1977 العام المر (15)

صورة تعبيرية لسلسلة العام المر
البدايات التي لا يعرفها أحد
بدت أجزاء الديك الرومي المنتظر في القدر الكبير أكبر من المعتاد..
لون ” المرق” قاتم بعض الشئ..
لكن رائحة ” طشة ” الملوخية تطغى على الأجواء..
تشعر بعدها بالحوع الشديد..
بدأنا في إلتهام الطعام.
لا يمكنك أن تقتنص قطعة من نسائل الديك الرومي سوي بكلتا يديك الظاهر كان عايز سوي أكتر من كده”
أحد أفراد العائلة. العظام المتبقية تلوح أنها لطائر “رخ” قديم.. أكلت حد التخمة.. لم أشعر بشئ غير معتاد سوي بنفاذ مذاق ” الثوم” في حلقي..تلك حالة معتادة أمر بها كلما زدت من الطعام لا بأس إذا.
أصدقائي وأقاربي تناولوا ذات الوليمة.
الحياة ميسورة وتسير على ما يرام.
فلنودع ” الفراخ الهولندي” بزحام ومعركة الحصول عليها من المجمعات الإستهلاكية ولنتوجه جميعا للخير المنهمر علينا من السماء
” إريك” ورجل العطاء والبر توفيق عبد الحي
على ” عم شاكر” أن يتقبل تجاوز الزمن له ولبضاعته، من الأفضل أن يتخلى عن خيلاؤه قليلا ودعاويه ويبدأ في قراءة الواقع الجديد من حوله، لن تفيده المكابرة ولن يغنيه عن الإعتراف بالحال المستجد ديكه المتفاخر مقيد القدمين.
مائة وخمسة شحنة دجاج وطيور دخلت من المنافذ الرسمية للدولة وتناولها المصريين.
لم يكن احد يعلم بعد بفسادها
” المعلبات” و عبوات ” البلوبيف” المنتهية الصلاحية كانت تجد طريقها للسوق المصري بكل يسر وسهولة.
أنتشرت حينها عبارة ” المصريين معدتهم تهضم الزلط”.
كانت وعود الرخاء القادم فاسدة مثل فساد الغذاء وعطنه.
ولم تبدأ نهاية عصر الغذاء لكل مواطن و أفول نجم توفيق عبد الحي” سوي بنهاية عصر “السادات “
لم يكن” عبد الحي ” وحده هو من برز وتمدد حجمه وتضخمت ثروته في عهد” السادات”
بزع أيضا نجم رشاد عثمان الملك المتوج على عرش الإسكندرية – الغريب ان صعوده الصاروخي في عالم المال والأعمال كان بمساندة ودعم عثمان أحمد عثمان أيضا.
عصمت السادات شقيق الرئيس الراحل من سائق سيارة نقل بسيط وصولا لمليونير قدرت ثروته بمئات الملايين.
هؤلاء هم بعض الوجوه التي سادت في عصر الإنفتاح
أموال لا حصر لها تراكمت في خزائنهم من تجارات غير مشروعة وعمليات تهريب والقروض وتجارة العملة.
كانت المشروعات التي أقيمت في ذاك العصر هي في غالبيتها العظمي مشاريع إستهلاكية وإستخراجية سريعة الربح والمردود.
لم تعد هناك مشاريع إنتاجية تذكر.
أو إستثمار لرأس المال في الصناعات الثقيلة.
وبدأت الصناعة الوطنية العاجزة عن المنافسة – بسبب المشاكل البيروقراطية وسوء الإدارة والدعاية والتسويق وتخمة القوانين واللوائح المقيدة – تتواري خجلا وتندثر شيئا فشيئا تمهيدا لبيعها وخصخصتها.
المحصلة لكل ذلك عجز رهيب في الميزان التجاري والتضخم وقفز حجم الدين الخارجي لمعدلات قياسية.
نستورد كل شئ ولا نكاد ننتج شيئا.
بدا المجتمع في مظهره الخارجي براقا جاذبا زاهيا، بينما اعماقه تمور بالفقر والعوز والإملاق.
كل شئ تتمناه الأنفس مبهرج في ” الفاترينات” و الأسواق..
لكن أي طبقة محدودة تستطيع شراؤه؟
كنا نحن الصغار نودع عصر عصائر قها و إدفينا بعبواتها المعدنية القاسية والفتاحة المعدنية، لنستقبل عبوات السفن آب والبيبسي ذاتية الفتح، و عصائر السن توب، وبيست ذات الماصة المصاحبة.
كنا نضعها – الماصة – بالمقلوب في قاع العبوة.
ربما كان الأمر أكثر سهولة ويسرا وقد يكون تعبيرا عن وضع صار كل شئ فيه يمضي بالمقلوب عكس الإتجاه والفكر الموروث والثقافة المكتسبة.
كانت جلودنا تنسلخ وتتبدل دون أن تند عنا صرحة ألم او صيحة إختجاج، صغارا كنا، وأعتدنا الأمر عندما كبرنا بالخبرة والخلفية المعاشة ترى هل أبالغ؟
هل أصابتني التشوهات وحدي؟ لا أعلم يقينا.
التحولات والصدمات الروحية كما تترك ندوبا في الذات والوجدان.
تشكل عقل صاحبها وتحكم تصرفاته وإنضباطه الذاتي، ويصبح مخزونه المعرفي بضعة ذكريات هائمة ذهبت ولن تعود، وماض وحاضر معاش لا برهة ممنوحة فيه لنطل منها على نافذة أيامنا الغابرة بالوجد والشوق والأسف.
طاحونة الحياة تطحن الجميع يا صديقي، فلا نتوقف، راقب الموقف صامتا.
حاول أن تكسو أعصابك وعروقك النافرة بطبقة هشة من الجلد المتاح فينة بعد أخرى، ما أوفر حظ أصحاب الجلود السميكة؟
نوفمبر من العام 1977
لم تكن زيارة ” السادات” للقدس المحتلة في واقع الأمر سوي محاولة للهروب إلى الأمام تاركا خلفه مشاكل ومعضلات عديدة وجسيمة صارت تنخر في جسد الوطن.
لا أحد يعلم بالتحديد حسابات الرجل التي أدت به للقيام بتلك الخطوة.
ولكن تضافر بعض العوامل في الساحة السياسية الخارجية وتفاعلات الأحداث المجتمعية داخليا وجهت مسار تفكيره نحو تلك الخطوة والقفزة الهائلة – المبادرة – والتي غيرت وجه المنطقة لعقود قادمة.
على الساحة الخارجية كان يرى أنه قد مرت أربعة أعوام على حرب أكتوبر وبدأ الموقف الدولي يتجه ثانية نحو الجمود بعد إتفاقية فض الإشتباك الثاني في عام 1975 وتوجس من ضياع ثمار الحرب.
وسادت في الأجواء السياسية الخشية من عودة حالة اللا سلم واللاحرب.
ولاح أن الرئيس الراحل قد فشل في تحريك الموقف الأمريكي و التأثير على قاطن البيت الأبيض الجديد ” جيمي كارتر”
وما أكد له الأمر رسالة تلقاها من الرئيس، الأمريكي في يوليو عام 1977 ينبهه فيها إلى جمود الموقف وأن” العرب في خلافات حول إجراءات عقد مؤتمر جنيف، وطريقة تشكيل الوفود العربية إلى المؤتمر، وفد عربي واحد أم وفود مختلفة.
وطريقة تمثيل الفلسطينيين في المؤتمر وزاد ضيقه وتبرمه تفتت وحدة الصف العربي والخلافات التي لا تنتهي حول الفكر والمنهج والوسيلة فضلا عن صراعات الزعامة والسيطرة والنفوذ.
تشرذم الصف الفلسطيني إلى تيارات متصارعة لا مرجعية فكرية تحكم توجهاتها ورؤيتها لكيفية إدارة الصراع و المعركة.
تفاقمت العلاقات المتدهورة مع الإتحاد السوفيتي والتي أدت لنقص إمدادات السلاح مما يبعد من إحتمالية مواصلة الحرب.
كل تلك العوامل السياسية كانت لها وجاهتها بالتأكيد إلا أن إقدامه على المبادرة وضع بالفعل مائة بالمائة من أوراق اللعبة وشروط التفاوض والنتائج المنتظرة في يد إسرائيل و الولايات المتحدة الأمريكية بالطبع.
كما أن الزيارة في الواقع تضع ظهره إلى الحائط.
الزيارة تعني الإعتراف بإسرائيل وإنهاء حالة الحرب، وكلها هدايا مجانية بلا ثمن سياسي مدفوع..
أما على الجبهة الداخلية فقد كانت الآثار السلبية للإنفتاح الإقتصادي قد بدأت تتجلى في إتساع هوة التفاوت الطبقي وبروز طبقة طفيلية تراكم الثروات.
بينما طبقات أخرى تسقط في براثن الفقر والعوز.
وبدا أنه لم تكن” إنتفاضة الخبز” في يناير تمثل نذيرا كافيا للنظام ليعدل ويغير من توجهاته و إنحيازاته.
لاحت بوادر الأزمات الإقتصادية المتعاقبة والتي تمثلت في نقص وإرتفاع سعر العديد من السلع الأساسية.
مقابل ظهور ملحوظ للسلع الإستفزازية تكلل” فاترينات” العرض في محلات و “،بوتيكات ” الطبقة الراقية.
ناهيك عن إنهيار المرافق الأساسية إلى حد أن إجراء مكالمة على الهاتف الأرضي كان يحتاج جهدا كبيرا وأحيانا ” واسطة”
وكانت مظاهر الفتنة الطائفية بادية لأعين الجميع.
وتوغلت الجماعات المتسربلة برداء الإسلام في مسام ومفاصل المجتمع وهيئاته.
وبدأ أيضا الرئيس الراحل يضيق بالمعارضة.. وظهرت أنياب الديمقراطية _ التي تحدث عنها الرئيس _ وتعددت القوانين الصادرة لتقييد الحريات.
كل تلك العقبات جعلت الفكرة تتملك عقله
والحقيقة أن الغالب الأعم من المصريين لم يعارضوا ” المبادرة” في البداية.
كانت الجموع قد تعبت من الحروب والظروف الإقتصادية التي تفرضها .
وزينت لهم الصحافة وعود الرخاء القادم.
وكانوا أيضا ينظرون للدول النفطية وهي تراكم الثروات نتيجة القفزة الهائلة في أسعار النفط التي حدثت بسبب حرب أكتوبر دون أن يقدموا تضحيات تذكر .
كانت الناس تريد أن نحيا حياة كريمة.
وكانت هناك تيارات معارضة بالطبع.. ولكن لم يكن لها كثير تأثير في ذلك الحين.
هم فقط بعض ” الأرذال” كما كان يصفهم ” الرئيس المؤمن” ” كبير العائلة المصرية”
لن يستطيعوا تعطيل مسيرة ” دولة العلم والإيمان”
ويبقى سؤالا حائرا
ترى هل كان يعلم الرئيس السادات انه ذاهب إلى السلام المنفرد؟
وهل كان يدرك تأثير ” مبادرته” على المنطقة العربية لعقود طويلة قادمة؟
السلام مطلوب بالتأكيد.
نهاية كل حرب تفاوض وهدنة وسلام.
إلا أنه لم يعد خيار التراجع مطروحا منذ وطأت قدم ” السادات” ارض مطار ” بن جوريون”
يمكننا تخيل نوع وشكل وقيود السلام المطروح إذا






