آراء و تحليلات

علي الأفريقي يواصل: هل كانت السودان جزءا من مصر؟

( 9 ) اتفاقية الحكم الثنائي للسودان عام 1899 بعد مصرع حاكم السودان الخليفة عبدالله التعايشي علي يد قوات الغزو الانجليزية المصرية في معركة "ﺄﻡ ﺩﺑﻴﻜﺮﺍﺕ" ﻳﻮﻡ ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ 24 ﻧﻮﻓﻤﺒﺮ…

مشاركة:
حجم الخط:

    ( 9 )

اتفاقية الحكم الثنائي للسودان عام 1899

بعد مصرع حاكم السودان الخليفة عبدالله التعايشي علي يد قوات الغزو الانجليزية المصرية في معركة “ﺄﻡ ﺩﺑﻴﻜﺮﺍﺕ” ﻳﻮﻡ ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ 24 ﻧﻮﻓﻤﺒﺮ 1899، وقف قائد الغزو، اللورد كتشنر، على جثمان التعايشي، مؤدياً تحية عسكرية له وقال: «ماهزمناه ولكنا قتلناه». كما وصف تشرشل السودانيين في مذكراته «بالشجعان الذين قاتلوا بشرف واستشهدوا بشرف”.

بعد احتلال السودان، وقعت الحكومتان المصرية والبريطانية اتفاقية 1899 تقضي بالسيادة المشتركة على السودان، والاعتراف «بالجهود المشتركة» ماليا وعسكريا التي ادت الي فتح السودان، وعليه يرفع العلمان البريطاني والمصري معاً في السودان، وقضت الاتفاقية بترشيح حاكم عام من بريطانيا له كل السلطات التشريعية والمالية على البلاد، وتتحمل مصر كافة النفقات.
يظن البعض ان الإتفاقية تعني استعماراً مصرياً بريطانياً مشتركا للسودان، ولكن الحقيقة إن مصر نفسها كانت محتلة من الانجليز، ولا تملك من أمر السودان شيئاً، وظهر هذا في الأنذار البريطاني بإخراج الجيش المصري من السوادن بعد اغتيال السير لي ستاك حاكم السودان
وقد حرصت انجلترا علي عدم ذكر احتلالها رسميا للسودان، وذلك لعدة اسباب وهي عدم اكتسابها لعداوة تركيا التي تعتبر السودان ولاية تابعة للباب العالي العثماني، والسبب الاخر هو انه عند اقتسام النفوذ بين بريطانيا وفرنسا في دول افريقيا لا يتم اعتبار السودان ضمن مكتسبات بريطانيا.
ومع ذلك عندما وضعت مصر مادة في دستور عام 1923 تنص علي ان الملك هو ملك مصر والسودان تدخلت انجلترا، واجبرت الملك فؤاد علي حذف هذه المادة وبالفعل تم حذفها ونص الدستور علي ان لقب الملك هو ملك مصر، لذا كانت الاحكام التي نص عليها دستور 1923 تطبق في مصر وليس السودان، ولم يكن به اي تصريح او تلميح عن تبعية السودان لمصر، ودون اي اشارة ان مصر والسودان دولة واحدة، او ان لقب ملك مصر هو ملك مصر والسودان.

(10)
فاتورة الدم والمال

بعد المعركة الحاسمة في “أم درمان” يوم 2 سبتمبر 1898، والتي دارت بين القوات المصرية–الإنجليزية المشتركة وعددها 25 ألف جندي مجهزين بأحدث الأسلحة، وبين 50 ألفا من مقاتلي المهدي المسلحين بالسيوف والأسلحة البدائية، انتهت المواجهة بدحر المهديين وفتح السودان، وقد أبرزت المعركة تنسيقاً دقيقاً بين مصر وبريطانيا؛ إذ قدمت القوات المصرية المشاة والرشاشات وخبرة الملاحة النهرية، بينما قدم البريطانيون الهندسة والمدفعية والبوارج.
ومع تحقق النصر العسكري برز سؤال هام: من يحكم السودان؟ فمصر وبريطانيا اشتركتا في الفتح، فتوصل ذهن اللورد “كرومر” الي صيغة “الحكم الثنائي” التي تقضي بتقاسم السيادة بينهما، إلا أن الواقع العملي أثبت أن الشراكة لم تكن متكافئة، إذ انفرد البريطانيون بإدارة السودان.

بررت بريطانيا ذلك بأن الحكم التركي–المصري في عهد “محمد علي باشا” كان استبداديا، وأدى إلى اندلاع الثورة المهدية وطرد المصريين والأتراك، وأن مصر لم تكن لتعود إلى السودان لولا الدعم الإنجليزي.

وفي المقابل، رد الساسة المصريون بأن السودان ليس بلدا غريبا عن مصر فهو جزء منها، كالمنوفية أو أسيوط أو الغربية، أما ادعاء بريطانيا أن استعادة السودان ما كانت لتتم دون تدخلها، فهذه مبالغة؛ فالقوات التي أعادت فتح السودان كانت تضم 25 الف جندي مصري وألفي جندي بريطاني فقط، كما تحملت مصر ثلثي نفقات الحملة العسكرية البالغ قدرها حوالي سبعة ملايين جنيه، وتشمل الرواتب والتموين والنقل النهري، واقترضت مصر أربعين مليون جنيه لتعمير السودان ومد السكك الحديدية وبناء المنشآت، كما ان ضحايا مصر منذ اندلاع الثورة المهدية حتى إعادة فتح السودان 80 ألف شهيد (79,751 تحديدًا)، ورغم ذلك، فحاكم السودان وجميع الوزراء إنجليز، كما ان رؤساء ووكلاء الإدارات والمصالح كالمالية والقضاء والمعارف والمساحة والمواصلات والبريد، جميعهم انجليز دون وجود مصري واحد، وهكذا تحولت السودان إلى مستعمرة إنجليزية رغم اتفاقية الحكم الثنائي بين البلدين..

المراجع:
1- كتاب (فى أعقاب الثورة المصرية.. ثورة 1919)- الجزء الثالث- للمؤرخ عبدالرحمن الرافعى.
2- كتاب (الغزو الإنجليزي- المصري للسودان – مراجعة سردية شاملة) – الجزء الأول – د. عبد المنعم مختار – استاذ جامعي.
3- كتاب (السودان من الحكم البريطاني الي فجر الاستقلال)- السير جيمس روبرتسون – الحاكم البريطاني لنيجيريا.
4- كتاب (تاريخ السودان الحديث) – روبرت .او. كولينز – سنتا بربارا – لندن – جامعة كامبردج.
5- كتاب (تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته)- المؤرح اللبناني نعوم بشارة نقولا شقير

شارك المقال: