مصطفي السعيد يكتب: كيف دمرت الحقبة النفطية السوداء بلادنا؟ (1)
جرى هدم الزراعة مع هجرة الفلاحين المهرة، وارسال نقود لبناء بيوت بالطور الأحمر، فجرى كشط طبقة الطمي والتربة الغنية، وتحويلها إلى قمائن إنتاج الطوب.

ظهور النفط في دول الخليج أثر على دول كثيرة
الحقبة النفطية دمرت مصر وأنقذت أمريكا
الحقبة النفطية التي بدأت من سبعينيات القرن الماضي حتى الآن، كان لها آثارها المدمرة على بلدان المنطقة، وعلى رأسها مصر.
الحقبة النفطية أنقذت أمريكا من أزمة إقتصادية مروعة، عندما تقلص مخزونها من الذهب، وقرر نيكسون إلغاء ربط الدولار بالذهب، وعدم التزامها بتسديد ذهب لحملة الدولارات بواقع أونصة ذهب لكل 35 دولار، وربط الدولار بالنفط الخليجي، باشتراط بيع النفط بالدولار، وشجع نجاح ربط النفط بالدولار أمريكا على طبيعة مفرطة للدولار، حتى بلغ سعر أونصة الذهب حاليا 4740 بعد أن كان 35 دولار.
هجرة العمالة المصرية
شهدت الحقبة النفطية هجرة العمالة بمعدلات غير مسبوقة في تاريخنا سعيا لفرصة عمل بأجر أعلى، وهو ما تسبب في ظواهر إقتصادية وإجتماعية وسياسية خطيرة للغاية.
حرمان السوق المحلي من العقول والعمالة الماهرة، وانتقال نسبة كبيرة إلى دول الخليج، جعل مركز العملية الإنتاجية في الخارج، فأدي إلى:
نقود التحويلات وشراء السلع من العاملين في الخارج ألحقت ضررا كبيرا بالصناعة المحلية، فمن يعمل في الخارج يشتري الكثير، ويحول أموالا لأسرته، تشتري سلعا مستوردة، زادت قوة كبار التجار ووكلاء الشركات الأجنبية “الكومبرادور، وسماسرة العقارات، تحولت تلك الشريحة إلى أقوى الشرائح، لتحقيقها أرباحا ضخمة، لتؤثر على القرار السيسي، ونمط التفكير والسلوك وذوق تلك الشريحة.
هدم الزراعة وهجرة الفلاحين
جرى هدم الزراعة مع هجرة الفلاحين المهرة، وارسال نقود لبناء بيوت بالطور الأحمر، فجرى كشط طبقة الطمي والتربة الغنية، وتحويلها إلى قمائن إنتاج الطوب.
غياب نسبة كبيرة من الأزواج إلى الخارج جعل الزوجة تمضي سنوات وحيدة مع أطفالها، وكان لتلك الظاهرة آثارا مدمرة على الأسرة، وانتهاء الكثير منها بالإنفصال النفسي أو المادي، وغياب التفاهم والمودة.
اصطحاب الزوجة والأطفال في باقي النسبة أدى إلى نم أطفال في بيئة غريبة، منغلقة على نفسها، تعوضها بكثرة التسوق والتنزه، لينشأ جيل من الأطفال عاشوا داخل “صوبة”، ليس لديهم خبرات إجتماعية، منبتين الصلة عن بلادهم، وعند عودتهم يصبحوا أكثر ميلا للعزلة وعدم التكيف، وعودهم طري، لا يمكنهم مواجهة المشكلات وحلها، وأكثر تبرما من وطنهم الأصلي، يتفاخرون بمستوى معيشتهم في فترة الهجرة.
مصطفى السعيد يكتب: سيناريو “الجحيم للجميع” بعد ساعات
مصطفى السعيد يكتب: مضيق هرمز مفتاح القوة والحرب والسلام
مصطفي السعيد يكتب: كل المخارج مغلقة
الإنقاذ الفردي وغياب الحل الجماعي
العمال والموظفون والخريجون يفكرون في عقد العمل أو فرصة السفر إلى الخارج على حساب الترقي المهني في بلدهم، وظهرت آثاره جلية في علاقات العمل والإنتاج والإنتماء والإهتمام بالقضايا الوطنية والحل الجماعي للمشكلات، وحل محلها الإنقاذ الفردي.
إعتياد العمالة في الخارج على نمط علاقة الكفيل حطمت فكرة النضال النقابي لتحسين الأجور وتحسين شروط العمل، وحل محلها سلوك كسب رضا صاحب العمل والتزلف له ومداهنته، والطاعة المطلقة، والطعن في الزملاء.

الزواج من العريس المهاجر
أصبحت معظم الفتيات المقبلات على الزواج يفضلن العريس المهاجر أو العائد من الهجرة على حساب الشخص المناسب، لتتراجع قيمة الحب والصفات المعنوية لصالح العريس الجاهز.
منظومة القيم الإجتماعية والأخلاقية تضررت بشدة، خاصة مع صعود الجماعات السلفية، التي نشأت على أيدي العائدون من الخارج أو ظهور التمويل من دول الخليج لنشر الوهابية.
بروز الإخوان كقوة سياسية
كان بروز جماعة الإخوان كقوة سياسية قد شهد نموا غير مسبوق بفضل الدعم الذي كانت تتلقاه الجماعة وغيرها من الجماعات السلفية، واتسع نطاق تأثيرها ليشمل كل الجغرافيا على الصعيد الأفقي، والتغلغل وسط باقي الطبقات والشرائح الإجتماعية، ليزداد نفوذها السياسي والقيمي على المجتمع بأكمله.
تراجع الفكرة الوطنية والعروبة
تراجعت فكرة الوطنية والعروبة مع تنامي نفوذ الجماعات السلفية الوهابية، التي لا تؤمن بالوطن أو العروبة، وتروج لدولة الخلافة.
اتسع نطاق الصدام والعنف ضد المسيحيين ومختلف الخصوم السياسيين لجماعات السلفية الوهابية، وزادت أحداث الفتنة الطائفية، وبالتالي كان رد الفعل المسيحي العيش في أماكن يرتفع فيها نسبة المسيحيين، خشية تعرضهم للأذى في أماكن يشكلون فيها أقلية بسيطة، يسهل فيها النيل منهم.
سيطرة الوهابية على الحامعات المصرية
سيطرت الجماعات الوهابية على الجامعات والمدن الجامعية، التي كانت مراكز تنوير، ورافعة للعمل الوطني والسياسي، أعقبها إلغاء كل نشاط سياسي أو ثقافي جاد في الجامعات، ليصبح خريجو الجامعات أقل دراية واهتماما بالقضايا الوطنية والإجتماعية.
انتقال مركز الثقل إلى الدول الخليجية
انتقل مركز الثقل السياسي الإقليمي خطوة خطوة نحو دول الخليج، التي ارتبطت منذ النشأة بالبلدان الإستعمارية، وفي القلب منها الكيان، لتبدأ حقبة من تجاهل القضية الفلسطينية، تلاها طرح مشروعات تطبيعية، والقبول بالكيان، صاحبها معادة القوى الوطنية وتشويهها.
فقدت مصر دورها الريادي
فقدت مصر موقعها الريادي أمام بزوغ دول الخليج بعلاقاتها وتكوينها المشوه، وامتد التأثير إلى العواصم التي كانت مراكز حضارية وثقافية ولها دور ريادي مثل دمشق وبغداد والجزائر وبيروت وغيرها.
هذه بعض نتائج حقبة النفط الخليجي السوداء .. نستكمل في مقال آخر.






