هواوي وأمريكا تتنافسان على مركز للذكاء الاصطناعي في مصر
تتنافس الولايات المتحدة والصين على مشروع لإنشاء مركز بيانات متقدم للذكاء الاصطناعي في مصر. وقدمت هواوي عرضًا يتضمن أكثر من ألفي رقاقة متقدمة، بينما تسعى إدارة ترامب إلى تشكيل تحالف من شركات أمريكية لتقديم عرض منافس. ولم تحسم الحكومة المصرية اختيارها بعد.

لماذا تتنافس أمريكا والصين على مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في مصر؟
هل الذكاء الاصطناعي الحالي ذكي فعلًا؟
قد يبدو مشروع إنشاء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في مصر صفقة تكنولوجية،
لكنه يتحول إلى ساحة جديدة للمنافسة بين الولايات المتحدة والصين.
وتقدمت شركة هواوي الصينية بعرض للحكومة المصرية لإنشاء بنية تحتية للحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي،
باستخدام أكثر من ألفي رقاقة متقدمة من إنتاجها.
وفي المقابل، تحاول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفق مصادر ووثائق اطلعت عليها بلومبرغ، جمع تحالف من شركات أمريكية لتقديم عرض منافس.
ولم تعلن الحكومة المصرية حتى الآن اختيار أي من العرضين.
ماذا يتضمن العرض الصيني؟
بحسب المعلومات الواردة في التقرير، اقترحت هواوي توريد 1408 رقائق من سلسلة Ascend 950 لاستخدامها
في بنية سحابية مخصصة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
كما يتضمن العرض 600 رقاقة إضافية من الطراز نفسه أو من طراز Ascend 910B الأقدم،
لتشغيل مركزين مخصصين لما يعرف بـ”الاستدلال”، أي تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي بعد تدريبها.
واقترحت هواوي تنفيذ البنية التحتية خلال 12 شهرًا.
وتكمن أهمية المشروع بالنسبة إلى الشركة الصينية، وفق خبراء نقل عنهم التقرير،
في أنه قد يمثل أحد الاختبارات المبكرة المعروفة لقدرتها على تصدير رقائق Ascend المتقدمة خارج الصين،
بعد أكثر من عام من محاولاتها دخول أسواق خارجية.
كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي مستقبل الرعاية الصحية؟
لماذا يهم المشروع مصر؟
لا يتعلق مركز بيانات الذكاء الاصطناعي بمجرد تخزين المعلومات.
فهذا النوع من المراكز يحتاج إلى قدرات حوسبة ضخمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها،
ويضم آلاف الخوادم والمعالجات المتخصصة ومعدات الشبكات والتخزين.
ويشرح استشاري نظم المعلومات والأمن السيبراني الدكتور محمد عسكر أن مركز البيانات التقليدي يمثل بنية مادية ورقمية
لتخزين البيانات ومعالجتها وإدارتها، بينما يتحول مركز البيانات المخصص للذكاء الاصطناعي
إلى ما يشبه “مصنعًا رقميًا“ يحتاج إلى قدرات حوسبة هائلة.
أما محمد عزام، خبير تقنيات المعلومات والذكاء الاصطناعي وعضو مجلس إدارة الجمعية الدولية لإدارة التكنولوجيا،
فيصنف المشروع ضمن ما يعرف بـمراكز البيانات فائقة النطاق، التي يمكن توسيع قدراتها باستمرار بإضافة مزيد من المعالجات والموارد الحاسوبية.
وبحسب عزام، فإن المشروع المقترح لا يمثل مجرد منشأة لتخزين البيانات، وإنما بنية حوسبية قابلة للتوسع
مع نمو الطلب على تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
الحوسبة والسيادة الرقمية
تملك مصر بالفعل مراكز بيانات وتعمل على توسيع بنيتها الرقمية، لكن مركزًا مخصصًا للذكاء الاصطناعي
بهذا المستوى يؤدي وظيفة مختلفة، بحسب الخبراء الذين تحدثوا إلى بي بي سي.
ويرى عزام أن وجود قدرات حوسبية متقدمة داخل مصر يمكن أن يقلل الاعتماد على الحوسبة
الموجودة خارج البلاد أو على خدمات الحوسبة السحابية الأجنبية.
كما يمكن أن يتيح للجامعات والشركات الناشئة والمؤسسات الحكومية الوصول إلى هذه القدرات وتطوير وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي بصورة أسرع.
لكن أهمية المشروع لا تتوقف عند الجانب التقني.
فوجود خوادم وقدرات حوسبية داخل الأراضي المصرية يرتبط أيضًا بمفهوم السيادة الرقمية،
خصوصًا أن هذه البنية قد تتعامل مع بيانات حكومية ومالية وصحية وتجارية وبيانات ملايين المستخدمين.
ويشير عسكر، في الوقت نفسه، إلى أن وجود الخوادم داخل مصر يمثل جانبًا من السيادة على البيانات، لكنه لا يكفي وحده لضمانها.
لماذا تتنافس القوى الكبرى على مصر؟
يرى الخبراء الذين تحدث إليهم التقرير أن المنافسة على المشروع لا ترتبط باحتياجات مصر الداخلية فقط.
فمصر من أكبر دول أفريقيا من حيث عدد السكان، وتتمتع بموقع يربط بين أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا.
كما أن بنيتها التحتية للاتصالات ومرور كابلات بحرية دولية عبر أراضيها يمنحانها أهمية إضافية في منظومة الاتصال العالمية.
ويرى عزام أن ما يميز مصر هو الجمع بين حجم السوق والكوادر البشرية والموقع الجغرافي.
كما يمكن لوجود كفاءات مصرية وشركات ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي أن يحول المركز
إلى قاعدة لتطوير تطبيقات تخدم قطاعات مختلفة، بدلًا من اقتصاره على السوق المحلية.
ويذهب أحمد صلاح، الباحث في الذكاء الاصطناعي بجامعة جورج تاون، إلى أن المركز يمكن أن يتحول إلى جزء
من بنية إقليمية تقدم خدمات الحوسبة والذكاء الاصطناعي لأسواق عربية وأفريقية أخرى.
وتتنافس دول المنطقة أيضًا على تطوير قدراتها في هذا المجال، خصوصًا الإمارات والسعودية،
اللتين تضخان استثمارات كبيرة في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
لكن مصر، وفق صلاح، تقدم مزيجًا مختلفًا من السوق الكبيرة والموقع الجغرافي والبنية التحتية للاتصالات والقاعدة البشرية.
تعاون مصري صيني متنامٍ في التكنولوجيا
لا يأتي العرض الصيني بمعزل عن مسار أوسع من التعاون التكنولوجي بين مصر والصين.
فقد توسع التعاون خلال السنوات الأخيرة ليشمل الحوسبة السحابية ومراكز البيانات وتصميم الشرائح والذكاء الاصطناعي وتدريب الكوادر.
وفي سبتمبر/أيلول 2024، وقعت القاهرة وبكين خمسة اتفاقات في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات،
تضمنت إنشاء مركز للبحث والتطوير في تصميم الشرائح، والتعاون في تطوير نموذج لغوي عربي مفتوح المصدر،
وإنشاء صندوق تكنولوجي بقيمة 300 مليون دولار، إلى جانب مشروعات مع شركات صينية بينها هواوي وZTE.
وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 17 مليار دولار في 2024، وفق وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري، بحسب التقرير.
ماذا تريد هواوي من المشروع؟
بالنسبة إلى هواوي، قد تمثل الصفقة فرصة لاختبار قدرتها على نقل منظومة الذكاء الاصطناعي التي طورتها في الصين إلى سوق خارجية.
ويقول الدكتور محمد عسكر إن الرقائق الصينية لا تزال متأخرة عن أفضل الرقائق الأمريكية من حيث القدرات وحجم الإنتاج.
كما أن القيود الأمريكية على وصول الصين إلى تقنيات تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة تعرقل،
بحسبه، قدرة هواوي على إنتاج كميات كبيرة من رقائق الذكاء الاصطناعي.
ومن ثم، فإن نجاح صفقة في مصر قد يحمل أهمية للشركة من ناحيتين: إثبات وجود طلب دولي على رقائقها،
وإظهار قدرتها على توفير بنية تحتية متكاملة للذكاء الاصطناعي خارج السوق الصينية.
وتأتي هذه المنافسة في وقت تواجه فيه هواوي وشركات الذكاء الاصطناعي الصينية قيودًا أمريكية على التكنولوجيا المتقدمة
وأشباه الموصلات، وهي قضية أصبحت أحد محاور التنافس التكنولوجي بين واشنطن وبكين.
ماذا تريد الولايات المتحدة؟
يرى أحمد صلاح أن اهتمام واشنطن بالمشروع لا يتعلق بالحصول على الصفقة وحدها،
بل يرتبط أيضًا بمحاولة الحد من انتشار التكنولوجيا الصينية المتقدمة.
في المقابل، تنظر بكين إلى القيود الأمريكية باعتبارها فرصة لتقديم نفسها موردًا بديلًا للدول التي تسعى إلى بناء قدراتها في الذكاء الاصطناعي.
وبحسب تقديرات مستقلة أوردها التقرير، تسيطر الولايات المتحدة والصين معًا على نحو 90 في المئة من قدرات الحوسبة العالمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
كما تستحوذ الدولتان على ما بين 70 و80 في المئة من الاستثمارات العالمية في هذا المجال.
وتتزامن المنافسة على المشروع المصري مع استمرار التنافس الأوسع بين واشنطن وبكين حول الذكاء الاصطناعي وأشباه
الموصلات والبنية التحتية الحاسوبية. وتظهر التطورات الأخيرة استمرار وضع الذكاء الاصطناعي
في قلب المنافسة التكنولوجية والاقتصادية بين البلدين.
مصر بين العرضين الأمريكي والصيني
يضع المشروع مصر أمام خيار تكنولوجي واستراتيجي مهم.
فمن ناحية، يوفر العرض الصيني إمكانية الحصول على بنية متكاملة للحوسبة بالذكاء الاصطناعي،
فيما قد يفتح العرض الأمريكي الباب أمام تقنيات وشركات أمريكية في قطاع شديد الحساسية استراتيجيًا.
ومن ناحية أخرى، قد يكون اختيار أحد العرضين مرتبطًا بالقيود الأمريكية على التكنولوجيا الصينية المتقدمة.
فالتقرير يشير إلى أن شحنات بعض رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى مصر تخضع، منذ عام 2023، لمتطلبات ترخيص أمريكية.
كما حذرت إدارة ترامب من أن استخدام بعض رقائق هواوي المتقدمة دون موافقة واشنطن قد يعرض الجهات المستخدمة لها لعقوبات.
وبالتالي، فإن القرار المصري لا يتعلق فقط بمواصفات الخوادم أو عدد الرقائق، بل يرتبط أيضًا بالبيئة التنظيمية والتكنولوجية الدولية المحيطة بالمشروع.
هل تتحول مصر إلى ساحة جديدة لحرب التكنولوجيا؟
لم تحسم الحكومة المصرية حتى الآن الجهة التي ستنفذ المشروع.
لكن مجرد تنافس هواوي وشركات أمريكية على إنشاء بنية تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي يكشف الأهمية المتزايدة لمصر في خريطة التكنولوجيا الإقليمية.
وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن أهمية المشروع بالنسبة إلى القاهرة ترتبط بالحوسبة والسيادة الرقمية
وتطوير الشركات والجامعات، بينما يمثل بالنسبة إلى واشنطن وبكين جزءًا من منافسة أكبر على مستقبل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وبذلك، لا تبدو المعركة حول مركز البيانات المصري مجرد منافسة على عقد تجاري،
بل اختبارًا جديدًا لقدرة كل من الولايات المتحدة والصين على توسيع نفوذهما التكنولوجي خارج حدودهما.
رابط المقال المختصر:





