تقارير
سالم أبو رخا
سالم أبو رخا

كاتب صحفي

من زنزانة الاحتجاج إلى “حكم لا يُنفذ”

في صيف 2024، كان المشهد عاديًا في ظاهره: عمال يحتجون على أجور لا تكفي، وإدارة تماطل، ثم تدخل أمني ينهي اللحظة سريعًا.

مشاركة:
حجم الخط:

حكاية هشام البنا تكشف ثمن الدفاع عن لقمة العيش 

لم يكن هشام البنا يبحث عن بطولة، ولا كان يتصور أن صوته وهو يطالب بتطبيق الحد الأدنى للأجور داخل شركة سمنود للنسيج والوبريات سيتحول إلى معركة مفتوحة تكلفه عمله، واستقراره، وربما مستقبله كله.

في صيف 2024، كان المشهد عاديًا في ظاهره: عمال يحتجون على أجور لا تكفي، وإدارة تماطل، ثم تدخل أمني ينهي اللحظة سريعًا.

أُلقي القبض على عدد من العمال، وكان البنا بينهم، لكن ما لم يكن عاديًا أن الجميع خرج بعد أيام، بينما ظل هو وحده لأسبوع إضافي، كأن القصة قررت منذ بدايتها أن تختار بطلها.

حين خرج في سبتمبر، لم يكن يعلم أن أبواب المصنع التي اعتاد الدخول منها لسنوات لن تُفتح له مجددًا.

لم يكن الفصل قرارًا فوريًا، بل جاء تدريجيًا، بصمت إداري بارد: استبعاد من العودة، ثم دعوى، ثم جلسات، بينما يتآكل الوقت والدخل معًا.

في الخلفية، كانت الرسالة تتشكل ببطء: ليس كل من يطالب بحقه سيعود إلى مكانه كما كان.

تقول المفوضية المصرية للحقوق والحريات إن ما جرى لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل نمط انتقائي في التعامل مع العمال، حيث أُسقطت القضايا عن آخرين كانوا في نفس السياق، بينما استمر المسار ضد البنا وحده، كأن المطلوب مثال يُرى.

في يوليو 2025 صدر الحكم الأول بفصله، وكأن الخسارة اكتملت، لكن الرجل لم يتوقف.

استمر في التقاضي، مدفوعًا بفكرة بسيطة: أن ما حدث ليس عدلًا. وبعد شهور، في مارس 2026، قال القضاء كلمته: الفصل تعسفي، والشركة ملزمة بالتعويض.

لحظة يفترض أنها نهاية القصة، أو على الأقل بداية استعادة التوازن. رقم مكتوب في الحكم—270 ألف جنيه—كان كافيًا نظريًا ليعيد شيئًا من الحق، ويغلق الدائرة.

علي الأفريقي يكتب: أنا والصورة

نتنياهو يدعم استئناف حرب إيران

كيف تحولت القواعد الأمريكية في المنطقة إلى أهداف “سهلة”؟

كيف اجتاحت الفوضى حكومة نتنياهو؟

لكن الدوائر في هذا النوع من الحكايات لا تُغلق بسهولة.

فالحكم الذي صدر لم يُنفذ، والتعويض الذي أُقر لم يصل، وتحولت الورقة الرسمية إلى وعد معلق.

تصف المفوضية هذا الوضع بأنه تحدٍ صريح لفكرة العدالة نفسها، حيث ينتصر العامل في المحكمة، لكنه يظل عالقًا خارجها، بلا عمل وبلا مقابل.

ومع كل يوم تأخير، تتغير طبيعة الخسارة: لم تعد فقط خسارة وظيفة، بل خسارة وقت، وأمان، وإحساس بأن القانون قادر على أن يحمي.

الأصعب ربما لم يكن المال، بل ما تبعه من فراغ صامت.

فالموقف التأميني للبنا لا يزال معلقًا، لأن إجراءات إنهاء خدمته لم تُستكمل، وهي خطوة إدارية تبدو صغيرة على الورق، لكنها في الواقع مفتاح لكل شيء: المعاش، العلاج، حتى إعانة البطالة.

هكذا وجد نفسه في منطقة بين بين، لا هو عامل يمكنه العودة، ولا هو مفصول يمكنه تحصيل حقوقه.

في بلد ينص دستوره على الضمان الاجتماعي، يبدو هذا التعليق كأنه تعليق للحياة نفسها، لا مجرد ملف إداري.

في الوقت الذي تتكشف فيه تفاصيل قصته، يظهر أن ما يحدث ليس حالة فردية معزولة. داخل المصنع نفسه، تأخرت الأجور مرارًا خلال 2026، وقُسمت على دفعات، ولم تُصرف كاملة إلا بعد احتجاجات.

نفس المنطق يتكرر: الأجر ليس حقًا مستقرًا، بل ورقة تفاوض، والاحتجاج ليس وسيلة، بل مخاطرة. في هذا السياق، تبدو قصة البنا أقل استثناءً مما تبدو، وأكثر تعبيرًا عن نمط أوسع.

وراء كل ذلك، يبرز سؤال لا يتعلق بشخص واحد، بل بمنظومة كاملة: ماذا يحدث للعامل الذي يقرر أن يطالب بحقه؟

الطريق طويل، يبدأ باحتجاج، ويمر بتوقيف، ثم فصل، ثم محكمة، ثم حكم… وقد لا ينتهي بشيء ملموس.

خلال هذا الطريق، لا توجد حماية كافية لمن يفقد دخله فجأة، رغم وجود آليات مثل صناديق إعانات الطوارئ، التي تبدو بعيدة عن الوصول إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها.

تطالب المفوضية المصرية للحقوق والحريات بتدخل عاجل: تنفيذ الحكم، تسوية الموقف التأميني، صرف إعانات، وفتح تحقيق في ما تصفه بالتنكيل بالقيادات العمالية.

مطالب تبدو مباشرة، لكنها في جوهرها محاولة لإعادة التوازن إلى قصة اختل ميزانها منذ البداية.

في النهاية، لا تبدو حكاية هشام البنا مجرد نزاع عمالي، بل مرآة لسؤال أكبر: هل يكفي أن تكسب قضيتك في المحكمة، أم أن العدالة الحقيقية تبدأ فقط عندما يتحول الحكم إلى واقع؟

بين لحظة المطالبة بالحق ولحظة الحصول عليه، مساحة واسعة قد يخسر فيها الإنسان أكثر مما توقع، وربما كل ما كان يملكه

شارك المقال: