تقارير

أطفال بلا قبور.. عائلات فلسطينية تنتظر استعادة جثامين أبنائها

تقول منظمة مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان إن إسرائيل تحتجز مئات الجثامين الفلسطينية، بينهم أطفال، وإن احتجاز الجثامين يحرم العائلات من دفن أبنائها وتوديعهم وممارسة طقوس الحداد. وتقول المنظمة إن هذه السياسة استُخدمت كورقة ضغط في سياق المفاوضات

مشاركة:
حجم الخط:

احتجاز جثامين أطفال فلسطينيين.. عائلات تنتظر منذ أشهر لدفن أبنائها

تعيش عائلات فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة حالة من الانتظار والألم منذ أشهر،

بعد مقتل أطفال ومراهقين واحتجاز جثامينهم، وفق شهادات عائلاتهم ومسعفين وحقوقيين نقلها تقرير لموقع ميديابارت الفرنسي.

وبحسب منظمة مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان (JLAC)،

تحتجز إسرائيل نحو 800 جثمان فلسطيني، بينهم 83 طفلًا. وتقول المنظمة إن احتجاز الجثامين استُخدم

منذ سنوات كورقة ضغط ومساومة في سياق المفاوضات.

وتكشف قصص عائلات في مخيم الفارعة واليامون وبيت أمر عن معاناة تتجاوز فقدان الأبناء،

لتشمل انتظار معرفة أماكن جثامينهم، وعدم القدرة على إقامة جنازاتهم ودفنهم وزيارة قبورهم.

وتؤكد JLAC في وثائقها أن سياسة احتجاز الجثامين تحرم العائلات من توديع أقاربها ودفنهم

وفق طقوسها الدينية والثقافية، وتسبب معاناة ممتدة للأسر.

“اليونيسف”: أطفال غزة يعانون من انهيار شامل في منظومة الصحة والمياه والتعليم

جثمان جاد.. تسعة أشهر من الانتظار

في مخيم الفارعة قرب طوباس شمال الضفة الغربية، ما تزال والدة جاد جادالله، البالغ من العمر 14 عامًا، تنتظر معرفة مكان جثمان ابنها.

وبحسب رواية العائلة، كان جاد عائدًا من نادٍ للألعاب بعد انتهاء المدرسة في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2025،

عندما وقع إطلاق نار خلال مداهمة عسكرية إسرائيلية للمخيم.

وتقول والدته، أم قصي، إنها سمعت أصوات الرصاص وشعرت بأن ابنها كان المستهدف.

وبحسب شهادات نقلتها العائلة، منع الجيش الأم من الخروج أو الاقتراب من المكان،

بينما ظل جاد مصابًا لنحو 45 دقيقة، دون أن يتمكن المسعفون من الوصول إليه.

وقال حسن فقها، المسعف في الهلال الأحمر الفلسطيني، إنه وصل إلى المكان بعد دقائق من تلقي البلاغ، لكنه مُنع من تقديم الإسعاف.

وأضاف أن الجنود أوقفوا سيارة الإسعاف ووجهوا أشعة الليزر نحو أفراد الطاقم، رغم محاولتهم الوصول إلى الطفل.

ووفق رواية العائلة، نقل جنود إسرائيليون جثمان جاد لاحقًا بعد وضعه على سجادة أُخذت من منزل أحد الجيران،

بعدما طلب الجنود كيسًا كبيرًا لنقل الجثمان.

ومنذ ذلك الوقت، تقول والدته إنها لم تحصل على معلومات واضحة بشأن مكان جثمان ابنها أو مصيره.

وتقول أم قصي إن حياتها توقفت بعد وفاة ابنها، وإن كل ما بقي لديها منه حجران صغيران ملطخان بالدماء،

احتفظت بهما داخل ورقة من الألمنيوم.

وبمساعدة JLAC، بدأت الأسرة إجراءات قانونية للمطالبة بإعادة الجثمان.

ووفق المعطيات الواردة في التقرير، أبلغ المدعي العام المحكمة العليا الإسرائيلية في 27 أغسطس/آب بنيته إعادة الجثمان.

وقد أفادت تقارير حديثة بأن السلطات الإسرائيلية قررت بالفعل إعادة جثمان جادالله بعد أكثر من تسعة أشهر من احتجازه.

1.022 رضيعًا من بين أكثر من 21.500 طفل قُتلوا في غزة

مراد أبو سيفين.. أم ترفض تصديق رحيله

في بلدة اليامون شمال الضفة الغربية، تنتظر شادية جثمان ابنها مراد أبو سيفين، البالغ من العمر 14 عامًا،

والذي قُتل خلال مداهمة عسكرية ليلية في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وفق رواية أسرته.

وتقول والدته إنها علمت بمقتل ابنها بعدما بدأت صور جثمانه تنتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

وبحسب رواية الأسرة، أُطلق عليه عدد من الرصاصات في منطقة الرأس، بينما منعت القوات الإسرائيلية

سيارات الإسعاف من الوصول إليه.

وقالت السلطات الإسرائيلية، وفق الرواية التي نقلتها الأسرة، إن مراد كان يحمل عبوة ناسفة.

وتنفي عائلته ذلك، وتقول إن جسمًا مشبوهًا وُضع بالقرب منه بعد إطلاق النار عليه.

ومنذ ذلك اليوم، لم تتمكن والدته من رؤية جثمان ابنها.

وتقول شادية إن عدم رؤية الجثمان يجعلها غير قادرة على تقبل وفاته بصورة كاملة،

وإنها تريد استعادته حتى تتمكن من دفنه وزيارة قبره.

محمد إبراهيم.. امتحانات الثانوية من دون صاحبها

في اليامون أيضًا، كان محمد إبراهيم، البالغ من العمر 16 عامًا، يستعد لخوض امتحانات الثانوية العامة الفلسطينية عام 2026.

لكن الأسرة تقول إنه قُتل في 13 ديسمبر/كانون الأول 2025، وإن القوات الإسرائيلية منعت وصول سيارات الإسعاف واحتجزت جثمانه.

وفي 20 يونيو/حزيران 2026، وقفت شقيقته كوثر، البالغة سبع سنوات، إلى جانب والدتها أمام مكتب الدراسة

الذي كان محمد يستعد لاستخدامه في امتحاناته.

وقالت والدته في نداء مؤلم: «ساعدونا، أريد أن أتمكن من دفن ابني».

وفي مقبرة اليامون، توجد أماكن كان يفترض أن يُدفن فيها محمد ومراد، لكن القبرين ما زالا ينتظران عودة الجثمانين.

بلال ومحمد.. قتيلان قرب مستوطنة

في بلدة بيت أمر جنوب الضفة الغربية، تنتظر عائلتان جثماني بلال ومحمد، وكلاهما في الخامسة عشرة من العمر.

وفي 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، كان الشابان يساعدان في حصاد الخضروات بالقرب من مستوطنة كرمي تسور،

بعدما أُغلقت المدارس في ذلك اليوم.

وتقول عائلة بلال إن الشابين كانا يعملان لكسب بعض المال.

وبحسب رواية الأسرة، اتصل بلال بوالده قرابة الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر، وقال إنه في طريق العودة إلى المنزل.

وبعد دقائق، أُطلقت ست رصاصات من اتجاه برج مراقبة تابع للمستوطنة، وفق رواية العائلة.

وأصيب الشابان وقُتلا في المكان، بينما تقول الأسرة إن الجيش منع فرق الإسعاف من الوصول إليهما، ثم احتجز الجثمانين.

وبحسب خبير استعانت به عائلتا الشابين، كانا على مسافة تقارب 270 مترًا من السياج المحيط بالمستوطنة.

وتقول الرواية الواردة في التقرير إن الجيش يمنع الفلسطينيين من الاقتراب لمسافة تقل عن 300 متر من الموقع،

من دون وجود حدود واضحة ومحددة للمنطقة المحظورة.

غرفة بلال لم تتغير

بعد مرور أشهر على مقتل بلال، بقيت غرفته في منزل عائلته كما تركها.

سريره وألعابه المحشوة وسادته التي تحمل صورة شخصية من مسلسل الأطفال

«دورا المستكشفة»، وغطاؤه الذي يحمل شخصيات «فانتاستيك فور»، إلى جانب سجادة الصلاة، لا تزال في أماكنها.

وتقول والدته ياسمين إنها لا تستطيع تغيير شيء في الغرفة منذ رحيله.

وتروي أن بلال خرج صباح ذلك اليوم بعدما قبّل والدته وشقيقه الصغير، لكنه لم يعد إلى المنزل.

وبحسب الأسرة، نشرت القوات الإسرائيلية صورًا للشابين عبر تطبيق تيليغرام، ووصفتهم بأنهم «إرهابيون» وحاملون لزجاجات حارقة.

وتقول العائلة إن إحدى الصور تظهر جنديًا جالسًا على رأس بلال.

جثامين محتجزة وحداد مؤجل

لا تقتصر معاناة هذه العائلات على فقدان أبنائها، بل تمتد إلى عدم معرفة مكان جثامينهم وموعد استعادتها.

وتقول JLAC إن الإجراءات القانونية التي ترفعها عائلات فلسطينية أمام المحاكم الإسرائيلية للمطالبة

بإعادة الجثامين غالبًا ما تستغرق وقتًا طويلًا، وإن معظم القضايا السابقة لم تنته بإعادة الجثامين.

وتشير المنظمة إلى أن احتجاز الجثامين يحرم العائلات من توديع أحبائها ودفنهم، ويمنعها من ممارسة طقوس الحداد وزيارة القبور.

وفي يونيو/حزيران 2026، قالت منظمة بتسيلم إن إسرائيل كانت لا تزال تحتجز 18 جثمانًا من أصل 54 طفلًا

ومراهقًا فلسطينيًا قتلوا في الضفة الغربية خلال عام 2025، وفق بياناتها حتى 6 يونيو.

كما دعا تقرير صادر عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى إعادة جثامين الأطفال الفلسطينيين

إلى أسرهم وإنهاء ممارسة احتجاز جثامين الأطفال وغيرهم من الضحايا الفلسطينيين.

وبالنسبة إلى الأسر التي تناولها التقرير، يتحول الانتظار إلى شكل آخر من المعاناة.

لا جنازة تقام. ولا قبر يمكن زيارته. ولا يقين كامل بشأن المكان الذي يرقد فيه الأبناء.

وفي مخيم الفارعة واليامون وبيت أمر، تبقى صور الأطفال معلقة على الجدران،

وتظل غرفهم كما تركوها، فيما تنتظر عائلاتهم استعادة الجثامين ودفنها، أملاً في أن يبدأ الحداد بصورة يمكن احتمالها.

شارك المقال: