مقالات
د. أيمن منصور ندا
د. أيمن منصور ندا

أستاذ الإعلام المصري

د. أيمن منصور ندا يكتب: هندسة النسيان

وكانت مقالات هيكل (بصراحة) في الأهرام، وبيانات أحمد سعيد في "إذاعة صوت العرب" هي أساس التوجيه والتعبئة

مشاركة:
حجم الخط:

خمس ركائز لصناعة رواية النكسة

لم تكن حالة الأستاذ محمد حسنين هيكل في يونيو 1967 هي حالة “الإنكار” التي حدَّثنا عنها علماء النفس كاستجابة للمصائب في بداياتها، ولكنَّها حالة كذب صارخة، ومتعمدة، وواعية.

لم يكن هيكل جاهلاً بما حدث، وبما سيحدث، وإنَّما كان قائداً لمنظومة تضليل كاملة، أشبه بما يقوم به كثير من أدعياء السياسة والإعلام في وقتنا الحالي!

لم يكن ما يقدِّمه هيكل أيام عبد الناصر، ومن بعده السادات، إعلاماً بالمفهوم العلمي للإعلام، بل كان “دعاية” صرفة، وتضليلاً كاملاً، وغسيل أدمغة تاماً، وخداعاً محضاً، وتزييفاً شمل كلَّ شيء.

ساعد هيكل على ذلك، ثقافة رفيعة، وموهبة في الكتابة لا تُبارى، وذاكرة فوتوغرافية تلتقط كلَّ شيء، وموقع رسمي سمح له بالاطلاع على كلِّ شيء، والمشاركة في صنع القرار.

د. أيمن منصور ندا يكتب: الهزيمة التي دخلت التاريخ باسمٍ مستعار (2)

د. أيمن منصور ندا يكتب: فن التلطيف والتخفيف (نكسة 67 نموذجا)

وهو ما لم يُتح لغيره

خطَّ هيكل كلمة البداية، ورسم “معالم في الطريق”، سار عليها كلُّ من جاء بعده، بمهارات أقل، وبموهبة أدنى.

وهو ما نشهد تجلياته في إعلامنا الحالي الذي سيطر عليه الغلمان، وذوو العاهات، والمؤلفة قلوبهم وجيوبهم.

وقد اعتمد الخطاب الناصري (الذي قاده الأستاذ هيكل) في تحقيق هذه الأهداف على خمس ركائز، تشكِّل مجتمعةً الأساس النفسي والسياسي لاستراتيجية ما بعد يونيو 1967:

أولاً: الاعتقاد في أنَّ الشعب لن يعلم

خاصة وأنَّ وسائل الإعلام كانت تحت السيطرة المُحكَمة، وكان هناك تشويش على الإذاعات الأجنبية، ومنع للصحف الأجنبية التي تنقل أخبار الحرب من الدخول للبلاد.

احتكرت الدولة المعلومات، وعملت على توجيه الرأي وفق روايتها.

وكانت مقالات هيكل (بصراحة) في الأهرام، وبيانات أحمد سعيد في “إذاعة صوت العرب” هي أساس التوجيه والتعبئة.

ولأنَّ “حَبْل الكذب قصير”، ولأنَّ “الشمس لا تُغطَّى بغُرْبِال” لذا فقد تسربت أخبار الهزيمة سريعاً، وانكشف الغطاء عن النظام في وقت قصير.

ثانياً: الاعتقاد في أنَّ الشعب لن يطالب بأكثر مما يقدِّمه له النظام

ولذا، فإنَّ سقف المطالبات يجب أن يحدده النظام بسرعة، وأن يحدد البدائل التي يختار الشعب من بينها.

لم تكن هناك إجابات مفتوحة، بل كانت أسئلة مغلقة “بالضبة والمفتاح” برعاية التسلط الأمني الداخلي.

خيَّر النظام الشعب بين تنحي عبد الناصر أو رجوعه بشروط، واختار الشعب أن يرجع عبد الناصر وبدون شروط أو عقاب!

واسُتخِدمت “مسرحية التنحي” كأداة لدعم الولاء لعبد الناصر، ووسيلة لتجديد شرعية حكمه، وتمديد مشروعية بقائه في السلطة.

أما الركيزة الثالثة، فهي الاعتقاد الراسخ بأنَّ الشعب “نساي”

وأنَّ الزمن كفيل بمحو الذاكرة الجمعية.

هذه الفكرة التي اختزلها نجيب محفوظ في عبارته الشهيرة: “آفة حارتنا النسيان” تحوَّلت إلى عقيدة راسخة لدى الرئيس عبد الناصر، ولدى من جاء بعده من الرؤساء.

اعتمد عبد الناصر على أنَّ الشعب المصري لديه ذاكرة السمكة، وأنَّه سينسى لحظات الانكسار كما نسي قبلها وعوداً كثيرة أطلقها عبد الناصر، وأنَّ “عقل الشعب المصري في أذنيه”

على حدِّ وصف أمير الشعراء أحمد شوقي:

“ملأ الجو هتافاً.. بحياة قاتليه… أثَّر البهتان فيه.. وانطوى الزور عليه… يا له من ببغاء.. عقله في أذنيه”

ولقد أفرط الرئيس عبد الناصر في إطلاق الوعود بعد الهزيمة والتي لم يحقِّق منها شيئاً حتى وفاته المفاجئة:

“إزالة آثار العدوان” “استعادة الكرامة العربية”، “الوحدة العربية طريق النصر”، وغيرها من الوعود.

الركيزة الرابعة

التي اعتمد عليها نظام الرئيس عبد الناصر في التخفيف من وقع الهزيمة (النكسة)

كانت في توسيع نطاق “التتفيه والهزل” بهدف التخفيف من التوتر الشعبي، وتذويب الغضب، في نكات، وطرائف، وأحاديث جانبية، حتى لا يتبلّور وعي نقدي حقيقي مضاد للنظام ومعارض له.

كان نظام الرئيس عبد الناصر أسبق من “آلان دونو” أستاذ العلوم السياسية في جامعة مونتريال بكندا في التوصل إلى مصطلح “نظام التفاهة” (2016)

ففي السنوات التي أعقبت النكسة، أصبحت ثقافة التفاهة والهزل والابتذال و”الهلس” مسيطرة على كافة مناحي الحياة في مصر، وتم تشجيع تحويل المأساة إلى ملهاة، وإلى السخرية من الهزيمة كوسيلة للتغلب عليها.

وظهر في هذه الفترة “فن اللامبالاة” (مع الاعتذار لمارك مانسون صاحب الكتاب الشهير)، وانتشرت أشكاله الظاهرة والمقنَّعة.

وكانت الحياة المصرية أشبه ب”ثرثرة فوق النيل”! “وبلدنا ع الترعة بتغسل شعرها”!

وأخيراً، فقد كانت الركيزة الخامسة هي “خلق المسارات البديلة”، و”تحويل الانتباه”، فبدلاً من الانشغال بسؤال:

من المسؤول؟

أصبح السؤال: كيف ننهض؟

وبدلاً من المحاسبة على الماضي ومعاقبة المخطئين والخائنين، جرى التركيز على سيناريوهات المستقبل.

وبدلاً من مراجعة الأداء السياسي والعسكري، جرى التركيز على مشاريع اقتصادية وتنموية، وتم الترويج للشعار الخالد “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” و”سنقاتل”.

وأصبح “الصبر” هو الفضيلة التي يتم مطالبة الشعب بالتحلي بها، وتم استدعاء الأغنية الشهيرة لفايدة كامل (1956)

“فات الكتير يا بلدنا.. ما بقاش إلا القليل” لتصبح الشعار الرسمي للرؤساء المصريين عقب النكسة وحتى أيامنا الحالية!

وهكذا لم تكن النكسة هزيمة عسكرية فقط، بل كانت تمريناً واسعاً على إدارة الوعي:

احتكاراً للمعلومة، وتحديداً لسقف الغضب، ورهاناً على النسيان، وتذويباً للمأساة في الهزل، ثم تهريباً للأسئلة الكبرى إلى شعارات المستقبل.

وربما كانت الكارثة الأعمق أن هذه الركائز لم تُدفن مع يونيو 1967، بل بقيت، بأسماء جديدة ووجوه أقل موهبة، تعمل في المجال العام حتى اليوم.

لذلك، فإن تذكّر النكسة ليس استدعاءً للماضي، بل مقاومةٌ لطريقةٍ كاملة في صناعة الطاعة، وتجميل الهزيمة، وتدريب الشعوب على أن تنسى ما لا يجوز نسيانه!

وللحديث بقية، غدا إن شاء الله..

(المقال تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع )

شارك المقال: