مقال بوك
ندى طعيمة
ندى طعيمة

كاتبة وناشطة

ندى طعيمة تكتب: رحل صاحب الموسيقى المصرية الخالصة (هاني شنودة)

مشاركة:
حجم الخط:

في أحد نهارات السبعينيات، خرج ملحنٌ شاب من لقاءٍ طويل مع فاتن حمامة.

كانت جلسة عمل انتهت بستة عشر شرطًا وضعتها سيدة الشاشة العربية قبل أن تمنحه موافقتها على تأليف الموسيقى التصويرية لفيلمها الجديد.

حمل الشاب أوراقه، وغادر وهو قد حسم أمره في داخله: لن يؤلف موسيقى هذا الفيلم.

عاد إلى منزله في منطقة الإسعاف، بالقرب من دار القضاء العالي، مثقلًا بما بدا له قيودًا أكثر منه شروطًا.

وحين وقف أمام المصعد، انقطعت الكهرباء، فاضطر إلى صعود الدرج. هناك، وعلى السلالم، حدث ما لا يحدث إلا للفنانين الحقيقيين.

لم تعد الشروط شروطًا، بل تحولت في ذهنه إلى سلالم موسيقية، يصعدها كما يصعد الدرج، درجةً بعد أخرى. ومع آخر درجة، كان قد وصل إلى اللحن.

دخل غرفة عمله، وجلس أمام آلته.

فخرجت من بين أصابعه مقطوعة أصبحت فيما بعد واحدة من العلامات المضيئة في السينما المصرية، نالت جائزة رفيعة، وفتحت أمامه بابًا واسعًا إلى عالم الموسيقى التصويرية، بالتوازي مع النجاح الكبير الذي كانت تحققه فرقته “المصريين”، التي كانت يومها حديث الشارع المصري.

وعلى بُعد ثلاثةٍ وتسعين كيلومترًا شمال القاهرة، كان الشاب نفسه قد جلس قبل سنوات بين آلاف المحبين في مولد السيد البدوي بطنطا، ينصت إلى الشيخ سيد النقشبندي بشغفٍ خالص، كأن الموسيقى والابتهال كانا يلتقيان في قلبٍ واحد.

وبعد سنوات طويلة، جلستُ إليه داخل أحد استوديوهات الهرم، المكان الذي مرّت به أصوات محمد منير ونجاة وعمرو دياب وإيمان يونس، لأحاوره عن رحلةٍ امتدت لعقود، صنعت جزءًا من الوجدان المصري.

هاني شنودة يصر على الجلوس إلى جوار آلة الأورج.

في البداية ظننته اختيارًا عابرًا، لكن بعد دقائق، عندما انتقلنا إلى غرفة أخرى لضبط الإضاءة، وجدنا أورجًا آخر ينتظر هناك، كأن الآلة ليست قطعة أثاث، بل امتدادٌ طبيعي لصاحبها.

وما إن بدأ الحديث حتى أدركت السبب، كان لا يجيب بالكلمات وحدها، بل بالموسيقى أيضًا. يقطع الحكاية فجأة ليعزف جملة من “شمس الزناتي”، أو “المشبوه”، أو “ماشية السنيورة”، أو “زحمة يا دنيا زحمة”

كان يترك اللحن يكمل ما تعجز عنه اللغة، ثم يبتسم مرددًا عبارته التي تشبه سيرته كلها: “أنا رجل قدري.”

رحل هاني شنودة، الموسيقار الكبير، ليترك في الذاكرة المصرية زخمًا يصعب أن يخفت.

فالألحان الحقيقية لا تعرف عمرًا، ولا تتقاعد، ولا تغيب. تظل تمشي بين الناس، وتسبق أصحابها إلى القلوب، حتى يصبح اسم صاحبها مرادفًا لكل نغمةٍ صنعت لحظةً جميلة في حياة بلدنا.

رحم الله الأستاذ هاني شنودة

شارك المقال: