الشعراوي: حين يُعيد العالِم تشكيل الوعي بعقل الناس
كان هذا الصوت للإمام محمد متولي الشعراوي رضي الله عنه ورحمه، والذي قدّم تفسيراً لكتاب الله كتجربة معيشة تُخاطب القلب والعقل معًا: خواطر إيمانية حول كتاب الله.

صورة تعبيرية للمقال
من سماء القمة إلى أرض الواقع
في زمنٍ ضعفت فيه أدوات التلقي اللغوي لدى العامة، وتراجعت فيه فصاحة العربية تعليماً وتداولاً وتعاملاً.
ظهر صوت مختلف لم يحاول أن يعيد الناس إلى مستوى لغوي مثالي عليهم أن يصعدوا له، بل نزل إلى مستوى فهم الإنسان المعاصر، ثم رفعه خطوة بخطوة نحو المعنى.
كان هذا الصوت للإمام محمد متولي الشعراوي رضي الله عنه ورحمه، والذي قدّم تفسيراً لكتاب الله كتجربة معيشة تُخاطب القلب والعقل معًا: خواطر إيمانية حول كتاب الله.
ورغم عمق مشروعه، لم يطلق عليه “تفسير الشعراوي”، بل اختار اسمًا يعكس فكره وأسلوبه: “خواطر إيمانية حول القرآن”.
هذا الاختيار لم يكن لغويًا فقط، بل كان يرى أن تفسير كلام الله لا يُحيط به بشر، وأن ما يقدمه هو مجرد إشارات وتأملات إيمانية لها أصولها ومنهجيتها العلمية والبيانية، دون ادعاء إحاطة كاملة بالنص.
هذا التواضع العلمي منح مشروعه مصداقية خاصة، وجعل الجمهور يشعر أنه أمام عالم لا يفرض الفهم، بل يشاركه بتواضع وسلاسة وأمانة وإخلاص.
د.محمد فؤاد يكتب: صناعة النخبة (1-2)
مصطفى السعيد يكتب: قضية الدكتور العوضي المريبة
منهج يقوم على الموسوعية… لا التلقين
ميَّزه أيضاً أنه لم يكن مفسرًا تقليديًا، بل كان موسوعيًا محيطاً بتمكن من اللغة، والفقه، وأقوال السلف، والتاريخ الإسلامي، مع ربط ذلك كله بالواقع الاجتماعي والسياسي والتاريخ والجغرافيا والفلك والزراعة والطب والتكنولوجيا.
كان يبدأ من اللغة ومدلولات بيانها، لكنه لا يتوقف عندها.
ويرى أن الآية مع الكلمة القرآنية ليست مجرد تركيب لغوي، بل منظومة دلالية متكاملة، تحمل في داخلها سياقًا نفسيًا واجتماعيًا وتشريعيًا.
ومن هنا جاء اعتماده على “البيان اللغوي” للنص القرآني، يتوقف عند الجذر اللغوي للكلمة، وينتقل إلى ظلالها في السياق، وأثرها واستخداماتها في الشعر الجاهلي وصدر الإسلام أو الأثر المتداول من حكايات.
للإمام الشعراوي أسلوب رائع في السرد والحكي والإلقاء وربط الأفكار وتحليلها وتنقيحها، والإقناع بكل تفصيلة يفصلها بدليل منهجي من مرجعية معتبرة.

نبوغ الإمام
ظهر نبوغ وموهبة الإمام الشعراوي في الفصاحة والشعر مبكرًا، ثم التحق بـكلية اللغة العربية في الأزهر وهكذا لم يدرس الفقه في البداية بشكل متخصص، بل كانت قاعدته الأساسية هي “اللغة العربية”.
ولم تتكوّن شخصيته العلمية فقط من الدراسة النظامية، بل من خلال القراءة الموسوعية الواسعة.
ولعب والده دورًا حاسمًا هنا، حين اشترى له أمهات الكتب في التفسير والحديث والبلاغة والأدب العربي والتراث الإسلامي، غاص فيها بعمق ووعي.
وبدأت شخصيته وتكوينه الحقيقي ينمو كموسوعي جمع بين اللغة والفقه والتفسير وفصاحة اللسان ورجاحة الفكر وحكمة التجربة الحياتية ليصبح “فقيه نصوص” و لُغوياً يفهم روح الكلمة وعالِماً يفهم سياقها و إنساناً عاش الواقع من قلب القرية التي نشأ فيها ولم يبتعد أبداً في لهجته العامية عنها.
الشعراوي مدرسة كاملة في التربية النفسية يحوّل القصة من حدث إلى قاعدة تربوية والتربية ليست حماية زائدة… بل إعداد للحياة.
كان لا يشرح الآية لينتهي منها… بل يستخرج منها قانونًا تربويًا يصلح للحياة، وكأنه يقول لك دائمًا: “القرآن لم ينزل لتفهمه فقط.
بل لتُربي به نفسك وأبناءك ومن حولك”، وهو ما يتجلَّى روعةً في قصة مثل قصة السيدة مريم.
والشعراوي يتوقف طويلًا عند دعاء أمها ليلفت لنقطة تربوية دقيقة وهي أن التربية استعداد يبدأ قبل الولادة، من نية الأم والأب.
ثم ينتقل إلى كفالة زكريا لها، ويستخرج درسًا أن الطفل ليس فقط ابن أسرته، بل ابن البيئة المحيطة به، وكان يردد: لو أردت ولدًا صالحًا، لا تسأل فقط “كيف أربيه؟”
بل اسأل: “في أي جو يعيش؟ ومن يرى ويسمع؟ وماذا يسمع منه كل يوم ويتابعه ويسأله “أنى لك هذا؟”
كان الإمام يحرص على توجيه درراً من دروس التربية السليمة لأبنائنا وبناتنا بإدارة المشاعر لا قمعها والطفل دائماً يحتاج أن يُسمَع قبل أن يُوجَّه.
ما يلفت في مشروع الشعراوي أنه جمع بين المنهج العلمي والتحليل اللغوي من جهة، وبين الروح الإيمانية من جهة أخرى.
ولم يكن يقدم المعلومة فقط، بل كان يضعها داخل سياق وجداني، يجعل المستمع لا يفهم فقط، بل يشعر، كان يربط بين العقل والتدبر، وبين اللغة والمعنى، وبين النص والحياة اليومية، بطريقة تجعل التفسير تجربة فكرية وروحية في آن واحد.
وتسمع من الإمام الشعراوي ولا أروع من قصص الأنبياء والصالحين مثل لقمان والخضر وذي القرنين
وقصص الطالحين للعبرة والتربية والعظة مثل قارون والسامري وبلعام بن باعوراء.
يأخذك أسلوب الإمام الشعراوي في رحلة ممتعة لها زادها من المعرفة والتعلم والحكمة، ولها غايتها في التربية وتطبيقها في واقع حياتنا اليومية.
في تفسيره، كان الإمام الشعراوي يعود إلى منهج يعتمد على القرآن نفسه، والسنة النبوية، وفهم الصحابة، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون، مستندًا إلى منهج يجمع بين النص والتطبيق دون الانزلاق إلى التأويلات المتطرفة أو الجافة، بل ينتقدها بعلم.
الشعراوي: الوزير التائب
مر الشعراوي بمحطات سياسية حساسة، وكان صوته فيها واضحًا، لا يميل مع الريح في غالب الأمر وفي عهد الرئيس أنور السادات.
شهدت بعض مواقفه في مجلس الشعب أو النقاشات والمواقف العامة لحظات دالة، كان فيها يرفض التبعية المطلقة للسلطة على حساب الدين أو العدل.
يستحضر المعنى القرآني في العدل والرقابة الإلهية، في سياق يذكّر دائمًا بأن السلطة البشرية محدودة، وأن الحساب الأعلى لا يُلغى.
إن كان للإمام الشعراوي زلة حين كان يشغل منصب وزير الأوقاف بين عامي 1976 و1978 وقبل “كامب ديفيد”، حين علق في مجلس الشعب مدافعاً عن موقف للرئيس السادات قائلاً أنه وصل لمرتبة “ألا يسأل عما يفعل وهم يسألون”
وهو وصف قرآني خاص بالله، فكانت ومبالغة غير موفقة ولحظة استثنائية في مسيرة الشيخ.
حين شعر الشعراوي أن المنصب قد يغير في نفسه بأن يغتر بسلطة ومنصب، قوّم نفسه بقيامه بأعمال تنظيف لمرافق المساجد ليكسر ما سماه بغرور نفسه.
فتعامل مع الأمر بروح العابد لا المسؤول، وهذا ما قاده لفكرة أن يقدم في سبيل الله لا تحتاج إلى لقب.
وهكذا ربّى نفسه وهذّبها فوهبه الله مزيدا من العلم والحكمة والهدى والبصيرة، وظلً بعدها مستقلاً خطابه محتفظًا بمسافة واضحة بين العالِم والحاكم.
انصرف عن قبول أي منصب وتفرغ للعلم والدعوة، حتى وصل في عهد الرئيس مبارك، لعالمٍ لا يساير الخطاب الرسمي بلا نقد، بل احتفظ بمسافة واضحة.
وانتقل تدريجيًا من مرحلة المجاملة السياسية إلى قول الحق بحكمة وقوة وأدب شديد دون التنازل عن المبدأ.
كنز معرفي يتجاوز الزمن
كان الشعراوي يمتلك شخصية إنسانية نابضة بالحياة. كان سريع البديهة، حاضر النكتة، خفيف الظل حقاً، وقادرًا على تحويل الموقف الجاد إلى لحظة تأمل إنساني.
هذه الروح جعلت خطابه قريبًا من الناس، يستخدم الأمثلة اليومية، والقصص البسيطة من البيئة المعاصرة، والتعليقات الذكية التي تُقرّب المعنى رغم عمقه.
ويظل برنامجه التلفزيوني مكتبة متحركة من المعاني، دخلت بيوت الناس وعقولهم وقلوبهم، وأثرت في أجيال كاملة.
وحتى اليوم، لا يزال كثيرون يعودون إلى حلقاته باعتبارها مرجعًا لفهم القرآن بلغة مبسطة، وعميقة في الوقت نفسه، فرحم الله الإمام الشعراوي وطيب مثواه ومأواه.






