أولويات مصر المصنع أم الفيللا والقصر؟

صورة معبرة عن المقال
قرأت خبرين أثارا دهشتي وانزعاجي، الأول أن مصر اشترت سندات أمريكية، وارتفع رصيدها من تلك السندات إلى مليار و100 مليون دولار.
ولا أعرف سبب أن تشتري مصر سندات انخفض تصنيفها الإئتماني باعتبارها ديون خطرة، في ضوء ارتفاع الديون الأمريكية إلى أكثر من 39 ترليون دولار، ولا توجد إمكانية لسدادها، بل لا توجد إمكانية لقوف ارتفاعها، وبالتالي ستكون عرضة للمصادرة أو تدني قيمتها، بالإضافة إلى وجود سوابق أمريكية في تجميد الأرصدة، مثلما حدث مع كل من إيران وروسيا.
والأهم أننا نحتاج تلك الأموال المودعة في سندات الخزانة الأمريكية، سواء للمشروعات غير المستكملة أو الجديدة أو سداد الديون المتلتة.
الخبر الثاني كان أشد إدهاشا، وهو إقامة مدينة جديدة فخمة في القاهرة الجديدة، باستثمارات ترليون و400 مليار جنيه، ومبعث الدهشة أو الصدمة ليس القيمة الكبيرة لتلك الإستثمارات، وإنما في الأولويات والموقع ونوع المباني.

فيما يتعلق بالأولويات، فإن الإستثمارات في هذا النوع الفاخر من المباني قد تشبع به السوق، والشواهد كثيرة في العاصمة الإدارية، وعشرات المدن الجديدة، والتوسعات في أخرى، ومعظمها شبه خالية من السكان، ويمكن لأي مار عليها أن يجد عمارات وفيللات مظلمة، وأخرى تحت التشطيب منذ سنوات، ويمكن مشاهدة الإعلانات الغزيرة عن عشرات المشروعات في مباني الخمسة نجوم، وأسعارها بملايين كثيرة، لا يمكن لأي خريج من الطبقة الوسطى أن يتملك وحدة فيها ولو بعد عشرات السنوات من الإدخار.
مصطفى السعيد يكتب: سيناريو “الجحيم للجميع” بعد ساعات
مصطفي السعيد يكتب: كل المخارج مغلقة
مصطفي السعيد يكتب: كيف دمرت الحقبة النفطية السوداء بلادنا؟ (1)
وإذا كانت الطبقة الوسطى عاجزة عن السكن في مثل هذه المشروعات، فمن سيشتريها؟ الطبقة الثرية الجديدة مؤكد لدى معظمها أكثر من فيللا وشاليه وشقة، ولا تحتاج المزيد إلا فيما ندر، وبالطبع الطبقة الدنيا لا تحلم حتى بالفرجة عليها من قريب.
فلماذا ننفق كل هذه الأموال الطائلة في مشروعات فائضة عن الحاجة، وستظل لسنوات طويلة شبه خالية، وحتى لو تم شراؤها من جانب فئات تريد الإدخار في عقارات تحمي قيممتها، فإنها ستظل أموالا مجمدة، لا تدفع عملية الإنتاج إلى الأمام، وفي الوقت نفسه نجد أن القطاع الإنتاجي يتقلص، بدلا من أن يزيد، وهو ما نحتاجه بشدة، لأنه إما ينتج سلعة نحتاجها في الداخل بدلا من استيرادها، أو يتم تصديره إلى الخارج ويدر عملات صعبة نحتاجها بشدة.
إن فقه الأولويات يجعلنا نضع بناء المصنع قبل القصر أو الفيللا والشاليه، فهو ما يحقق إنتاجا سلعيا، ويوظف عمالة، ويدر أرباحا من الإنتاج، وأجور جيدة، تمكن العاملين والمستثمر من بناء شقق وفيللات وقصور.
أما أن نواصل بناء فائض ضخم من الإسكان الفاخر، بدعوى أنه يحقق أرباحا سريعة للمستثمرين، فهو ما يتجاهل دور الإنتاج السلعي، ويهدر المال في قطاع الخدمات، الذي تضخم حد التخمة، بينما الإنتاج الصناعي لا يحظى بالأولويات، بل يجري بيع أو تفكيك بعضه منذ عقود، وكان ينبغي تدارك أخطاء تلك العقود الطويلة، وإنشاء مجمعات صناعية، تؤدي إلى خفض العجز المزمن والكبير في الميزان التجاري، الذي ارتفع هذا العام بنسبة 15% عن العام الماضي، وبلغ 4,8 مليار دولار، مقابل 4,2 العام الماضي.
أما عن الموقع، فقد جرى اختيار القاهرة الجديدة، التي أصبحت مكتظة، ومن شان بناء مدينة جديدة، أن تتصل العاصمة الإدارية بالقاهرة، وتصبح ضاحية شرقية فيها، وبالتالي لا نكون قد خرجنا من القاهرة المكتظة للغاية، بل فاقمنا اكتظاظها وزحامها، وسنحتاج للكثير من الكباري والأنفاق نتيجة وجود مدينة بهذا الإتساع والزحام.
ومن الغريب أن كل تلك المشروعات السكنية الضخمة لم تحل أزمة الإسكان، فرغم الفائض الكبير في عدد الوحدات السكنية، ووجود مئات آلاف الوحدات بلا سكن، فهناك ملايين الشباب الذين لا يجدون مسكنا، لعدم وجود إسكان يتناسب مع دخولهم المتدنية، قياسا بالوحدات مليونية الأسعار، لهذا كان ينبغي توجيه أي استثمارات جديدة في الإسكان إلى بناء وحدات متوسطة فأقل، لتوفي باحتاجات نسبة كبيرة من الشباب.
لا أعرف كيف يستمر تجاهل الأولويات طوال هذه السنوات، وأن نظل نوجه الإستثمارات في غير وجهتها التي نحتاجها، وأن نستمر في الإستدانة، لننفق على مشروعات ترفية، تخدم شريحة محدودة من السكان، وتتجاهل قطاع الإنتاج الصناعي، الذي يعد العمود الفقري لأي تنمية، خاصة وأننا دولة مكبلة بالديون.






