قانون إعدام الأسرى: تشريع الموت حين تتحول الأغلبية إلى أداة قتل
الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في إقرار عقوبة الإعدام، بل في التعديل الجوهري الذي يسمح بإصدار الحكم دون الحاجة إلى إجماع هيئة المحكمة.

في مشهدٍ تقشعر له الأبدان، وتأباه الفطرة السوية، وتتبرأ منه الإنسانية، أطل علينا “كنيست” الكيان المحتل بقرارٍ ليس غريباً على من جُبلوا على سفك الدماء.
لكنه الأكثر وقاحةً وصلافة في تاريخ الصراع.
إن إقرار “قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين” ليس مجرد تشريعٍ أمني، بل هو “إعلان حرب” على الكرامة العربية، وطعنة غادرة في قلب كل ميثاق دولي وُضع لحماية الإنسان.
أولًا: أرقام الكنيست تكشف طبيعة التحول
حين مرّر مشروع قانون إعدام الأسرى داخل الكنيست مدعومًا بأغلبية يمينية تتجاوز 64 مقعدًا من أصل 120.
لم يكن ذلك مجرد تفوق عددي عابر، بل تعبيرًا دقيقًا عن ميزان قوى جديد يعيد تشكيل البنية لدولة الاحتلال الإسرائيلية.
اصبحت الأغلبية أداة مباشرة لفرض رؤية أيديولوجية تقوم على الردع الدموي، وهو ما يتقاطع مع واقع ميداني يضم أكثر من 5200 أسير فلسطيني داخل سجون الاحتلال.،
بينهم مئات المحكومين بالمؤبد، والذين يتحولون – وفق هذا القانون – إلى أهداف محتملة لعقوبة الإعدام في أي لحظة سياسية مناسبة.

ثانيًا: نص قانوني… بواجهة قضائية وجوهر انتقامي
الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في إقرار عقوبة الإعدام، بل في التعديل الجوهري الذي يسمح بإصدار الحكم دون الحاجة إلى إجماع هيئة المحكمة.
وهو ما يعني عمليًا تسهيل تنفيذ الإعدام وتحويله من إجراء استثنائي شبه مستحيل إلى أداة قابلة للتطبيق، خاصة في ظل بيئة قضائية مسيّسة.
إضافة إلى أن التطبيق الفعلي للقانون يستهدف الفلسطينيين تحديدًا، في حين تغيب أي سوابق حقيقية لتطبيقه على مستوطنين ارتكبوا جرائم قتل بحق الفلسطينيين.
وهو ما يكرس لمنظومة قانونية مزدوجة تناسب العدالة الصهيونية المزعومة.
ثالثًا: اليمين الإسرائيلي… من التحريض إلى التشريع
بدعم من أحزاب مثل الليكود، والصهيونية الدينية، وعوتسما يهوديت، تحوّل خطاب اليمين من مجرد دعوات انتقامية إلى نصوص قانونية مكتملة الأركان.
مدعومًا باستطلاعات رأي تشير إلى أن ما بين 55% و65% من الإسرائيليين المحتلين يؤيدون إعدام منفذي العمليات الفلسطينية.
وهي نسبة تعكس نجاحًا سياسيًا واضحًا في تحويل الخوف إلى رأي عام ضاغط، وإلى قانون ضمن قوانين أكثر تطرفًا، حتى في ظل تقديم آلاف التحفظات داخل الكنيست.

رابعًا: معارضة بلا تأثير… أزمة داخل دولة الاحتلال
في المقابل، فشلت قوى المعارضة التي تمتلك ما يقارب 50 إلى 55 مقعدًا في تحويل حضورها العددي إلى قوة سياسية فاعلة.
حيث انحصرت مواقفها في التحذير من تداعيات القانون على صورة دولة الاحتلال في العالم أو على جنودها في الخارج، دون أن تقدم خطابًا يرفض مبدأ الإعدام ذاته، وهو ما يكشف أن الأزمة لم تعد في صعود اليمين فقط، بل في غياب بديل حقيقي قادر على المواجهة.
خامسًا: الشارع الإسرائيلي… أغلبية تميل نحو القسوة
تكشف استطلاعات الرأي عن واقع أكثر صراحة، حيث يؤيد أكثر من نصف مستوطني دولة الاحتلال تشديد العقوبات إلى حد الإعدام، مقابل أقلية تتراوح بين 25% و30% تعارض ذلك بشكل واضح.
وهو ما يعكس تحوّل المزاج العام للاحتلال نحو القبول بسياسات أكثر قسوة، في ظل خطاب أمني مكثف يغذي الخوف ويعيد تشكيل أولويات المجتمع.
سادسًا: الموقف العربي… إدانة بلا أدوات
رغم صدور بيانات إدانة عربية متكررة تصف القانون بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي، فإن غياب أدوات الضغط الفعلية، سواء السياسية أو الاقتصادية، يجعل هذه المواقف أقرب إلى ردود فعل شكلية، خاصة في ظل استمرار بعض أشكال التعاون والعلاقات التي تقلل من كلفة القرار الإسرائيلي.
سابعًا: الموقف الدولي… قلق لا يرقى إلى الفعل
دوليًا، عبّرت منظمات حقوقية وعدد من الدول عن قلقها من القانون، معتبرة أنه يتعارض مع اتفاقيات جنيف، خاصة في سياق الاحتلال، غير أن هذا القلق لم يتحول إلى إجراءات عملية، فلا عقوبات ولا ضغوط حقيقية، وهو ما يعزز شعور إسرائيل بأن كلفة هذا التشريع محدودة ويمكن احتواؤها.
بيان إدانة: “آخر الكلام” ترفض تشريع القتل
إن الموقع الإخباري “آخر الكلام”، انطلاقًا من مسؤوليته المهنية والأخلاقية، يدين بأشد العبارات مشروع قانون إعدام الأسرى الذي أقره الكنيست الإسرائيلي،
ونعتبره انتهاكًا صارخًا لمبادئ العدالة الإنسانية والقانون الدولي، وجريمة تشريعية تسعى إلى شرعنة القتل على أساس الهوية.
تحويل القضاء إلى أداة سياسية في يد سلطة الاحتلال
كما يحذر من أن هذا القانون لا يمثل فقط تهديدًا لحياة الأسرى الفلسطينيين.
أن القانون يشكل سابقة خطيرة تفتح الباب أمام مزيد من السياسات القائمة على الانتقام، وتدفع المنطقة نحو مستويات أعلى من التوتر والعنف.






