مقال بوك

ملف تحليلي: ليبيا بين الدولة والفراغ (5)

حين انكسر الصندوق وسارت البلاد نحو الحرب بقلم د. محمد فؤاد في صيف 2014، لم يكن الليبيون مختلفين على ورقة اقتراع بقدر ما كانوا مختلفين على معنى الدولة نفسها، كانت…

مشاركة:
حجم الخط:

حين انكسر الصندوق وسارت البلاد نحو الحرب
بقلم د. محمد فؤاد
في صيف 2014، لم يكن الليبيون مختلفين على ورقة اقتراع بقدر ما كانوا مختلفين على معنى الدولة نفسها، كانت المدن متعبة، والناس مرهقين، والسلاح حاضرًا أكثر من أي فكرة سياسية، ومع ذلك، ذهب البعض إلى صناديق الاقتراع، كأنهم يرمون آخر حجر في بئر عميقة اسمها “الانتقال الديمقراطي”
لم تكن الأجواء احتفالية، في بنغازي، كان صوت الرصاص أقرب من صوت الحملات الانتخابية.
وفي طرابلس، كانت الميليشيات تراقب المشهد من بعيد، لا بوصفها حامية للصندوق، بل بوصفها الحَكم الأخير على نتائجه، حين أُعلنت نتائج انتخابات مجلس النواب، لم يشعر الليبيون بأنهم دخلوا مرحلة جديدة، بل بأنهم انقسموا رسميًا.
شرقٌ قال إن الشرعية خرجت من الصندوق،وغربٌ قال إن الصندوق نفسه وُلد في ظروف معيبة، ولا يمكن التسليم به.
لم يذهب الخلاف إلى المحكمة، بل إلى الشارع، ثم إلى فوهة البندقية.
في طرابلس، تحرّكت تحالفات مسلحة تحت اسم “فجر ليبيا”
لم تكن تلك التسمية سوى غطاء لائتلاف هشّ من كتائب، جمعها الخوف من خسارة النفوذ أكثر مما جمعها مشروع سياسي واضح .. سقطت العاصمة خلال أيام قليلة، لا لأن الدولة هُزمت، بل لأنها لم تكن موجودة أصلًا.
انتقل مجلس النواب إلى طبرق، محاطًا بمدن شعرت لأول مرة منذ 2011 أنها تملك عنوانًا سياسيًا واضحًا .. هناك، ظهر خليفة حفتر ليس فقط كقائد عسكري، بل كـإجابة بسيطة في زمن معقّد: الحسم بدل الفوضى، والانضباط بدل التعدد.

حفتر وعقيلة صالح

في بنغازي، تحوّلت الأحياء إلى خطوط تماس، شوارع كانت تعجّ بالمقاهي والطلاب صارت ساحات قتال، عائلات نزحت، بيوت دُمّرت، وأسماء اختفت في زنازين لا يعرف أحد مكانها، كل طرف قال إنه يقاتل الإرهاب أو يحمي الثورة، لكن المدنيين كانوا يدفعون الثمن كاملًا، ومع كل شهر يمر، كانت الدولة تتآكل أكثر.
حكومتان تتنازعان الشرعية، مصرفان، مؤسستان نفطيتان، وبلد واحد يتفتت بهدوء .. النفط، الذي كان يومًا مصدر رفاه نسبي، صار ورقة ضغط .. إغلاق هنا، تفاوض هناك، ورواتب تتأخر، فيما الناس تتعلّم العيش على القليل… أو الهجرة.
في تلك الأثناء، لم يعد الصراع ليبيًا خالصًا
مصر، التي رأت في شرق ليبيا عمقًا لأمنها القومي، دعمت معسكر الحسم، معتبرة أن الفوضى على حدودها خطر لا يُحتمل , ودول أخرى رأت في ليبيا ساحة لتصفية حسابات، أو لتثبيت نفوذ، أو لحماية مصالح طاقوية.
أما في الغرب، فكانت طرابلس تعيش ازدواجية قاتلة: حكومة بلا قوة كافية، وقوة بلا مشروع دولة.
تراكمت الانتهاكات , تقارير حقوقية تحدّثت عن تعذيب، اختفاء قسري، سجون غير قانونية، وقصف عشوائي , لكن في بلد يتقاتل فيه الجميع، صار الضحايا مجرد أرقام.
كبر جيل كامل في هذه السنوات، أطفال 2014 صاروا شبابًا لا يعرفون من الدولة إلا اسمها، ولا من السياسة إلا صراخ الشاشات، المدرسة انقطعت، الجامعة تأخرت، والحلم صار مؤجّلًا إلى أجل غير مسمّى.

بحلول 2018، كان واضحًا أن التسويات الجزئية فشلت، وأن اتفاق الصخيرات لم يُنهِ الصراع بل جمّده مؤقتًا، السلاح بقي، والانقسام ترسّخ، والتدخل الخارجي صار أعمق، وعندما انسدّ الأفق تمامًا، عاد السؤال القديم بثوب جديد: هل يمكن إنهاء هذا المشهد بالحسم العسكري؟
كان ذلك السؤال هو الطريق المباشر إلى معركة طرابلس في 2019، المعركة التي ستغيّر ميزان الصراع، وتفتح فصلًا أكثر دموية… وأكثر تدويلًا.وهنا، تتوقّف هذه الحلقة عند لحظة ما قبل الانفجار الكبير،
كانت ليبيا، عند نهاية 2018، تقف على حافة سؤال كبير، لا على حافة حل.
كل الطرق السياسية بدت مسدودة، وكل التسويات بدت مؤقتة، والسلاح ظلّ حاضرًا بوصفه اللغة الأخيرة حين تعجز الكلمات.
وفي ذلك المشهد المعلّق، بدأت الأسئلة تتكاثر بلا إجابات:
إذا كان الصندوق قد انكسر في 2014، فهل يمكن إصلاحه في بلد لم يُصلَح بعد؟
هل كان الحسم العسكري محاولة أخيرة لإنهاء الفوضى… أم بداية فوضى أوسع؟
حين زحفت القوات نحو طرابلس، هل كانت تسعى إلى إنقاذ الدولة، أم إلى امتلاكها؟
أين يقف المدني في معركة تُخاض باسمه، وتُدمّر بيته؟
وهل كانت التدخلات الخارجية عامل توازن مؤقت، أم الشرارة التي أطالت الحرب؟
وماذا يبقى من فكرة الوطن، حين يكبر جيل كامل وهو لا يعرف من الدولة إلا غيابها؟
هذه الأسئلة لم تكن نظرية، بل كانت تتقدّم مع الدبابات،
وترافق أصوات القصف،
وتدخل بيوت الناس دون استئذان.

ومع اقتراب الحرب من أبواب العاصمة، لم يعد السؤال: هل ستقع المعركة؟
بل: كيف ستغيّر ليبيا إلى الأبد؟
في الحلقة السادسة، نتابع الوقائع كما حدثت: من لحظة إعلان الهجوم على طرابلس،
إلى اصطفاف القوى الإقليمية، إلى الكلفة الإنسانية التي دفعتها العاصمة بيتًا بيتًا.
القصة لم تنتهِ بعد.

شارك المقال: