السلطة تتكلم.. فمتى يتكلم المواطن؟
بقلم: د. محمود عبد اللطيف في كل مرة تتكلم فيها السلطة، يُفترض أن يكون المواطن هو المخاطَب الأول. كلمات كثيرة تُقال، وخطب تُلقى، وبيانات تُنشر، لكن السؤال الذي يفرض نفسه…

رئيس الوزراء القديم الجديد مصطفى مدبولي
في كل مرة تتكلم فيها السلطة، يُفترض أن يكون المواطن هو المخاطَب الأول. كلمات كثيرة تُقال، وخطب تُلقى، وبيانات تُنشر، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يصل المعنى فعلًا؟ أم أن الصوت يعلو بينما الواقع يزداد صمتًا؟
في السياسة، نادرًا ما تُقال الحقيقة كاملة. الكلمات تُصاغ بعناية، والوعود تُلمَّع، والمواقف تُقدَّم في صورة مثالية تخفي أكثر مما تُظهر. وحين تسقط الأقنعة، تظهر السياسة كما هي: إدارة مصالح، وتوازنات قوة، ومحاولة مستمرة للسيطرة على القرار والوعي معًا.
السياسة بلا أقنعة لا تعني الشر المطلق، لكنها تعني الواقعية. تعني أن نفهم أن الشعارات وحدها لا تطعم جائعًا، وأن الخطب الرنانة لا تُصلح نظامًا، وأن تكرار كلمة “الوطن” لا يكفي إن غاب العدل. خلف كل قرار سياسي هناك رابح وخاسر، والسؤال الحقيقي ليس: هل القرار صائب؟ بل: لصالح من؟
أخطر ما في هذا المشهد أن المواطن يُطلب منه التصديق لا الفهم، والتحمّل لا السؤال. يُقال له إن الأوضاع تتحسن، بينما حياته اليومية تخبره بعكس ذلك. هنا تنشأ الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، فجوة لا تُقاس بالأرقام بل بالإحباط وفقدان الثقة.
السياسة التي تتكلم كثيرًا ولا تسمع، تتحول تدريجيًا إلى ضجيج. والمواطن الذي لا يُسمَع صوته، يبدأ في الانسحاب، انسحاب من الشأن العام، من المشاركة، ومن الإحساس بأن له دورًا أو قيمة، وهنا تصبح اللامبالاة أخطر من الغضب، لأن الغضب يمكن احتواؤه، أما الصمت فيُنذر بالانفصال.
لكن المسؤولية لا تقع على السلطة وحدها. فالصمت الطويل يمنح الأقنعة عمرًا أطول، والتبرير المستمر يصنع استبدادًا ناعمًا، والخوف من السؤال يقتل أي فرصة للإصلاح. حين يتوقف الناس عن السؤال، تفقد القرارات إنسانيتها، حتى وإن بدت صحيحة على الورق.
لسنا مطالبين بكراهية السياسة، بل بفهمها. أن نقرأ ما بين السطور، ونقيس الأفعال لا الأقوال، وندرك أن النقد ليس خيانة، بل أحد أشكال الانتماء الحقيقي. السياسة التي تخاف من السؤال سياسة ضعيفة، والسلطة التي ترفض المحاسبة سلطة قلقة.
في النهاية، المشكلة ليست في أن السلطة تتكلم، بل في أن المواطن لا يُسمَع. والحل لا يكون في مزيد من الخطب، بل في وضوح يحترم عقل الناس، وسياسات تُقاس بأثرها لا ببلاغتها.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع… أن تُدار حياته بأصوات عالية، ووجوه بلا أقنعة، لكن آذان مغلقة.






