إبراهيم القاضي يكتب: ذهبت لتأخد ثأر أخيها، فعادت حامل!
أعلن ترامب من بيته الأبيض مزهوًا كالديك الرومي، إن الهدف هو تحطيم المشروع النووي الإيراني، وشل القدرات الصاروخية، وإنهاء النفوذ الإيراني الممتد في المنطقة

ترامب يوقع مذكرة التفاهم مع إيران (وكالات)
في السياسة كما في الحروب، لا تُقاس الانتصارات بعدد القنابل التي أُلقيت، بل بمدى اقتراب المتحاربين من الأهداف التي أعلنوا أنهم دخلوا المعركة من أجلها.
قبل أن تشتعل النيران في سماء الخليج، كانت إيران تعيش أزمات داخلية خانقة، اقتصاد يئن تحت العقوبات، وشعب تتنازعه هموم المعيشة، وأصوات احتجاج تتصاعد هنا وهناك.
كان النظام الإيراني يواجه مأزقه الخاص، وكان مضيق هرمز مفتوحًا أمام التجارة العالمية، تعبره السفن كما تعبر اللحظات السعيدة على الإنسان.
ثم جاءت الحرب، وأعلن ترامب من بيته الأبيض مزهوًا كالديك الرومي، إن الهدف هو تحطيم المشروع النووي الإيراني، وشل القدرات الصاروخية، وإنهاء النفوذ الإيراني الممتد في المنطقة، عبر قطع أذرعها الطويلة.
انطلقت الطائرات، وسقطت آلاف الصواريخ، واهتزت الأرض تحت أقدام الجنرالات والقادة، وقُتل الصف الأول والثاني والثالث من قادة النظام الإيراني_ وفق الرواية الأمريكية_
إبراهيم القاضي يكتب: حين يصبح ناهش الأعراض بطلًا
إبراهيم القاضي يكتب: أم كلثوم.. حين يصبح الصوت ذاكرة وطن
وخرج الرئيس الأمريكي على العالم الذي وضع يده على قلبه من أفعال المجنون البرتقالي التي لا يمكن توقعها، وصور لنا المشهد في بدايته وكأنه عملية خاطفة ستفرض واقعًا جديدًا في الشرق الأوسط.
لكن التاريخ كثيرًا ما يسخر من الخطط المرسومة على الخرائط، فالأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من سلاح، بل بما تملكه من قدرة على الاحتمال.
وقد أثبتت تجارب الشعوب عبر القرون أن الحروب تبدأ عادة بأهداف واضحة، لكنها كثيرًا ما تنتهي بتسويات لا تشبه الأحلام الأولى لأصحابها.
اليوم يحق للمراقب أن يتساءل:ماذا تحقق من الأهداف المعلنة؟هل انتهى البرنامج النووي الإيراني؟هل اختفت الصواريخ من المعادلة؟ هل تلاشى النفوذ الإيراني في الإقليم؟
الحقيقة أن المنطقة خرجت أكثر اضطرابًا مما دخلت، وخاصة دول الخليج، التي أورثها ترامب جراء حربه ضغائن مع جارتهم، لا أحد يعلم متى أو كيف ستنتهي.
وبات عليها أن تدفع فاتورة نزق ترامب وكذلك أحلام مجرم الحرب الصهيوني نتنياهو، فدول الخليج لم تكن يومًا راغبة في هذه الحرب مع جارتهم، وجاهدت من أجل النأي بنفسها عن نارها، لكنها وجدت نفسها تتحمل جانبًا كبيرًا من أعبائها وتداعياتها.
وحين انقشع دخان المعركة وجاء الاتفاق، بدا وكأنها تدفع ثمن حرب لم تخترها، وسلام لم تشارك في صياغته، وكما يقول المثل الإفريقي: إذا تصارعت الأفيال، كان العشب أكثر الضحايا معاناة.
خرج النظام الإيراني من الحرب أكثر تماسكًا مما دخلها، ولا سيما جناحه المتشدد، الذي وجد فيها فرصة لتعزيز نفوذه وترسيخ خطابه.
كما اكتسب النظام قدرًا من الشرعية في مواجهة الأصوات الداخلية المطالبة بالحرية والديمقراطية وتحسين الأوضاع المعيشية، بل إن الحرب قد تُستخدم ذريعة لتشديد القبضة الأمنية، ووصم المعارضين بأنهم طابور خامس يعمل لمصلحة الأعداء.
المفارقة التي تستوقف المتابع أن مضيق هرمز، الذي كان مفتوحًا قبل الحرب، أصبح بعد الحرب محورًا للأزمات والمساومات.
فلقد وضعت إيران يدها عليه، وصار الحديث عن فرضها رسوم عبور على السفن في سابقة خطيرة، ستضع رقبة التجارة العالمية تحت مقصلة الفرس، تتحكم فيها كما تشاء.
كما أن الشرق الأوسط الذي قيل إن الحرب ستعيد تشكيله على صورة جديدة رومانسية يعم فيها السلام والرخاء والاستقرار، يبدو وكأنه دخل فصلًا آخر من فصول الصراع الطويل.
والحديث عن بتر أذرع إيران، صار من أحاديث الهزل، فبعد الاتفاق أصبح لبنان وكأنه جزء من إيران، تتحكم إيران في مصيره، وتتفاوض باسمه.
إن أخطر ما في الحروب ليس ما تستهلكه من ذخائر، بل ما تخلقه من وقائع جديدة، فالرصاصة قد تنتهي في لحظة، أما آثارها السياسية فقد تمتد سنوات طويلة.
ولهذا فإن الحكم الحقيقي على أي حرب لا يصدره الجنرالات أثناء المعركة، بل يكتبه التاريخ بعد أن يهدأ غبارها، ويقارن بين الأهداف التي رُفعت في البداية، والنتائج التي بقيت على الأرض في النهاية.
وحين يفعل التاريخ ذلك، فإنه لا يسأل من كان الأقوى، بل يسأل: من الذي حصل في النهاية على ما أراد؟






