مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب: لبنان بين التسوية والعزلة

المقاربة السائدة لمسألة السلاح ودور الحزب في لبنان لم تعد تعكس اختلافاً سياسياً داخلياً بقدر ما تكشف خللاً في فهم طبيعة المرحلة الإقليمية نفسها

مشاركة:
حجم الخط:

المقاربة السائدة لمسألة السلاح ودور الحزب في لبنان لم تعد تعكس اختلافاً سياسياً داخلياً بقدر ما تكشف خللاً في فهم طبيعة المرحلة الإقليمية نفسها. فالمشهد لم يعد نقاشاً حول ملف لبناني معزول، بل جزءاً من إعادة هندسة شاملة لميزان الاشتباك في الإقليم بين إيران وإسرائيل، تحت إدارة أمريكية مباشرة، وبمشاركة فاعلة من حلفائها، حيث تُعاد صياغة قواعد القوة والتفاوض معاً، وتُعاد توزيع الأدوار بين الساحات لا على أساس سيادتها الشكلية بل على أساس موقعها في ميزان القوة.

في هذا السياق، يصبح أي حديث عن فصل لبنان عن التسويات الجارية حديثاً يتجاهل بنية الواقع لا يفسرها. لأن لبنان ليس خارج هذه الهندسة، بل أحد مسارحها الفعلية، سواء عبر موقعه الجغرافي في الاشتباك مع إسرائيل، أو عبر موقع القوى المسلحة فيه ضمن معادلة ردع إقليمي أوسع. وبالتالي، فإن تصوير إمكانية إخراج لبنان من مسار التسويات وكأنه خيار سيادي مستقل، يتجاهل أن هذه التسويات نفسها هي التي تعيد تعريف معنى السيادة وحدودها في المنطقة بأكملها.

الأخطر في هذا الطرح أنه يُقدَّم أحياناً تحت عنوان حماية السيادة أو رفض الارتهان للخارج، بينما هو عملياً يفترض إمكانية الانسحاب من مسار إقليمي لا يملك لبنان القدرة على التأثير في مجراه العام. وفي لحظة يعاد فيها رسم قواعد الاشتباك، لا يعني الانسحاب من التسوية تحصيناً للموقع، بل يعني تركه خارج الإطار الذي تُدار فيه عملية ضبط القوة، بما يفتح المجال لانكشاف أكبر لا لاستقلال أوسع.

من هنا، فإن مسألة “مقومات الصمود” لا يمكن التعامل معها كعبء منفصل عن بيئة الصراع التي أنتجتها. هذه المقومات لم تتشكل كخيار نظري، بل كجزء من معادلة ردع داخل صراع مفتوح لم يُحسم بعد. وأي مقاربة تفترض إمكانية تفكيكها أو تحييدها دون إدخالها في تسوية شاملة تعيد تعريف وظيفة القوة في الإقليم، تتجاهل أن معنى القوة ذاته يتغير مع تغير ميزان الاشتباك.

في المقابل، لا يقل خطأ التعامل مع هذا الواقع كأنه ثابت غير قابل للمراجعة. فالقوة التي لا تُعاد صياغتها داخل التحولات الكبرى تتحول تدريجياً إلى عبء على البيئة التي وُجدت فيها. لكن هذه المراجعة لا يمكن أن تتم داخل فراغ سياسي، بل داخل لحظة إقليمية تُعاد فيها صياغة كل عناصر الردع والتوازن في آن واحد.

الإشكال الحقيقي أن بنية السلطة في لبنان لا تتحرك خارج تأثير مباشر ومعقد للولايات المتحدة وحلفائها في الإقليم، حيث يُعاد رسم سقف القرار قبل أن يصل إلى الداخل، وتُحدد حدود الممكن والممنوع ضمن شبكة ضغوط سياسية وأمنية واقتصادية متداخلة. لذلك، فإن الحديث عن قرار لبناني مستقل بالكامل في الملفات الاستراتيجية الكبرى يبقى أقرب إلى توصيف نظري منه إلى واقع فعلي.

ضمن هذه البنية، يصبح السؤال حول “السيادة” سؤالاً ناقصاً إذا لم يُربط بميزان القوة الحقيقي، لأن السيادة ليست حالة مطلقة بل قدرة متغيرة على المناورة داخل منظومة نفوذ أوسع. وكل تجاهل لهذه الحقيقة يؤدي إلى إنتاج خطاب سياسي يبدو متماسكاً في اللغة، لكنه منفصل عن شروط تطبيقه.

أما اختزال الخيار بين الانخراط في تسوية إقليمية أو رفضها باسم الاستقلال، فهو تبسيط لا يعكس طبيعة اللحظة. لأن لبنان لا يقف خارج هذه التسوية ليختار الدخول أو الخروج منها، بل يُعاد تعريف موقعه داخلها سواء شارك في صياغتها أم لا. والفرق هنا ليس أخلاقياً، بل بنيوياً: إما أن يكون جزءاً من إعادة توزيع القوة الجارية، أو أن يتعامل مع نتائجها من موقع أقل قدرة على التأثير.

وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن حماية لبنان عبر “الاستقلال عن التسويات” مفهوماً إشكالياً، لأنه يفترض أن هناك خارجاً محايداً يمكن الاحتماء به، بينما الواقع أن الإقليم نفسه لم يعد يسمح بمناطق رمادية مستقرة. كل فراغ يُعاد ملؤه، وكل غياب عن طاولة التفاهمات يتحول إلى انكشاف في ميدان الاشتباك.

في المحصلة، الأزمة ليست في النقاش حول السلاح أو في فكرة السيادة بحد ذاتها، بل في محاولة فصل لبنان عن لحظة إقليمية تُعاد فيها صياغة قواعد القوة، ثم التعامل مع هذا الفصل وكأنه خيار سيادي مكتمل. بينما في الواقع، هو إعادة تموضع خارج معادلة لا تزال تُكتب، بكلفة تتراكم مع كل تأجيل للاعتراف بطبيعتها.

شارك المقال: