الشعبية وحرفها اليدوية التقليدية العريقة من صناعات خشبية وفخارية.
والنّحاسين بمعزوفاتهم ومعدنهم البرّاق الذي يتشكّل بين أيديهم تحف فنية تجوب العالم.

هنا يختلط عليك، هل أنت في “سوق المدينة” الحلبي بتشعباته ومتاهاته وضجيجه المطرب وعطور بهاراته وزعتره وصابونه الفواحة.
في باب الحديد وجب القبة.
أم في عنتاب.
بالطبع ليس ذلك بغريب،إذ طالما كانت المدينتان تابعتين لولاية واحدة.

العادات والتقاليد واللباس والطعام واحد.
فمثلا الكباب الحلبي بنكهة وشهرة الكباب العنتابي.
وإلى عنتاب ننسب نوعا من “الكبة” التي تُسمى أيضا “كبة دراويش”.
والمثل الحلبي يقول مستنكرا: “مافي دبس إلا بعنتاب؟”
تشابه بين القلعتين كبير حد التماثل، وإن كانت قلعة حلب أكبر حتى تبدو أمٌ لقلعة عنتاب.
الأسوار وأبراجها.
المدخل بأدراجه.
الخندق المحيط.
التشابه امتد حتى إلى الألم والمصير.
ففي أعوام الثورة السورية قام نظام البراميل بقصف القلعة ليدمر غير قليل منها، زارعا الألم بقلوب كل من عرفها.
وأتى زلزال ألفين وثلاثة وعشرين على كثير من أسوار قلعة عنتاب التي صمدت دهورا، وكأنما استمرت وحدة المصير بين القلعين امتدادا لوحدة التاريخ رغم استحداث الحدود العازلة.







